هيثم مناع

هيثم مناع

- مواليد 16 مايو/أيار 1951 في جنوب سوريا (أم المياذن) من عشيرة العودات، ودرس الطب في جامعة دمشق وجامعة ماري وبيير كوري في باريس.

- أصالة الموقف العربي الإسلامي
- الحصانة في الثقافة الغربية

- نحو عهد جديد

يتمتع قادة الدول، حتى في حال ارتكابهم لانتهاكات جماعية جسيمة لحقوق الإنسان، بحصانة غربية بالمعنى التقليدي تحول دون إجراء محاكمة جنائية لهم على الأقل أثناء ممارستهم لمهامهم.

وهذه الحصانة موجودة في الدستور والقانون الأساسي على الصعيد الوطني وفي العرف الدولي، وهي محصلة الجمع بين فكرة سيادة الدولة/الأمة وفكرة المزج بين هذه السيادة وبين من يمثلها على رأس الدولة، حيث يصبح التعرض للرئيس بهذا المعنى تعرضا لسيادة دولته.

ولكن السؤال المطروح على المجتمع البشري اليوم، وقد أصبحت السيادة مفهوما نسبيا بكل المعاني، هو ما معنى أن تبقى حصانة رؤساء الدول؟ وهل هذه الحصانة مطلقة؟ هل هي مقدسة؟ وهل يمكن قبول مبدأ الحصانة لإغماض العين في القرن الـ21 عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم العدوان؟

من الضروري لمناقشة موضوع الحصانة الفردية التذكير بأن هذه الحصانة تعبير عن حالة استثنائية، وبالتالي لم يكن السبب الأول لها الطبيعة المطلقة للسلطات في الأزمنة القديمة، بقدر ما كانت ابنة وضع غير عادي يستلزم استثناء قانونيا أكثر مما هي امتياز شخصي.

هذه الحالة تعود بنا بعيدا في الذاكرة البشرية حيث كان حامل الرسائل بين الحكومات والدول بالعرف يمتلك الحماية ولو كانت الرسالة التي بحوزته تتضمن إعلان حرب.

وبهذا المعنى فقط يمكن القول إن الحصانة في المجتمع البشري قبل الحضارة الغربية كانت عالمية الطابع. أما مفهوم حصانة رئيس الدولة -ملكا كان أو أميرا أو رئيسا- فلم تكن موضوع إجماع عالمي قديم.

"
طموحنا أن تجد أصوات المطالبين بإلغاء الحصانة الرئاسية في كل المدافعين عن المقومات الحضارية الكبرى وعن مبادئ العدالة في الإسلام وغيره، حليفا طبيعيا لهم
"
أصالة الموقف العربي الإسلامي
من المعروف أن الموقف في صدر الإسلام صارم من أي استثناء لمسؤول أو قريب مسؤول من مواجهة القضاء كغيره من الناس.

وإذا كان القرآن الكريم ينطلق من موقف أخلاقي عالمي سام أكثر منه إجابات قانونية محدودة الزمان والموضوع، فقد شهدت العقود الأربعة الأولى في حياة الدين الجديد عدة مواقف أساسية تنم عن رفض فكرة التمايز والحصانة القضائية من حيث المبدأ.

فقد جاء عند الإمام أحمد ومسلم والنسائي مأثورا عن الرسول صلى الله عليه وسلم "إنما هلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده! لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها".

وأما عن غياب الحصانة حتى عن الأنبياء، فقد أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم قبيل وفاته "ألا من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد" أي يطلب القود وهو القصاص.

لقد طالب الخليفة أبو بكر الصديق المسلمين بتقويم الاعوجاج في سلوك الخليفة لا السكوت عنه، في حين اختصر الإمام علي بن أبي طالب في عهده إلى مالك الأشتر النخعي إقامة القضاء بين الناس بجملة جامعة "الحكم في إنصاف المظلوم من الظالم والأخذ للضعيف من القوي وإقامة حدود الله".

غياب أي نوع من الحصانة أو القدسية للحاكم في الإسلام بلغت أوجها في الانتفاضة على الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان وهو على المنبر ثم حصار بيته ثم الانقضاض الجماعي عليه.

إن ما يهمنا من هذا التناول التاريخي السريع التذكير بأن مفهوم التقدم نسبي جدا، والمطالبة بالحصانة لمجرد التمتع بمنصب سلطة هي من نقائص الأعراف القانونية الغربية التي أصبحت بقوة التأثير وإعادة الاستهلاك من قبل دول لا يملك حكامها حتى حق التعبير عن سيادة الدولة أو تمثيلها.. أصبحت بفضل هذا وذاك عالمية الطابع. كما أن نمو اتجاه مقاوم مختلف سيأخذ حقه عالميا في العقود إن لم نقل السنوات القادمة.

وإذا كانت منظمات حقوق الإنسان غير الحكومية تعتبر سلطة الحصانة حصنا لتعسف السلطة، وتطالب في حال وجودها لدى النائب أو الصحفي أو الناشط الحقوقي، بالتزام أخلاقي وقانوني منه بأن لا يسيء استعمال ما يحميه أثناء ممارسة مهامه، فهي لا تقبل الحماية من العقاب في الجرائم الجسيمة لأي متمتع بحصانة مهما كان نوعها. ومن هنا كان الدور المتميز الضروري للعالمين العربي والإسلامي في معركة رفع الحصانة.

وطموحنا بأن تجد أصوات المطالبين بإلغاء الحصانة الرئاسية، في كل المدافعين عن المقومات الحضارية الكبرى في الإسلام وعن مبادئ العدالة المتساوية في التاوية وغيرهم من المنادين بنصرة الضعفاء ومناهضة عنجهية القوة، حليفا طبيعيا لهم.

"
هناك عرف دولي يمنح رؤساء الدول حصانة أثناء قيامهم بمهامهم، ولكن الدولة الحديثة لم تكتف به بل وسعته ليشمل رئاسة الوزراء ووزارات سيادية في عدة بلدان
"
الحصانة في الثقافة الغربية
حتى اليوم لا توجد اتفاقية دولية لحصانة الدول، وهناك فقط اتفاقية صادرة عن مجلس أوروبا صدق عليها عدد قليل من الدول الأوروبية ويحق لغيرها من الدول التصديق عليها، وهي اتفاقية 16 مايو/أيار 1972.

في عام 1991 أحالت لجنة القانون الدولي إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة مشروع اتفاقية حول الحصانة، وحتى اليوم لم يتم صدور أي قرار بهذا الخصوص لعدم إمكانية التوصل إلى اتفاق، ولكن العرف الدولي يبقى بقيمة القانون الملزم حتى في غياب اتفاقية دولية تحدد معالمه.

هناك عرف دولي يمنح رؤساء الدول حصانة أثناء قيامهم بمهامهم، وهو ملزم كأي قانون، ولكن الدولة الحديثة لم تكتف بهذا المستوى من الحماية بل إنها وسعت الأمر ليشمل رئاسة الوزراء ووزارات سيادية في عدة بلدان.

والعالم يذكر كيف رفضت محكمة العدل الدولية في القرار الذي اتخذته في القضية المرفوعة من الكونغو ضد بلجيكا يوم 14 فبراير/شباط 2002 رفع الحصانة عن وزير الخارجية الكونغولي لأن هناك عرفا دوليا يحمي القنصل العام والسفير.

كان منطق المحكمة يقول إنه ما دامت هناك حصانة لهؤلاء فلا تجوز محاكمة أو ملاحقة من قام بتعيين القنصل العام والسفير.

وللتذكير فقد رفضت فرنسا وبلجيكا الطلبات التي تقدمت بها المنظمات الحقوقية في نوفمبر/تشرين الثاني 1998 لمحاكمة رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية لوران كابيلا أثناء زيارته لتلك الدولتين.

على صعيد الدساتير والقوانين الأساسية الوطنية، لا حاجة للاستشهاد بأكثر من النظام الأساسي لدولة إسرائيل الذي يعطي المثل الأسوأ لإطلاق الحصانة حيث جاء فيه:

"أ‌- لا يحاكم رئيس الدولة أمام أية محكمة عادية أو خاصة تتعلق بأمر ذي صلة بوظائفه وصلاحياته، بحيث تكون حصانته مطلقة.

ب‌- يحق لرئيس الدولة الامتناع عن الإدلاء بأي شهادة تتعلق بعمله كرئيس للدولة.

ج‌- تبقى حصانة رئيس الدولة سارية المفعول حتى بعد انتهاء مدة رئاسته".

نحو عهد جديد
في 16 أكتوبر/تشرين الأول 1998 كان لوصول أوغستو بينوشيه إلى لندن لإجراء عملية جراحية لفتق صغير أن زعزعت ما قام عليه مفهوم الحصانة في أوروبا، فقد أوقف البوليس دكتاتور تشيلي السابق بالاعتماد على مذكرة توقيف دولية أصدرها قاضيان إسبانيان بتهمة الإبادة الجماعية والتعذيب بحق أشخاص يحملون الجنسية الإسبانية.

بعد عشرة أيام طلب مكتب الشرطة السويسرية الاتحادي بدوره تمديد التوقيف الاحترازي بحقه بتهمة خطف وتعذيب وقتل مواطن سويسري، ثم تم تقديم ثماني شكاوى من لاجئين تشيليين أمام القضاء السويدي تبعتها شكاوى في بريطانيا وفرنسا.

بذلك بدأ مفهوم حصانة رئيس الدولة يهتز، والنقاش في الأوساط الحقوقية والقانونية يفتح على مصراعيه، إلا أن الدولة المسماة بالحديثة قامت لمنع سقوط مبدأ حصانة الرئيس.

ويمكن القول إنه بالمعنى الآني خسرت المنظمات الحقوقية والقضاة معركة محاكمة بينوشيه خارج الأراضي التشيلية، إلا أننا ونحن نكتب هذه الأسطر كسب شعب تشيلي المعركة مرتين، ليس فقط بانتخاب ابنة أحد ضحايا الدكتاتورية، ولكن عبر قرار قضائي صدر بين جولتي الانتخابات الرئاسية وبالتحديد يوم 11 يناير/كانون الثاني 2006، حيث رفعت محكمة الاستئناف التشيلية بـ17 صوتا مقابل ستة أصوات، الحصانة عن دكتاتور تشيلي السابق ليحاكم وهو في التسعين من العمر في قضية تتعلق بجريمتي قتل خارج القضاء عام 1973.

وتبنت المحكمة الدستورية العليا في إسبانيا مبدأ الاختصاص الجنائي العالمي الذي سبق أن تبنته بلدان أوروبية أخرى. بل في الولايات المتحدة نفسها ثمة هجمة مضادة للمحافظين الجدد تحاول وقف التدهور القضائي والحقوقي.

نذكر دائما أن الإنجازات القانونية الكبيرة تأتي في عصر التحركات الكبرى للشعوب كما تصدر عن القادة الكبار، أما التراجع فيما يحققه الناس من تقدم فهو ابن الحقب الرديئة وقياداتها الضحلة.

"
مفهوم حصانة رئيس الدولة بدأ يهتز، والنقاش في الأوساط الحقوقية والقانونية فتح على مصراعيه، إلا أن الدولة الحديثة قامت لمنع سقوط مبدأ حصانة الرئيس
"
رغم أنها لا تشكل أنموذجا للعدالة كمحكمة عسكرية استثنائية نصبها الغالبون في الحرب العالمية الثانية، فقد كان من مبادئ القانون الدولي التي أقرتها المحكمة المبدأ الثالث الذي ينص على أن "الشخص الذي ارتكب فعلا يشكل جريمة بموجب القانون الدولي والذي يعمل بصفته رئيس دولة أو موظفا حكوميا، مسؤول بموجب القانون الدولي".

وقد جاء في المادة السابعة في الفقرة الثانية من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة (1993) وفي المادة السادسة في الفقرة الثانية من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا (1994)، ما يؤكد أن الصفة الرسمية للشخص باعتباره رئيساً للدولة لا تعفيه بحال من الأحوال من المسؤولية الجنائية.

ويمكن القول إن النصر الأهم جاء عام 1998 عندما أكدت المحكمة الجنائية الدولية في المادة (27) من نظامها الأساسي على عدم الاعتداد بالصفة الرسمية حيث نصت على ما يلي:

1. يطبق هذا النظام الأساسي على جميع الأشخاص بصورة متساوية دون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية. وبوجه خاص فإن الصفة الرسمية للشخص -سواء كان رئيساً لدولة أو حكومة أو عضواً في حكومة أو برلمان أو ممثلا منتخباً أو موظفاً حكومياً- لا تعفيه بأي حال من الأحوال من المسؤولية الجنائية بموجب هذا النظام الأساسي، كما أنها لا تشكل في حد ذاتها سبباً لتخفيف العقوبة.

2. لا تحول الحصانات أو القواعد الإجرائية الخاصة التي قد ترتبط بالصفة الرسمية للشخص -سواء كانت في إطار القوانين الوطنية أو الدولية- دون ممارسة المحكمة اختصاصها على هذا الشخص.

رغم الهزة الأرضية التي أصابت مفهوم حصانة رئيس الدولة عام 1998 في القانون (نظام روما الأساسي) وفي الواقع (ملاحقة بينوشيه)، فقد تمكن منطق الدولة (La raison d’Etat) من المقاومة ليجسد -بحق- لا منطق الدولة (La déraison d’Etat).

وبقي العالم من حيث المبدأ بين ملاحقة ومضايقة الضعيف في حين تم تغييب محاسبة القوي، فمن يحترم اليوم الأعراف والقوانين الدولية سواء التقليدية أو التقدمية؟

عندما غزت الولايات المتحدة وبريطانيا العراق لم يكن هناك أي حماية قانونية دولية لهذا العمل الذي اعتمد منطق القوة، لأن الإدارة الأميركية تفرض على الدول التي تحصل على مساعدات أميركية أن توقع اتفاقيات ثنائية تضعها فوق المحاسبة أمام المحكمة الجنائية الدولية، فهل هذا قانون دولي؟

بهذا المعنى يستطيع مجلس الأمن الدولي الذي أقر متابعة ملف دارفور أمام المحكمة الجنائية الدولية (التي لا تعترف بها إدارة بوش ولا الحكومة السودانية) أن يلاحق دولا أخرى مثل سوريا أو إيران بنفس المنطق السريالي.

لقد وجهت المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة كما هو معروف الاتهام عام 1999 إلى رئيس جمهورية يوغسلافيا الاتحادية سابقا سلوبودان ميلوسوفيتش، ولكن هذا المبدأ لا يطبق بعد في المحاكم الوطنية في أي بلد عربي.

وحتى لا نذهب إلى أبعد من ذلك، نقول إن تسليم المسؤول الصربي كان بتفسير واسع الذمة لدستور يوغسلافيا الذي يمنع تسليم رئيس البلاد لدولة أخرى حيث اعتبر التسليم إلى الأمم المتحدة لا إلى بلد آخر.

الإدارة الأميركية تخوض منذ استلام جورج دبليو بوش الحكم معركة مفتوحة مع القانون الجنائي الدولي، في محاولة لإنشاء منظومة عدالة موازية تخضع لشروطها السياسية ومصالحها القومية.

"
يجب أن يكون المبدأ هو أن لا حصانة لأحد من مرتكبي الجرائم الجسيمة، بدل أن تكون الحصانة للقوي مع استباحة الضعيف
"
رغم أن المحكمة الجنائية الدولية لم تنشأ كما طالبت المنظمات غير الحكومية والمجتمعات المدنية في العالم، فإن مجلس الأمن يستطيع رفع دعوى أمامها أو سحب أخرى منها أيضا.

وكما قلت يوما فإن مشكلة العدالة الجنائية الدولية أنها قضاء جالس (القاضي) وقضاء واقف (المحامي) وذئب متربص (مجلس الأمن).

هل من الضروري التذكير بأن العرف الدولي حسب التعريف هو أولا تراكم شروط وممارسات مادية وثانيا شرط نفسي واعتباري؟!

من هنا تكون ضرورة تفعيل أشكال المحاكمات الرمزية والاعتبارية وبناء جبهة عالمية للتحسيس بأهمية عدالة دولية متساوية على مستوى الأشخاص ومستوى الدول.

فكلما تزايد عدد الشخصيات والمنظمات والهيئات والدول المطالبة برفع الحصانة سنصل إلى ذلك، وعندها يجب أن يكون المبدأ أن لا حصانة لأحد من مرتكبي الجرائم الجسيمة، بدل أن تكون الحصانة للقوي مع استباحة الضعيف.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك