ملفات الفساد في فلسطين الخطوة الاولى في رحلة طويلة

إبراهيم حمّامي

رحلة ملفات الفساد
لماذا الآن؟
حجم الفساد
الخلاصة

عاد ملف الفساد المالي في فلسطين ليطفو وبقوة هذه المرة بعد أن ظل حبيس المكاتب والأدراج لسنوات، وأصبح حديث الساعة في مجالس المواطنين وفي وسائل الإعلام بأنواعها بعد أن قرر النائب العام الظهور والحديث علنا عن هذا الملف الحساس الذي سيطال دون شك رؤوسا كبيرة يشعر الكثيرون أنها قد أينعت وحان قطافها.

ومنذ عقد ذلك المؤتمر الصحفي للنائب العام أحمد المغني الذي كشف فيه الستار عن بعض الاختلاسات المالية التي قد تصل حسب رأيه لأكثر من مليار دولار أميركي، والجدل دائر بين مشكك في صحة الأرقام وحقيقتها، ومؤكد أنها لا تمثل إلا قمة جبل الجليد الظاهر فوق السطح وما خفي أعظم. وبين الجهتين يقف المواطن الفلسطيني مذهولاً ليس بسبب حجم الفساد، لكن لأنها المرة الأولى التي يتم فيها الاعتراف بوجود الملف وتفاصيله وبشكل رسمي، رغم المحاولات الماضية لإثارته وعلى أكثر من صعيد.

"
حكايات الفساد المالي تعود إلى أيام منظمة التحرير في لبنان حيث كانت الأموال تصرف دون رقيب أو حسيب، في الوقت الذي كان يستقطع فيه من كل فلسطيني يعمل في الدول العربية ما قيمته 5% من الراتب
"

رحلة ملفات الفساد
- تعود حكايات الفساد المالي إلى أيام منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان حيث كانت الأموال تصرف دون رقيب أو حسيب، في الوقت الذي كان يستقطع فيه من كل فلسطيني يعمل في الدول العربية ما قيمته 5% من الراتب، وكثر الحديث عن الاستثمارات الخارجية للمنظمة وحسابات بعض قياداتها وحياة البذخ والترف التي يعيشونها.

- كشف ولأول مرة عن ملف الفساد في السلطة الفلسطينية عام 1997، أي بعد سنوات بسيطة من إنشائها، فقد تناولت الصحف والتقارير في حينها اختفاء مبلغ 326 مليون دولار من ميزانية السلطة، ورغم تحويل القضية للرقابة الإدارية، فإنها وجدت طريقها لأدراج الإهمال والتغطية.

- سجل العام 1998 أول محاولة جادة لتحريك ملف الفساد بعد صدور بيان العشرين الذي ووجه الموقعون عليه بكل قسوة وعنف، فضرب من ضرب، واعتقل من اعتقل، ليدخل ملف الفساد من جديد غياهب أدراج الرئاسة.

- مع بداية الانتفاضة المباركة أواخر عام 2000 عاد ملف الفساد للظهور، لكن لم يكن نصيب المحاولات في ذلك العام بأحسن من سابقاتها.

- العام 2003 كان عام الوثائق والمستندات التي تدين أسماء لها وزنها في السلطة الفلسطينية، لكن وبسبب أن من نشر تلك الوثائق كانت سلطات الاحتلال بعد اجتياحها لمناطق السلطة، فقد طويت الملفات مرة أخرى بحجة أن فتحها يخدم مصالح أعداء الشعب.

- في ذات العام كشف سلام فياض عن حصر ما قيمته 600 مليون دولار من صندوق الاستثمارات كانت في حكم المنسية في حينه.

- منذ عام 2004 وحتى اللحظة لم يتوقف سيل المقالات والتقارير التي تتحدث عن الفساد المالي داخل السلطة وأذكر على سبيل المثال مقالا لعبد الباري عطوان يوم 15/04/2004 وآخر لمحمود عوض بتاريخ 16/04/2004، وأكثر من موضوع لعبد الرحيم نصار وكذلك ما تناولته شخصيا أكثر من مرة، لتصل المطالب بفتح التحقيق حول الفساد ذروتها بعد رحيل عرفات والصراع الذي تم بين سهى عرفات ومن سمتهم "المستورثين" لتقاسم التركة التي لا يعرف حجمها بعد.

"
قد يكون فتح ملفات الفساد الآن خطوة استباقية لسحب البساط من تحت حماس، أو محاولة للتغطية على ملفات أكبر تطال رموزا في السلطة، ولا يمكن إسقاط احتمال صدق النية من قبل عبّاس وعدم وجود نوايا سياسية
"
لماذا الآن؟
جاء توقيت المؤتمر الصحفي للنائب العام مثيرا للتساؤلات والتكهنات، فبعد سبات استمر أكثر من 12 عاما خرجت هذه الملفات بقدرة قادر إلى العلن رغم عدم انتهاء التحقيق فيها بشكل رسمي، ودون تحديد أسماء بعينها، أو توجيه اتهامات واضحة، وهو ما يفسر من خلال احتمالات أهمها:

1. أنها خطوة استباقية لسحب البساط من تحت حركة حماس، وهو ما يسجل للمؤسسة الرئاسية أسبقية فتح الملفات ومحاربة الفساد، وأيضا إيجاد مخرج في كل الظروف، فإن نجحت الرئاسة في خطوتها تلك حسبت لها، وإن فشلت حملت حركة حماس المسؤولية كونها الحكومة!.

2. في سياق معاقبة عبّاس لمن حاولوا اعتراضه وعرقلته بعد أن اعترف بمشكلته الداخلية مع حركة فتح يوم 14/01/2006، ولتكون ملفات الفساد ورقة ضغط حقيقية يشهرها حسب الحاجة لتمرير نهجه داخل حركة فتح.

3. أن تكون محاولة للتغطية على ملفات أكبر وأضخم تطال رموزا في الصف الأول، مما يشغل الناس بالملفات الصغيرة نسبيا، ويخفف المطالب بالمحاسبة عقب فوز حماس بالانتخابات التشريعية، وهو ما سبق أن أشار إليه النائب جمال الشاتي رئيس لجنة الرقابة وحقوق الإنسان بالمجلس التشريعي الفلسطيني بتاريخ 29/06/2005 في حديث لـ"إسلام أون لاين" قائلاً "لم يتم تحريك العديد من ملفات الفساد المرفوعة إلى النائب العام، ونريد أن نعرف بصراحة ما إذا كانت هناك ضغوط تمارس عليه من بعض الأطراف، أو ربما قرار سياسي بتجميد هذه الملفات"، ليضيف أن "النائب العام لم يحسم سوى قضايا الفساد التي تتعلق بمسؤولين صغار في السلطة، أما الحيتان فلا أحد يحاسبهم".

4. أن عبّاس يريد فتح الملفات مستغلاً فوز حماس بالانتخابات لما لديها من دعم شعبي وقوة لا يستهان بها على الأرض.

5. صدق النية من قبل عبّاس بفتح ملفات الفساد والضرب على الفاسدين دون أية نوايا سياسية أخرى وهو احتمال لا يمكن إسقاطه.

"
من الصعوبة تحديد الحجم الحقيقي للاختلاسات والسرقات والأموال المهدورة طوال السنوات الماضية، لكن بمراجعة بسيطة موثقة يتضح أنها وبكل المقاييس مليارات من الدولارات
"
حجم الفساد
رغم ما أعلنه النائب العام الفلسطيني من أرقام فإنها تبقى في باب التكهنات وفي أحسن الأحوال التحقيقات، ومن الصعوبة بمكان تحديد الحجم الحقيقي للاختلاسات والسرقات والأموال المهدورة طوال السنوات الماضية، لكن بمراجعة بسيطة موثقة يتضح أنها وبكل المقاييس مليارات من الدولارات، وفيما يلي بعض ما قيل أو نشر حول حجم الأموال التي إما أنها نهبت أو تبخرت أو لا يعرف لها أثر، وهي بلا شك ليست حصرية ولا تشمل الجميع!.

* في لقاء مع شبكة CBS الأميركية قبل أعوام ذكر المدير السابق لبنك فلسطين الدولي عصام أبو عيسى أن حجم المبالغ التي تمتلكها القيادة الفلسطينية يصل إلى 30 مليار دولار في حسابات خارجية و2 مليار دولار في حسابات داخلية.

* حتى عام 1990 بلغ مجموع ما قدمه أبناء فلسطين من خلال اقتطاع 5% من رواتبهم، بلغ 14 مليار دولار، وقدّر حجم الاستثمارات في حينها بـ50 مليارا.

* عام 1997 نُشرت تقارير عما عرف بفضيحة معبر كارني عندما تم الكشف أن 40% من الضرائب المحصلة من الاحتلال عن رسوم المعبر والمقدرة بمليون شيكل شهريا كانت تحول لحساب "سلطة المعابر الوطنية الفلسطينية" التي اتضح فيما بعد أنها حساب شخصي لمدير جهاز الأمن الوقائي في حينه محمد دحلان!.

* سبق وأن ذكرت راوية الشوا عضو التشريعي أن حجم إيداعات السلطة أربعة مليارات دولار.

* في عام 2002 أوقف الرئيس الأسبق للصندوق القومي الفلسطيني جاويد الغصين بتهمة اختلاس الملايين وتم تسليمه للسلطة، لكن بقدرة قادر غادر ومعه الملايين التي لم يستعد منها شيء، وفي إطار الرد على اتهامه قام بدوره بتقدير ثروة عرفات الشخصية بما بين 3 و5 مليارات دولار.

* بتاريخ 09/11/2003 وفي برنامج 60 دقيقة الأميركي الشهير وبالاستعانة بالخبير المالي جيم برنس، توصلت التحقيقات أن حجم الاستثمارات السرية للقيادات الفلسطينية تقدر بالمليارات، بل وحددت المصارف المودعة فيها.

* في 05/03/2003 استطاع سلام فياض الوصول إلى 600 مليون دولار من الاستثمارات التي كانت مغيبة عمداً.

* ذكر تقرير لصندوق النقد الدولي نشر عام 2003 أنه تم تحويل 900 مليون دولار بين عامي 1995 و2000 من الميزانية الرئيسية للسلطة الفلسطينية إلى حساب مصرفي خاص باسم عرفات.

* في 11/12/2004 وجه فاروق القدومي في تقرير نشرته صحيفة الخليج اتهاما لمحمد رشيد بسرقة مئات الملايين من الدولارات، وقال إنه تم استعادة 600 مليونا منها.

* في 2003 فتحت فرنسا تحقيقا تمهيديا بشأن تحويل مبالغ مالية كبيرة مجهولة المصدر إلى حساب سهى زوجة عرفات في باريس، وفتحت تحقيقات عن نقل أموال مشبوهة بين مصرف سويسري ومصرفين في باريس هما "بي إن بي" و"أراب بنك" لمبالغ تصل إلى 11.5 مليون يورو.

* بعد وفاة عرفات مباشرة زعم تقرير صحفي بريطاني في صحيفة صنداي تايمز أن سهى الطويل أرملة ياسر عرفات ستحصل بناء على صفقة مع أحمد قريع على ما يعادل 13 مليون جنيه إسترليني ومعاش مدى الحياة يقدر بملايين أخرى من أموال السلطة الفلسطينية بخلاف نفقات ابنتها زهوة (تسع سنوات) حتى بلوغها سن الثامنة عشرة. وذكرت الصحيفة أن الصفقة تتضمن حصول سهى على سبعة ملايين جنيه إسترليني فورا بالإضافة إلى 800 ألف جنيه إسترليني سنويا لحين بلوغها سن التقاعد ثم يصرف لها 300 ألف جنيه إسترليني سنويا. وأضافت أن الصفقة تضمنت وضع ابنة عرفات على قائمة نفقات السلطة الفلسطينية لحين بلوغها سن الثامنة عشرة وعندها تحصل على 45 ألف جنيه إسترليني سنويا لحين بلوغها سن الخامسة والعشرين.

"
ستحمل الأيام القادمة مفاجآت من العيار الثقيل، فالزلزال الفلسطيني يوم 25/1 بدأت توابعه بالوصول، وتسونامي الإصلاح سيجرف الكثير من رؤوس الفساد، وما نشهده اليوم هو البداية وليس النهاية
"

الخلاصة
خطوة فتح ملفات الفساد هي دون شك خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن لابد من متابعة كافة الملفات، والوصول للحقيقة حتى وإن طالت أكبر الرؤوس، وهو ما يتطلب سلطة قوية قادرة وقضاء عادل ونزيه، وهو ما لا يتوفر حتى اللحظة، خاصة أن النائب العام نفسه موضع اتهام حول كيفية وصوله لمنصبه وشرعيته وهو الذي لم يكن جزءا من الجهاز القانوني للسلطة بدليل ترشحه عن قائمة فتح في انتخابات نقابة المحامين وعدم حصوله للأصوات اللازمة ليكون عضوا في مجلس إدارة النقابة المكون من ستة أعضاء، والتي حصدت حماس فيها أربعة مقاعد مقابل اثنين لحركة فتح، كما يتطلب الفصل التام بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهو ما لم يحدث باعتراف النائب العام أن محمود عبّاس طلب منه تأجيل عقد المؤتمر الصحفي وهو ما يعتبر تدخلاً مباشراً في صلاحيات السلطة القضائية.

ستحمل الأيام القادمة مفاجآت من العيار الثقيل، فالزلزال الفلسطيني يوم 25/01/2006 بدأت توابعه بالوصول، وتسونامي الإصلاح سيجرف الكثير من رؤوس الفساد والإفساد في فلسطين، وما نشهده اليوم هو البداية وليس النهاية، وملفات الفساد الاقتصادي والمالي يجب أن يتبعها فتح ملفات الفساد السياسي والاجتماعي والأخلاقي والوظيفي، بعد أن تحولت فلسطين إلى إقطاعيات خاصة لمتنفذين لم يتورعوا عن المتاجرة بكل شيء.
___________________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة