عادل لطيفي

شرق أوسط في طور التحول
سياسة الاستباق الأميركي
مشهد جديد وتوازنات جديدة

لفوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة أبعاد ودلالات عدة تتجاوز الإطار الفلسطيني المباشر. فهذا الفوز، وعلى الرغم من ارتباطه الوثيق بطبيعة الظرف الفلسطيني الداخلي، لأنه أولا وقبل كل شيء إفراز لواقع سياسي واجتماعي على الأرض الفلسطينية، تبقى له امتدادات جيوستراتيجية تهم منطقة الشرق الأوسط ككل أو ربما تتجاوزها إلى فضاء أوسع من ذلك.

فليس من باب المبالغة القول إن هذا الفوز يضع المشروع الأميركي لتسويق الديمقراطية وتغيير وجه الشرق الأوسط الكبير في مأزق جدي.

فالحرب الأميركية من أجل هذا التغيير ومن أجل القضاء على ما تقول إنه عدو للديمقراطية، أي الإسلاميين حتى من غير المنخرطين في الجهادية العالمية، أدى إلى مزيد من الراديكالية السياسية في المنطقة تحت لواء التوجهات الإسلامية.

وفوز حماس يعد في هذا السياق مؤشرا آخر على المفارقة بين نشر الديمقراطية في المنطقة لصدّ الإسلاميين وبين فوز هؤلاء في كل مناسبة انتخابية.

"
المشهد الفلسطيني غير المنتظر يعد مؤشرا على تحولات عميقة بدأت تشهدها المنطقة منذ فترة وتهم دولا وأنظمة ذات ثقل سياسي كما هو الحال في مصر وسوريا والعراق وإيران وبعض الدول الخليجية
"

شرق أوسط في طور التحول
فوز حماس هو في جانب ما مؤشر على تحولات داخلية وكذلك إقليمية، وأقل ما يقال إنه جاء للتعبير عن فشل الخيارات الإقليمية والدولية التي راهنت على نخبة معينة من القياديين الفلسطينيين والمستعدين للقبول بصيغة دولية للسلام تضمن حدا من التنازلات المطمئنة للجانب الإسرائيلي.

هذا المشهد الفلسطيني غير المنتظر، بالنسبة للذين راهنوا على عدم دخول حماس المعترك الانتخابي، يعد كذلك مؤشرا على تحولات عميقة بدأت تشهدها المنطقة منذ فترة وتهم دولا وأنظمة ذات ثقل سياسي.

فتراجع فتح هو في جانب ما تراجع للصيغة الإقليمية للسلام الذي حرصت على تحقيقه مصر والأردن خاصة. كما بدا هذا الفوز وكأنه إحدى الإجابات الممكنة للخروج من حالة الشك التي تلف مصير الوضع السياسي القائم حاليا.

ففي سوريا ترسم لنا الأحداث الأخيرة صورة عما يشبه بداية العد التنازلي للنظام "الأسدي" القائم منذ عقود. ليس ذلك بسبب الضغوطات الأميركية فحسب، بل كذلك إلى الفشل في تحقيق تغيرات ملموسة ترقى إلى طموحات المواطن السوري وترقى إلى طبيعة التحديات التي تواجهها البلاد.

لقد فشلت القيادة السورية الجديدة-القديمة في تحقيق انتعاشة اقتصادية، بل يبدو أن الفئة الوحيدة التي استفادت من الانفتاح الاقتصادي المراقب هي تلك المرتبطة بدوائر القرار السياسي.

نضيف إلى هذا أن طريقة إدارة الأزمة اللبنانية كشفت عن غياب الحنكة وبعد النظر. فقد كان أولى بسوريا أن تعلن منذ سنوات انسحاب جيشها من لبنان فتكسب بذلك الرأي العام اللبناني وتريح نفسها من وضع الهشاشة الذي كانت فيه.

فتواجد الجيش السوري في لبنان جعل من سوريا هدفا سهلا لأية مؤامرة خارجية، وكان على القيادة السورية أن تفهم هذا المعطى. في ظل هذا الفشل الداخلي والخارجي، بدأت تبرز مؤشرات عن عودة الإسلاميين السوريين إلى الظهور، حيث بدؤوا يبحثون عن موطئ قدم لهم في الساحة السياسية إلى جانب الناشطين الحقوقيين الآخرين. لقد بات المشهد مفتوحا على غير احتمال.

بدأت مصر تشهد بدورها حراكا سياسيا أثبتته نتائج الانتخابات الأخيرة. فعلى الرغم من محدودية هامش التحرك الذي حصلت عليه الأطراف المعارضة للحزب الوطني الحاكم، فإن العملية الانتخابية بينت مدى توق الشارع المصري إلى تغيير الوضع القائم مع تفضيل تجربة الخيار الإسلامي على الخيارين القومي واللبرالي.

خلفيات النجاح النسبي للإسلاميين المصريين تعود كذلك بالطبع إلى الفشل الاقتصادي وكذلك إلى عدم الرضا عن الدور الإقليمي لمصر والذي يصب في أغلب الأحيان في إطار الرؤية الأميركية.

نفس هذه الملاحظات يمكننا إبداءها بخصوص الوضع في البلدان الأخرى، مثل الدول الخليجية، حيث ساهم غياب القيادات التاريخية وتغير المعادلات الدولية في ظهور بوادر التغيير على مستوى طريقة إدارة الحكم وذلك في اتجاه توسيع قاعدة المشاركة السياسية. لكن هذا التوجه يبقى محدودا كما أنه يسير بنسق شديد البطء.

إيران بدورها لم تحسم توجهها بين النهج الإسلامي الإصلاحي وبين النهج الإسلامي المتشدد. وهذا التردد يضفي بدوره نوعا من الغموض عل مستقبل المنطقة وعلى طبيعة التوازنات الجيوستراتيجية المقبلة.

نضيف إلى هذا المشهد ما تشهده الساحة العراقية من تجاذب بين الخيار السياسي السلمي وبين الخيار الجهادي من ناحية ثم بين الخيار الديمقراطي والخيار الطائفي من جهة ثانية. إنها ساحة غير مضمونة النتائج وتزيد من ضبابية الرؤية لمستقبل المنطقة.

"
أراد الساسة الأميركيون تغيير خريطة الشرق الأوسط، ليس على مستوى الحدود بل على مستوى توجهات الأنظمة وعلى مستوى التوازنات الإقليمية الناتجة عنها،  لكنهم وجدوا أنفسهم أمام مشهد جيوسياسي جديد "

سياسة الاستباق الأميركي
لقد كانت الإدارة الأميركية، ومنذ سنوات واعية بمدى أهمية مؤشرات تراجع الأنظمة الشرق أوسطية التقليدية، وحتى الحليفة منها. كان الأميركيون واعين كذلك بأن الضبابية التي تلف المشهد السياسي الشرق أوسطي قد تؤدي إلى زيادة نفوذ التيارات الإسلامية وإمكانية وصولها إلى السلطة.

ولذلك أرادت استباق الأحداث لفرض إطار تتم فيه التحولات السياسية المرتقبة في المنطقة. وفي هذا السياق جاء مشروع العراق-المختبر، الذي أريد له أن يعطي صورة ناصعة عن النموذج الديمقراطي الأميركي بما يخدم تيارات الاعتدال في المنطقة.

لقد انطلق الأميركيون في قراءتهم للوضع القائم في الشرق الأوسط من فكرتين أساسيتين. الأولى هي استحالة إنجاز مشروع ديمقراطي من الداخل وبالتالي لا بد من دفع خارجي قادر على تجاوز الجمود القائم.

والثانية هي أن الممارسة الديمقراطية كفيلة بمحاصرة التيارات الإسلامية بمختلف أصنافها وإفراز قوى أخرى قادرة على التواصل مع السياسة الأميركية.

والحقيقة أن هذه النظرة انبنت على معطيات استخباراتية أكثر من اعتمادها على أطروحات سوسيولوجية أو أنثروبولوجية، أي على أسس معرفية موضوعية.

فغياب بوادر التحركات الداخلية لا يعني جمود المجتمعات العربية والشرق أوسطية. المشكل الثاني أن هذه القراءة استثنت الإسلاميين من اللعبة الديمقراطية، ربما لاعتقاد الأميركيين بأن التيارات الإسلامية ترفض الخيار الديمقراطي من منظور ديني. أما المشكل الثالث فيتمثل في عدم التفريق بين خصوصيات الحركات الإسلامية ذاتها.

فالأحزاب السياسية الإسلامية التقليدية، مثل حركة الإخوان المسلمين في مصر والنهضة في تونس والإسلاميين الأردنيين، لا تتبنى نفس مواقف ما يعرف بالجهادية العالمية التي تكفر الأنظمة القائمة وحتى الشعوب.

لهذا السبب بالذات أرادت الإدارة الأميركية ولو بشكل غير مباشر الوقوف ضد مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية الأخيرة في البداية، ثم حاولت، عندما اقتنعت بصعوبة الحؤول دون هذه المشاركة، أن تساند خصومها السياسيين من الحركات الأخرى بشكل مالي مباشر، كما كشفت عنه مصادر صحفية ورسمية.

لقد أراد الأميركيون، ومن ورائهم الإسرائيليون، أن تكون هذه الانتخابات وسيلة للضغط على القيادة الفلسطينية التقليدية غير الجادة في إحداث تغيير قد يضعف من هيمنتها على القرار الفلسطيني.

هذا المشهد الفلسطيني بنتائجه العكسية، يذكر الأميركيين بالنتائج العكسية "لتحرير" العراق وما تبعه من مسار انتخابي. فـ"التحرير" انتهى إلى تكوّن حركة مقاومة عنيفة، وذلك بغض النظر عن حكمنا لها أو عليها على مستوى وسائلها.

كما انتهى المسار الانتخابي إلى تأكيد موقع الأطراف الرافضة للوجود العسكري الأميركي مثل السنة والتيار الصدري، وهي تيارات إسلامية في نهاية الأمر. هذا بالإضافة إلى إضفاء صبغة شرعية على الطائفية.

إذن، ومع فوز حماس، بات الأميركيون أكثر ذهولا أمام منطقة تبدو عصية على التدجين. فكأني بهم يتساءلون كيف يمكن للديمقراطية أن توصل إلى الحكم أطرافا غير ديمقراطية، وكيف للحرية أن تشجع على الإرهاب؟ لقد أرادت الإدارة الأميركية زمن بوش الابن التحرك عمليا لتغيير الوضع في الشرق الأوسط بغاية السيطرة عليه، لكنه اليوم يعطيها مشهدا غير متوقع.

فما من شك في أن فوز حماس هو إلى حد ما إحدى نتائج مسار السلام الذي رعته الولايات المتحدة منذ مؤتمر مدريد. وهي نقطة مهمة على قياديي حماس أن يولوها ما تستحق من الأهمية.

لقد أراد الساسة الأميركيون تغيير خريطة الشرق الأوسط، ليس على مستوى الحدود بل على مستوى توجهات الأنظمة وعلى مستوى التوازنات الإقليمية الناتجة عنها، وذلك بالطبع في اتجاه خدمة المصالح الأميركية. لكنهم وجدوا أنفسهم أمام مشهد جيوسياسي جديد ما انفكت تؤكده الأحداث الأخيرة ومن بينها فوز حماس الانتخابي.

"
فوز حماس سيعطي نوعا من الشرعية للعمل السياسي السلمي الذي أصبح أكثر إقناعا بفاعليته، وستجد الولايات المتحدة نفسها مجبرة على التعامل مع هذه القوى لأنها أصبحت واقعا سياسيا مسنودا بشرعية شعبية
"

مشهد جديد وتوازنات جديدة
جاء هذا الفوز إذن في ظرف شرق أوسطي طغى عليه حدثان بارزان. يتمثل الأول في تأكيد المواجهة بينها وبين سوريا وإيران، والثاني في تعزز مواقع التوجهات الإسلامية.

على مستوى المواجهة مع إيران وسوريا يبدو أن الإدارة الأميركية لم تجد بعد نفس تلك العزيمة التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول. فهي مقتنعة بمحدودية هامش التحرك ضد سوريا وضد إيران بسبب غرقها في المستنقع العراقي. ولهذا السبب فضلت التعويل على شراكة أوروبية بهدف عزل البلدين طالما يبقى كل خيار عسكري مستبعدا وخاصة في ظل غموض الوضع في العراق.

إيران واعية تماما بهشاشة الموقف الأميركي وكذلك بأهمية ورقتها العراقية والنفطية. أما سوريا فهي في وضع أكثر حرجا بسبب العزلة التي أفرزها اغتيال الحريري حتى داخل الساحة العربية.

في هذا السياق يمكننا أن نفهم البعد الإقليمي لفوز حماس. فهي ورقة جديدة لإيران بحكم التوجهات الإسلامية المشتركة، وبحكم الموقف المشترك من الدور الأميركي. وربما سيتعزز التحالف إذا أصرت الدول الغربية على قطع مساعداتها عن الفلسطينيين، لأن إيران هي المرشح الأقوى لتعويض الدول المانحة.

كما يعد فوز حماس ورقة مهمة بالنسبة لسوريا في إطار مواجهتها مع الأوروبيين والأميركيين. إذ ستعزز هذه الورقة من الموقف السوري من مسار السلام، بعد أن كانت سوريا الدولة الوحيدة المتمسكة بروح مؤتمر مدريد. كما سيزيح عنها نسبيا تهمة مساندة الإرهاب، لأن من تؤويهم هم في النهاية حركات سياسية تساهم في البناء الديمقراطي الفلسطيني.

على مستوى آخر سيساهم فوز حماس في تعزيز ما يمكنني تسميته "بالأسلمة الظرفية" للمنطقة. فقد أصبح للتوجه السياسي الإسلامي حضور لافت ينافس الأنظمة القائمة ويحد من التدخل الأميركي. فحماس تعد حلقة أخرى من حلقات التشكل الإسلامي السياسي، ودورها الجيوستراتيجي يكمن في تواصلها مع مختلف القوى الممثلة للتوجه الإسلامي. المقصود هنا نواب الإخوان المسلمين في مصر، التيار السني والتيار الصدري في العراق، حزب الله في لبنان ثم النخبة الراديكالية في إيران بقيادة أحمدي نجاد.

كما يمكننا أن نضيف إلى هذه الخريطة العناصر الإسلامية في البرلمان الكويتي وفي البرلمان الأردني. إنها أطراف قادرة على تشكيل جبهة رفض للسياسة الأميركية وللقوى الحليفة لها بالمنطقة. وربما ذهبت هذه الجبهة إلى أبعد من ذلك إذا حاولت التنسيق مع دول متمردة أخرى مثل فنزويلا وبوليفيا والبرازيل.

فوز حماس، إذا ما وضعناه في سياق النجاح الانتخابي لإخوان مصر وللحزب الإسلامي في العراق وكذلك لحزب الله، سيؤدي إلى إضعاف التيارات الجهادية الأكثر تطرفا.

فعلى الساحة الفلسطينية سيؤدي إلى عزل حركة الجهاد، كما سيؤدي في العراق إلى سحب شرعية جماعة الزرقاوي والمرتبطين به. أما على مستوى المنطقة فسيساهم في إضعاف مكانة تنظيم القاعدة.

هذا الفوز سيعطي نوعا من الشرعية للعمل السياسي السلمي الذي أصبح أكثر إقناعا بفاعليته. في هذه الحالة ستجد الولايات المتحدة نفسها مجبرة على التعامل مع هذه القوى لأنها أصبحت واقعا سياسيا مسنودا بشرعية شعبية، ثم لأنها تمكنها من عزل تيارات الجهادية العالمية.
ــــــــــــــ
كاتب تونسي 

المصدر : الجزيرة