إبراهيم حمّامي

التعاون الكامل والمشاركة
فصل تام للسلطات
تعطيل الحياة السياسية
مواجهة شاملة لإفشال حماس

لم يكن ما جرى يوم الاثنين 6/3/2006 في الجلسة الأولى للمجلس التشريعي إلا بداية لما قد تؤول إليه الأمور داخل مناطق السلطة الفلسطينية من تصادم وتنافر بين القوتين الرئيسيتين في المجتمع الفلسطيني حركة فتح وحركة حماس اللتين تمثلان بشكل أو بآخر رأسي النظام السياسي.

ورغم أن بدايات المواجهة كانت قبل ذلك بأيام وتحديداً في جلسة التشريعي المنتهي الصلاحية "الاستثنائية" يوم 13/2/2006 والتي حاول فيها نواب فتح حسم الصلاحيات لصالح محمود عباس وقطع الطريق على نواب حماس الجدد، وأيضاً من خلال كلمة عباس نفسه أمام جلسة التنصيب يوم 18/2/2006 التي أصر فيها على أن أية حكومة قادمة يجب أن تلتزم ببرنامجه لا بالبرنامج الذي انتخبت على أساسه، رغم هذه المواجهات غير المباشرة حتى الآن، لم تتوقف اللقاءات بين الجانبين، ولم تتوقف مبادرات حسن النية، ففتح لم تعط رداً نهائياً على مشاركتها في الحكومة رغم ما جرى في جلسة التشريعي، وحماس رفضت التعليق على خطاب التكليف الذي استلمه إسماعيل هنية من عباس والذي ضمّنه شروطاً غير واقعية لم تتضمنها كتب التكليف السابقة.

لكن عباس نفسه هو الذي أصدر أوامره بوضع أمن الرئاسة وقوات الـ17 تحت إمرة الدكتور عزيز الدويك رئيس المجلس التشريعي الجديد لفض مظاهر الزعرنة وإطلاق النار أمام المجلس التشريعي برام الله يوم 2/3/2006، فيا ترى هل سيتغلب منطق العقلانية والمشاركة والمصلحة العليا، أم سنشهد مزيداً من التوتر والاتهامات والقضايا أمام المحاكم وربما مواجهات مباشرة؟

المتتبع لمجريات الأمور، وبتحليل دقيق لها ورصد لردود الفعل حتى اللحظة، يجد أن سيناريوهات العلاقة بين مؤسسة الرئاسة -التي تستميت حركة فتح في الدفاع عنها كآخر مواقع السلطة والقرار لها- ومؤسسة التشريعي وبالتالي الحكومة -التي تسيطر عليها حركة حماس- لن تخرج عن أحد الاحتمالات التالية:

التعاون الكامل والمشاركة

"
عباس بحاجة لوجود حكومة من حماس قد تحقق له ما يريد من تهدئة أو هدنة، وحماس بحاجة لعباس كقناة اتصال بينها وبين القوى التي ما زالت تعتبرها منظمة إرهابية، وأيضاً من أجل ضمان وصول المساعدات الدولية المادية
"
إضافة لما سبق من مبادرات حسن النية هناك توجه عام لدى محمود عباس لتهدئة الأمور وإعطاء كافة الصلاحيات المنصوص عليها للحكومة الجديدة بما فيه السيطرة على الأجهزة الأمنية، وإن كان البعض يرى أن في ذلك محاولة لتوريط حماس وبالتالي إفشالها، وكذلك الإصرار التام من قبل حركة حماس على مشاركة كافة القوى الفلسطينية في الحكومة القادمة، رغم أن حماس لا تنقصها الخبرة والإمكانيات لتشكيل حكومة بمفردها.

هذه الشراكة هي في مصلحة الطرفين، عباس أصبح الآن رجل فتح القوي وآخر مراكز السلطة فيها، وتيارات فتح المختلفة تخطب وده لأنها في حاجة ماسة لوجوده، وهو بحاجة لمثل هذا النفوذ الفتحاوي، وبحاجة أيضاً لوجود حكومة من حماس قد تحقق له ما يريد من تهدئة أو هدنة، وتحُد في الوقت نفسه من مطامع بعض القوى داخل فتح التي لا تخفي رغبتها في السيطرة على زمام الأمور فيها، وحماس بحاجة لمحمود عباس كقناة اتصال بينها وبين القوى التي ما زالت تعتبرها منظمة إرهابية، وأيضاً من أجل ضمان وصول المساعدات الدولية المادية، والأهم كطرف يلتقي ويفاوض الاحتلال بعيداً عنها.

هذا التوجه الذي تؤيده الأحزاب والقوى الصغيرة الممثلة في التشريعي -لأنه يضمن لها حصة ولو متواضعة في التشكيلة الحكومية- يصطدم بعوائق كثيرة أهمها التوجه الذي يقوده البعض داخل حركة فتح للتصادم مع حماس وعزلها وإسقاطها، وهو ما وصل في بعض الأحيان لعقد مؤتمرات وربما مؤامرات كما صرحت العديد من وسائل الإعلام.

ويصطدم أيضاً باختلاف البرنامج السياسي، أو بالأحرى الأسلوب السياسي للوصول إلى الحد الأدنى المقبول به من الجميع، وهل يكون عبر التفاوض الذي ترى فيه حماس مضيعة للوقت وتفريطاً بالحقوق ثبت فشله عملياً، وبين المقاومة المسلحة والمزاوجة بينها وبين العمل السياسي والذي ترى فيه حركة فتح أمرا لا يمكن تحقيقه وبعيدا عن الواقع.

فصل تام للسلطات
ونعني بالفصل هنا الاحتكام للقانون الأساسي والقضاء في كل شاردة وواردة وتحديد الصلاحيات بشكل نهائي لا تداخل فيه، دون شراكة حقيقية، لكن أيضاً دون مواجهة، وهو ما بدأت بوادره من خلال لجوء الكتلة البرلمانية لحركة فتح للقضاء لتحجيم أغلبية حماس وآليات اتخاذ القرار بعد المحاولة الاستباقية لإقرار قوانين على عجل لصالح مؤسسة الرئاسة الفتحاوية، وهو ما رفضته وتحدته حركة حماس.

طرفا المعادلة لا يخفيان استعدادهما لهذا السيناريو، حيث صرح عزام الأحمد أكثر من مرة عن نيته للجوء للقضاء، وكال الاتهامات لحماس، بل وصلت به الأمور حد اتهام رئيس التشريعي بتلقي الأوامر عبر رسائل تصله على جواله مؤكداً أن لديه دليلا على ما يقول، وأضاف صائب عريقات أنه لا يجوز أن تستغل حماس أغلبيتها لفرض رأيها، وأن القانون سيحسم الأمر.

حماس أيضاً لم تكن أقل تحدياً، فبعد الجلسة العاصفة للتشريعي يوم 6/3/2006 والتي انسحب منها نواب حركة فتح، صرح خالد مشعل بأن محاولات فتح للعرقلة ستصطدم بصخرة صمود حماس، وأضاف محمود الزهار في نفس اليوم أن حماس مستعدة لتولي الرئاسة لكنها لا تريد فتح معارك جانبية.

تعطيل الحياة السياسية

"
يمكن تعطيل الحياة السياسية عبر الخلط المقصود بين صلاحيات عباس كرئيس للسلطة الفلسطينية وكونه رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي أصبحت فجأة الملاذ الشرعي والوحيد
"
وهذا السيناريو يخالف سابقه بأنه إضافة لعدم وجود شراكة فإنه يتعمد المواجهة القانونية بين الطرفين دون الالتزام بمعايير أخلاقية معينة بين المؤسستين بقصد إفشال كل طرف للآخر، وهو ما يمكن أن يتم عبر لعبة القط والفأر بين مؤسستي الرئاسة والتشريعي، أي كلما أصدر التشريعي قراراً رفضه محمود عباس وأرجعه للتشريعي، وكلما أراد عباس إقرار قانون ما رفضه التشريعي بدوره، إضافة لتنازع صلاحيات معينة لم يحسمها القانون الأساسي بعد، ومنها مثلاً أن وزير الداخلية الجديد وإن كان له عملياً السيطرة على أجهزة أمنية معينة، إلا أنه وبحسب ما صرح به محمود عباس لقناة الجزيرة في برنامج لقاء اليوم بتاريخ 2/3/2006 فإن القرار النهائي يبقى في يد عباس بصفته رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الفلسطيني.

أيضاً يمكن تعطيل الحياة السياسية عبر الخلط المقصود بين صلاحيات عباس كرئيس للسلطة الفلسطينية وكونه رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي أصبحت فجأة الملاذ الشرعي والوحيد بعد محاولات التهميش والطمس طوال السنوالت العشر الماضية، خاصة أنه يحظى بدعم ومساندة قوى عربية وغربية في مواجهة حماس.

هذا الاحتمال قد يؤدي إما لاستقالة أحد الأطراف، وعباس يبدو هنا الأقرب لذلك وقد صرح أكثر من مرة بأنه إن لم يستطع تحقيق برنامجه الذي انتخب على أساسه فسوف يستقيل لأن الكرسي ليس غايته، أو أن تتم الدعوة لانتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة.

مواجهة شاملة لإفشال حماس
وهذا ما تحاول بعض الأطراف الداخلية بمساندة أطراف إقليمية وعالمية جر الفلسطينيين إليه لقطع الطريق أمام أي نجاح لحركة حماس سيترجم على أنه نجاح لأول حركة إسلامية تصل للأغلبية البرلمانية في العالم العربي وإن كانت تحت الاحتلال، وبالتالي تحرك الجماعات الإسلامية الأخرى في دول المنطقة لتحذو حذو حماس معتمدة على رصيد شعبي كبير سيزداد حتماً بنجاح حركة حماس.

دعاة هذا التوجه لا يخفون أنفسهم، وتصريحاتهم تملأ وسائل الإعلام على اختلافها، سواء من دعوات أنه من العار المشاركة في حكومة حماس، أو بأن حماس تقود محاولة انقلابية على عباس، أو من خلال التوصيات الرسمية بعدم المشاركة أو المساندة للحكومة الجديدة.

"
خطورة سيناريو المواجهة الشاملة لإفشال حماس تكمن ليس في احتمالية تحول هذه المواجهة إلى صدام مسلح مباشر وحسب، إنما في إفشال الخيار الشعبي الديمقراطي الفلسطيني، وعودة مراكز الفساد والإفساد إلى مواقعها الأولى وبشكل أعنف
"
أسلحة هذه الجماعة متنوعة لكن يبقى السلاح الاقتصادي أهمها خاصة مع التهديدات المتكررة بوقف المعونات التي تكون الرافد الأساسي للسلطة ورواتب موظفيها مما سيخلق حالة تذمر عام داخل المجتمع الفلسطيني، وأيضاً السيطرة الفتحاوية شبه التامة على أهم الوظائف والمراكز وهو ما يمكن توجيهه بشكل تمرد غير معلن لإفشال جهود الإصلاح وتعطيل ومواجهة أي محاولة للتغيير.

خطورة هذا التوجه تكمن ليس في احتمالية تحول هذه المواجهة إلى صدام مسلح مباشر وحسب، إنما في إفشال الخيار الشعبي الديمقراطي الفلسطيني، وعودة مراكز الفساد والإفساد إلى مواقعها الأولى وبشكل أعنف مما سبق تمارس فيه الإذلال المنظم والمبرمج على الشعب كله.

تبقى السيناريوهات السابقة مجرد قراءات للواقع في محاول لاستشراف مستقبل العلاقة بين رأسي السلطة في الضفة الغربية وقطاع غزة، لكن على الجميع إدراك حقيقة بسيطة مفادها أن أي فشل لأي من الأطراف سينعكس وبشكل مباشر على الحياة اليومية للشعب الفلسطيني، وعلى قوته وأوراق ضغطه لانتزاع حقوقه الوطنية، وعلى المستقبل برمته، مقابل تعنت احتلالي وخطط لفرض سياسة الأمر الواقع من طرف واحد، ومجتمع دولي لا يرى إلا بعين واحدة.

لذلك فإن من مصلحتنا جميعاً وضع الخلافات جانباً، والتحلل من المصالح الحزبية الفئوية الضيقة، والوقوف في وجه دعاة الفتنة، لنتفرغ جميعاً لإصلاح المجتمع الفلسطيني من الداخل وتقويته وتعزيز صموده، استعداداً لجولة أخرى من المواجهة تحقق الحلم الفلسطيني بالتحرير والعودة.
ــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة