منير شفيق

من تابع السياسات الأميركية في العام 2005 ، ولا سيما في النصف الثاني منه يلحظ سمتين أساسيتين انفرد بهما العام 2005 عن الأعوام الأربعة السابقة (ولاية جورج دبليو بوش الأولى).

فعلى المستوى الدولي راحت الإدارة الأميركية تعيد الحياة إلى الحلف الأطلسي، وترمم العلاقات المتصدعة مع فرنسا وألمانيا. فقد شهد العام 2005 تنسيقا أميركيا فرنسيا غير مسبوق حتى في مرحلة إدارة بيل كلنتون، بل وما قبلها طوال الحرب الباردة.

أما السمة الثانية فكانت بدايةً، إعطاء الأولويةً للملفين اللبناني والسوري ثم للملف السوري بعد خروج القوات السورية من لبنان. ولهذا اتسمت السياسة الأميركية في منطقتنا لا سيما في النصف الثاني من العام 2005 بتهدئة صراعها، أو تأجيله مؤقتا، مع الملف النووي الإيراني، وذلك بالرغم من أنه يحظى بموقع الأولوية في الإستراتيجية الأميركية بعد احتلال العراق. والدليل أنها تركت المفاوضات الأوروبية (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) الإيرانية تأخذ مداها، وهي في طريق مسدود.

وهدأت، كذلك، ضغوطها على موضوع نزع أسلحة حزب الله تاركة المجال للحوار اللبناني اللبناني من دون ضغط على استعجال النتيجة، بالرغم من أنه كان السبب رقم (1) في فتح الملف السوري في لبنان، وذلك بسبب ارتباطه بالملف النووي الإيراني، فكان على سوريا من وجهة النظر الأميركية، إما أن تسهم في نزع ذلك السلاح، وإما أن ترحل من لبنان، وعندما رفضت القيادة السورية هذه الصفقة وآثرت الانسحاب عليها، انتقل التركيز على "تغيير سلوك" النظام السوري، وفقا للشروط الأميركية، وفي مقدمها، المساعدة في نزع سلاح حزب الله لاحقا. وهذا يفسر لماذا هدَأت إدارة بوش في النصف الثاني من العام 2005 لبنانيا كذلك.

"
اتسمت السياسة الأميركية في منطقتنا لا سيما في النصف الثاني من العام 2005 بتهدئة صراعها -أو تأجيله مؤقتا- مع الملف النووي الإيراني، وذلك رغم أنه يحظى بموقع الأولوية في الإستراتيجية الأميركية بعد احتلال العراق
"

ولأن الأولوية الأميركية ركزَت على "تغيير سلوك" النظام السوري، وليس الإطاحة به، خوفا من تكرار تجربة العراق، هدأت ضغوطها في موضوعي "الإصلاح والديمقراطية" على كل من السعودية ومصر وسمحت بإطلاق مبادرة الأمين العام للجامعة العربية في العراق، ثم في عقد مؤتمر الوفاق الوطني العراقي في القاهرة.

صحيح أن هذه التهدئة لها أسباب عراقية نتيجة تدهور الوضع الاحتلالي الأميركي في العراق إلا أن هدفها الأول كان من ضمن سياسات التهدئة من حول سوريا لتركيز الضغوط عليها.

وكانت أغلب توقعات "الخبراء" الإستراتيجيين والمحللين السياسيين في الغرب، والبلاد العربية، بما في ذلك المعارضة السورية، أن تلك الضغوط ستنجح، وأن القيادة السورية ليس أمامها من خيار غير الخضوع للشروط الأميركية. لكن طبعا أثبتت الوقائع أن تلك التوقعات نابعة من الأماني وليس من فهم عميق وتقدير صحيح للموقف.

وامتدت التهدئة إلى الساحة الفلسطينية، وهو ما عبر عنه الإطراء المفتعل الذي وجهه الرئيس الأميركي للرئيس الفلسطيني محمود عباس أثناء زيارة الأخير للولايات المتحدة الأميركية.

وعلى المستوى الدولي أعطيت فرنسا الصدارة في إدارة الصراع، كما ظهر في مجلس الأمن، في الملفين السوري واللبناني، وقدمت تنازلات لروسيا في الملف المتعلق بدول آسيا الوسطى (الجمهوريات السوفياتية سابقا) وذلك بتشكيل لجنة أميركية روسية مشتركة لرسم السياسات في المنطقة بعد أن كانت الإدارة الأميركية قد وجهت ضربات "اقتلاعية" للنفوذ الروسي فيها. وحدث أمر مشابه مع الصين حيث حلَت الأزمة التجارية، ولو مؤقتاً، معها. وتم تخفيف التوتر الذي كان متصاعداً في مضائق تايوان.

بكلمة أخرى، أخضعت الإدارة الأميركية مختلف سياساتها في النصف الثاني من العام 2005 لهدف الضغط على النظام السوري وحصاره من أجل "تغيير سلوكه" وفقا لشروط أميركية بعضها معلن وبعضها مفهوم ضمنا.

وكان النجاح السياسي في هذا الهدف مدخلا هاما جدا لبنانيا وعراقيا وفلسطينيا وإيرانيا. وذلك لأهمية موقع سوريا ودورها بالنسبة إلى الوضع في لبنان بما في ذلك نزع سلاح حزب الله وإعادة "إحياء" الاتفاق اللبناني الإسرائيلي المشهور باتفاق " 17 أيار"، وبالنسبة أيضا إلى الملف العراقي على أمل وقف التدهور واستعادة المبادرة، والإسهام في حصار البرنامج النووي الإيراني وصولا إلى شن الحرب الوقائية الموجهة ضده.

ثم هنالك خدمة سياسة شارون (في حينه) فلسطينيا. أي تمرير الحل الشاروني للقضية الفلسطينية والوضع النهائي للشعب الفلسطيني، إلى جانب تسهيل عمليات التطبيع العربي الإسرائيلي من دون ربطه بما يسمى الحل النهائي.

"
عدلت الإدارة الأميركية مختلف سياساتها في النصف الثاني من العام 2005 لهدف الضغط على النظام السوري وحصاره من أجل "تغيير سلوكه" وفقا لشروط أميركية بعضها معلن وبعضها مفهوم ضمنا
"

من هنا ندرك لماذا أنصبت السياسة الأميركية على إعطاء الأولوية لـ"تغيير سلوك" النظام السوري باعتبار ذلك "في تلك اللحظة" الحلقة الرئيسية في الهجمة الإستراتيجية الأميركية العامة على المنطقة المسماة بالشرق الأوسط الكبير، والواسع (حسب التعديل الأوروبي).

وهذا ما أغفلته، أو حاولت تجاهله، بعض المعارضة السورية، وعدد من الأقلام العربية، في فهم ما الذي تريده الإدارة الأميركية من وراء "تغيير سلوك النظام "، أو من ضغوطها عليه وحصارها له، أو تشدُقها بالإصلاح والديمقراطية (لابتزاز التنازلات المطلوبة إسرائيليا).

أما من جهة أخرى فقد كان هناك سوء تقدير (بسبب تغليب الأماني) لموقف القيادة السورية من الشروط الأميركية (الإسرائيلية) المطلوبة منها. فهنالك من اعتبر أن هذه الشروط "ملباة بالكامل" أصلا من دون أن يتنبه، والحالة هذه، إلى تفسير ما يتعرض له النظام من ضغوط أميركية وحصار.

وقد وصل الأمر بالبعض إلى القول أن الخلاف بين أميركا والنظام محصور بالإصلاح والديمقراطية باعتبار أن أميركا بعد 11/9/2001 أصبحت تعطي الأولوية لـ"الإصلاح والديمقراطية", من أجل محاربة الإرهاب "مصدقا لنظرية" أن الاستبداد هو حاضن الإرهاب وسببه.

سوء التقدير للموقف لم يدخل في حسابه أن تلبية كامل الشروط الأميركية المطلوبة من النظام تفقده شرعيته تماما، بل وجوده كذلك من حيث أتى, وهو الذي عبَر عنه الرئيس السوري في خطابه في مدرج الجامعة السورية (الذي فاجأ "الخبراء" والمحللين السياسيين وغيرهم) قائلا " تكلفة المواجهة أقل من تكلفة الاستسلام للشروط الأميركية".

المهم أن حسابات الإدارة الأميركية التي قامت عليها سياسات 2005 بالنسبة إلى إعطاء الأولوية للملف السوري بهدف "تغيير سلوك" النظام قد تهادت مع قرار القيادة السورية بالمواجهة، أو عدم الاستسلام. وأصبح لزاما عليها أن تعيد حساباتها بمعنى إما مواصلة الضغوط على أمل النجاح لاحقا، وإما التفكير الجدي بإطاحة النظام.

وأمام هذا الخيار الثاني عقبات ومحاذير فهو، في الأقل، ليس بالسهولة التي أدت إلى خيار مماثل عام 2003 بالنسبة إلى العراق.

على أن ارتطام السياسات الأميركية مع هذا التطور غير المحسوب صحبه تطور لا يقل خطرا، بل يزيد، جاء من حكومة محمود أحمدي نجاد إذ قررت، بدورها، رفض التهدئة الملغومة معها بقصد كسب الوقت لترتيب الوضع السوري فاللبناني فالعراقي فالعربي فالدولي عموما من أجل الانتقال لفتح معركة البرنامج النووي الإيراني واقتلاعه من جذوره، أو تحريم الاقتراب منه نهائيا.

هنا قررت القيادة العليا الإستراتيجية في إيران أن تدخل على الخط وتعترض السياسات الأميركية الأوروبية. فإيران ليست مستعدة أن تخدَر بينما تأتيها الضربة من حيث لا تحتسب. وهذا يفسر تصريحات الرئيس الإيراني الشاب الممتلئ ثورية وحيوية، بخصوص الموضوع الإسرائيلي.

وقد ظن البعض بسذاجة أن تلك التصريحات مجرد حماسة شاب، أو فلتات لسان في خطاب أمام الطلبة، واتهمه البعض بعدم النضوج السياسي. أما الحقيقة فكانت في مكان آخر كالعادة.

"
أسس الشهر الأول من عام 2006 لتغيير في تحديد الأولويات وجبهات التحالف والتهدئة بالنسبة إلى السياسات الأميركية عما كانت عليه في عام 2005
"
فهذه التصريحات، ودعك من التفاصيل، قرار إيراني على أعلى مستوى ويحمل في طياته إستراتيجية مواجهة وتحد لا بد لها من أن تقلب حسابات السياسات الأميركية آنفة الذكر الأمر الذي أعاد الأولوية إلى البرنامج النووي الإيراني وأصبح شريكا في السياسات الأميركية الأوروبية للأولوية المعطاة للملف السوري.

بل جاءت الأزمة التي نشبت داخل الوزارة اللبنانية لتضع ملف أسلحة حزب الله (المقاومة في جنوبي لبنان) في موقع الشريك الثالث. وربما في القريب قد يبرز شريك رابع عراقي، وحتى شريك خامس فلسطيني.

فالجبهة المقابلة آخذة في الاتساع كذلك. المهم في هذه اللحظة الإشارة إلى أن السياسات الأميركية انتقلت إلى العمل على ثلاث جبهات بمستوى متقارب نسبيا من حيث التركيز والأولوية.

ولعل التهديد بنقل موضوع الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن. وعقد لقاء لندن السداسي (بريطانيا، روسيا، الصين، ألمانيا، أميركا ، فرنسا) من أجل هذا الغرض. واقتراح رفعه إلى مجلس الوكالة الدولية للطاقة النووية أولاً، مما يدلل بشكل واضح على فتح هذه الجبهة.

وهو ما حدث في البيان الرئاسي الصادر عن مجلس الأمن الذي تقدمت به كل من أميركا وفرنسا وبريطانيا ليدلل بدوره على فتح ملف أسلحة حزب الله في لبنان جنبا إلى جنب مع استمرار فتح الملف السوري في آن واحد.

وهكذا يكون الشهر الأول من عام 2006 قد أسس لتغيير في تحديد الأولويات وجبهات التحالف والتهدئة بالنسبة إلى السياسات الأميركية عما كانت عليه في عام 2005.

ففتح الجبهات الثلاث: إيران، لبنان، سوريا وما قد يلحق من جبهات، يؤذن بدخول منطقتنا والعالم في مرحلة جديدة من الصراعات دونها، بكثير، ما حدث خلال الأربع سنوات السابقة لا سيما إذا استمر موضوع الملف النووي الإيراني في التصاعد.

وهذا قراره بيد إيران بمعنى مدى استمساكها، بحقها الذي لا خلاف عليه، في امتلاك القدرة النووية للأغراض السلمية فيما قرار الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي هو حرمانها من ذلك الحق تحت كل الظروف. ومن ثم فقرار التصعيد إلى أقصى مدى متخذ أميركيا إسرائيليا، فكيف سيكون العام 2006 وماذا سيشهد والحالة هذه.


ـــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة