ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

بين الانتخابات العراقية والفلسطينية والمصرية، وما سيتلوها من محطات انتخابية في هذا البلد العربي أو ذاك تتكاثر الفتاوى السياسية التي تختص بهذا الشأن، وهي في جوهرها تعبير عن الخلاف السياسي والآخر العقائدي حول مسألة المشاركة السياسية برمتها، وأقله المشاركة في اللعبة الديمقراطية ترشيحا وانتخابا.

تابعنا في هذا السياق جملة من المواقف المتعلقة بالانتخابات العراقية، من بينها موقف زعيم القاعدة في بلاد الرافدين (أبو مصعب الزرقاوي)، كما تابعنا موقف أيمن الظواهري، الرجل الثاني في القاعدة، من الانتخابات عموما، والمصرية على وجه الخصوص، في حين سمعنا عن موقف أحد قادة حماس (الشيخ أحمد نمر) من مشاركة الحركة في الانتخابات التشريعية، ثم موقف حزب التحرير الذي ينشط من دون منع سياسي أو أمني في فلسطين، إذ أصدر الحزب كتيبا يحرم فيه الانتخابات، وبالطبع تبعا لموقف الحزب المعروف من الديمقراطية.

وكنا قد تابعنا أيضا جدلا مغربيا ما زال مستمرا يتعلق بمواقف حركة العدل والإحسان من مشاركة الإسلاميين تحديدا "حزب العدالة والتنمية" في العملية الديمقراطية.

"
ربما يكون من الصعب تقسيم الإسلاميين إلى تيارات بالنسبة لموقفهم من الانتخابات, إذ تتبنى أطراف تتباين في رؤاها الفقهية والاعتقادية ذات الرأي حيال الانتخابات، فيما يحدث العكس أيضا
"
ربما كان من الصعب تقسيم الإسلاميين إلى تيارات على هذا الصعيد، إذ تتبنى أطراف تتباين في رؤاها الفقهية والاعتقادية ذات الرأي حيال الانتخابات، فيما يحدث العكس أيضا، وفي العموم فإن الجدل لا بد أن ينطوي على تقدير موقف عام يجري تخريجه من خلال النصوص والاجتهادات الشرعية.

يبدأ الخلاف بين الإسلاميين حول الانتخابات والديمقراطية من توصيف الوضع القائم، إلى جانب وسائل الخروج منه صوب الحلم الإسلامي المنشود، ففي حين يرى البعض أن الدول القائمة هي دول إسلامية، وأن ولاة الأمر فيها يستحقون السمع والطاعة ولا يجوز النصح لهم إلا بالسر (التيار السلفي التقليدي في السعودية، ومن يقولون إنهم على نهج الشيخ الألباني خارجها)، فإن عموم الآخرين من الإسلاميين بمن فيهم التيارات السلفية الأخرى الأوسع انتشارا والأكثر مصداقية لا يرون ذلك، ويعتقدون أن الوضع القائم ليس هو الذي يشكل الصيغة الإسلامية المأمولة من حيث شكل الحكم ومنهجيته وقوانينه المعمول بها.

بالنسبة لمن يرون الرأي الأول يبدو واضحاً أن قدرا من الانتهازية السياسية ما زال يحكم موقفهم الفقهي قبل موقفهم السياسي، ذلك أن الشيخ الألباني لم يقل إن الوضع القائم هو الوضع الشرعي أو الأفضل، وإنما أشار إلى "استئناف الحياة الإسلامية" كواحد من أهداف دعوته، ما يعني أن الوضع القائم هو وضع مؤقت، حسب اعتقاده، لكنه ذهب في الآن نفسه إلى أن "من السياسة ترك السياسة"، وأن المرحلة الحالية تقتضي سلوك سبيل "التصفية والتربية"، أي أن الأولوية هي للتصفية (أي نشر العقيدة الصحيحة من وجهة نظره)، والتربية (أي تقريب الناس من منهج الإسلام), والنتيجة هي أن الرجل لا يختلف عن الآخرين في توصيفه للوضع القائم بأنه غير إسلامي أو غير إسلامي بما فيه الكفاية في أقل تقدير.

ولا يعرف هنا ما رأي هذا التيار (لم يعد الألباني هو الموجه بعد موته، خاصة في المسائل السياسية) في مسألة الديمقراطية، أو لنقل الشورى، وما إذا كانت معلمة أو ملزمة، حسب ثنائية حزب التحرير، أو لنقل رأيه في قضية الانتخابات في الدولة الإسلامية القائمة ما دام ولي الأمر هو الذي أقرها.

حتى الآن يميل من يلبسون عباءته (أعني الألباني) إلى القول برفض الديمقراطية وعدم جواز المشاركة فيها، وهنا تتبدى الانتهازية السياسية أيضا، إذ كيف يرفض مسار سياسي شرعه ولي الأمر، وهو مسار يتضمن تشكيل الأحزاب والمشاركة في الانتخابات، ثم كيف يقبل عقل أن يترك المجلس التشريعي للعلمانيين والشيوعيين ويغيب عنه الإسلاميون؟!

يشار هنا إلى أن قول قادة هذا التيار بأن مراجعهم هم الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ بن عثيمين والشيخ الألباني لا يبدو مقنعا هنا، ليس لأن الأخير قد اعتبر "استئناف الحياة الإسلامية" هدفا نهائيا لدعوته، بل أيضا لأن الأول والثاني قد أجازا المشاركة في الانتخابات من قبل أحزاب إسلامية في الدول التي لا تحكم بالشريعة، وهي بنظرهما جميع الدول العربية والإسلامية ما عدا المملكة العربية السعودية.

بالنسبة للآخرين يمكن القول إن مواقفهم من الأوضاع القائمة تتراوح بين الحكم عليها بالكفر والبطلان والجاهلية والنظر إليها بوصفها ليست إسلامية بما فيه الكفاية، وإنها في حاجة إلى إصلاحات بهذا القدر أو ذاك، ومن هنا تبدأ الخلافات حول سبل الإصلاح ووسائله.

في هذا السياق تتبدى مفارقة الاتفاق بين حزب التحرير بمنهجيته الأقرب إلى الاعتزال منها إلى السلفية الحنبلية، والتيارات السلفية الجهادية والأقرب إلى الجهادية أو الرفضوية التي لم تحدد منهجا واضحا في التغيير، ففي الحالين ثمة اتفاق على كفر الأوضاع القائمة، ومن ثم الحاجة إلى الانقلاب عليها وصولا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية.

وفي كلا الحالين أيضا ثمة حديث عن الخلافة الإسلامية الراشدة كهدف بالغ الأهمية لا يمكن من دونه تحقيق العزة للإسلام والمسلمين.

"
بالنسبة للغالبية الساحقة من الإسلاميين في الساحة العربية والإسلامية، فإن الأوضاع القائمة في دولهم على تفاوتها ليست كافرة أو جاهلية، وإنما هي مجتمعات إسلامية أصابها التشوه من حيث المنهج والتشريع، الأمر الذي يقتضي إصلاحها "
وفي حين يرى حزب التحرير أن النظام الديمقراطي كفر فإن السلفية الجهادية لا تختلف معه، إذ تراه نظاما كفريا أو شركيا لأنه يمنح حق التشريع لغير الله عز وجل، ولا يعرف بالطبع موقف الطرف الثاني من مسألة الشورى برمتها بعد إقامة الخلافة، وما إذا كانت ملزمة للحاكم كما يرى أكثر الإسلاميين أم أنها معلمة كما هو رأي حزب التحرير.

بالنسبة للغالبية الساحقة من الإسلاميين في الساحة العربية والإسلامية، فإن الأوضاع القائمة في دولهم على تفاوتها ليست كافرة أو جاهلية، وإنما هي مجتمعات إسلامية أصابها التشوه من حيث المنهج والتشريع ما يقتضي إصلاحها وتقريبها من الرؤية الإسلامية.

أي إننا إزاء حديث عن دولة إسلامية، أو دولة مدنية بمرجعية إسلامية تجري إقامتها من خلال الإصلاح والعمل السلمي بعيدا عن العنف. أما مسألة الخلافة فهي بالنسبة لهؤلاء حلم كبير ليس له صيغة محددة، بقدر ما هو شكل من أشكال ترتيب العلاقة الوحدوية المأمولة بين المسلمين.

هذا الخلاف في توصيف الأوضاع القائمة ينسحب بالضرورة على سؤال التغيير أو الحل، وهنا تتبدى المفارقات الكبيرة بين الإسلاميين، أحزابا وتيارات.

إذ توافقت معظم القوى الإسلامية، أحزابا كانت أم جمعيات أم حتى تيارات غير حزبية بالمعنى الحرفي للحزب على إمكانية خوض اللعبة الحزبية والانتخابية أو الديمقراطية ما دامت قد أتيحت وشرعت من قبل النظام الحاكم، وبالطبع من منطلق تقدير لا يقوم على قناعة بأن ذلك سيفضي ضمن الظروف الراهنة إلى إقامة النموذج الإسلامي المأمول، بل تبعا لقناعة بأنه المسار المتاح في ظل رفض العنف كسبيل للتغيير ليس له أفق للنجاح.

والحال أن من العبث القول إن رفض مسار العنف أو الانقلاب قد قام ابتداء على رؤية شرعية بعدم الجواز، ذلك أن فتاوى الجواز بالنسبة لمسألة الخروج السلمي أو حتى المسلح على الحاكم الظالم فضلا عن الكافر ليست غريبة على الفقه الإسلامي، ويكفي أن يراها، بل يطبقها الإمام مالك والإمام أبو حنيفة في حالة الخليفة المنصور، تأكيدا على كونها خلافية، فضلاً عن قصة الحسين بن علي رضي الله عنه وسواه من الصحابة والتابعين.

لقد قام منهج رفض العنف على رؤية القناعة بعدم جدواه، بل عبثيته في ظل الدولة الأمنية القائمة والمدعومة من الخارج، وهنا تحديدا جرى استدعاء أحاديث الفتن وحرمة دماء المسلمين إلى غير ذلك مما أسند هذه الرؤية، لكن الواقع هو الذي أفضى إلى هذه القناعة أكثر من أي شيء آخر.

في هذا السياق ومن أجل الاقتراب أكثر من الرؤية الإسلامية لم يجد الإسلاميون مناصا من قبول التعددية دون أن يعولوا عليها في الوقت الراهن كمسار للتغيير الكامل، بل كمسار من أجل الإصلاح الجزئي والتدريجي إلى حين توفر ظروف تجعل التنافس حقيقيا وقادرا على منح التشريع الإسلامي فرصة التطبيق بحيث تتنافس القوى تحت لوائه من أجل خدمة الجماهير.

إنها صيغة ما للتغيير المتدرج، فيما تترك مسألة تحديد شكل الحكم القائم بعدها للظروف والمعطيات المتوفرة حينذاك، مع تأكيد على أن التعددية لا بد منها، ولكن ضمن إطار من احترام الإسلام الذي لا يمكن إلا أن يتوفر في حال كان التنافس عادلا وليس خاضعا للعبة المال ومراكز القوى كما يحدث في الغرب.

"
الديمقراطية أو التعددية ليست صيغة مقدسة لها نص واحد، بل هي نظام يقوم على مبدأ الرقابة الشعبية على الحاكم، ويمكن لأي دولة أو أمة أن تكورها بالطريقة التي تقترب من منهجها ورؤيتها الدينية
"
الديمقراطية أو التعددية ليست صيغة مقدسة لها نص واحد، بل هي نظام يقوم على مبدأ الرقابة الشعبية على الحاكم، ويمكن لأي دولة أو أمة أن تكورها بالطريقة التي تقترب من منهجها ورؤيتها الدينية. ومن هنا فإن إعلان القبول به ليس خروجا عن الشريعة أو اعتداء على حق الله عز وجل في التشريع، إذ من قال إن الأمة يمكن أن تجمع على باطل في حال توفر لها الأولياء المرشدون القادرون على تقديم الدين بصورته الصحيحة؟

في المقابل يبدو أن الأطراف الأخرى الرافضة لهذه العملية لا تقدم بديلا للتغيير، اللهم سوى انتظار الخليفة كما هو حال حزب التحرير، ولا ندري كيف يرفض الحزب الديمقراطية في الحالة الراهنة، مع أنها ليست إسلامية بالكامل، أي أنها جزء من الترقيع، حسب تعبيره، وهو ترقيع يبدو أن الحزب قد بدأ يمارسه في الآونة الأخيرة، بدليل المظاهرات التي سيرها في لبنان غير مرة، والنتيجة أنها ممارسة تشبه بناء المساجد وإغاثة الملهوفين، وهي قضايا لا يمكن أن تبقى معطلة في انتظار الخليفة.

بوسع الحزب أن يأتي بالخليفة وليقرر بعد ذلك ما يشاء، مع أن تجارب الخلفاء في تاريخنا باستثناءات جد محدودة لم تقل إن الأمة كانت بخير واسع في عهودهم، وإذا لم تنشأ رقابة حقيقية على الحاكم من الشعب فإن المصائب ستقع على رؤوس الأمة من جديد، وكم منها وقع في تاريخنا بينما كان الخليفة على رأس عمله.

من هنا يمكن القول إن الرافضين للانتخابات من زاوية شرعية لا يملكون منطقا متماسكا، أقله في مواجهة الأوضاع الراهنة، أما بعد الخلافة أو إقامة الدولة، حسب التعبير، فلكل حادث حديث، مع أن أحدا في الأمة لم يعد مقتنعا بتوفر خليفة راشد لا يحتاج رقابة شعبية على ممارساته.

لقد بات واضحا بعد تجارب كثيرة أن آفاق الانقلاب والعنف المسلح من أجل التغيير قد غدت مسدودة بشكل كامل، أقله ضمن الظروف الراهنة، وعندما يضاف إلى ذلك تشريعات ديمقراطية، ولو في حدها الأدنى، فإن ترك الساحة للآخرين من العلمانيين والشيوعيين لا يبدو منطقيا.

أما الرأي الآخر الذي يرفض السياسة ويتحدث عن "التصفية والتربية" فإنه يبدو معقولا لو ترك الآخرين وشأنهم يجاهدون لخدمة الإسلام بطريقتهم، أما أن يتخصص في مديح ولي الأمر وهجاء الأحزاب الإسلامية ورفض الانتخابات، والنتيجة ترك البرلمان لغير الإسلاميين، فإنه سيصب في خدمة أعداء الدين حتى لو ازدهرت بضاعته لبعض الوقت تبعا للتسهيلات التي تمنحها له الدولة من أجل مواجهة الإسلاميين الآخرين.

"
خلاف الإسلاميين في ما بينهم حول وسائل التغيير يمكن أن يكون إيجابيا لو أدير الخلاف على نحو يتجنب التكفير، في ذات الوقت الذي يرفض فيه كل طرف مبدأ استخدامه ضد الطرف الآخر بما يعوق عمل الجميع ويصب في خدمة أعداء الإسلام والمسلمين
"
يبقى الفريق القائل بعدم جدوى المشاركة في العملية الديمقراطية كمسار للتغيير الإسلامي المنشود في ظل الأوضاع الديمقراطية المشوهة القائمة، وهؤلاء لا يدخلون في السياق الآخر، إذ إنهم يتحدثون عن رأي سياسي وليس عن تحريم أو تحليل من الناحية الشرعية.

في هذا السياق كان لافتا أن حديث الظواهري عن الانتخابات المصرية والعربية عموما كان سياسيا إلى حد كبير، خلافا لحديث الزرقاوي، مع أن جزءا من كلام هذا الأخير كان سياسياً حيث أشار إلى إجراء الانتخابات العراقية تحت الاحتلال، تماما كما هو حال الشيخ أحمد نمر الذي حرم المشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية لأنها تمت ضمن إطار اتفاق أوسلو المرفوض بسبب تنازله عن الثوابت الفلسطينية والعربية والإسلامية.

من المؤكد أن لأصحاب هذا الرأي مصداقيتهم ودورهم، ذلك أن السعي إلى إصلاح العملية الديمقراطية من خارجها على نحو يتيح تكافؤ الفرص أمام الجميع، ولا يبقيها رهينة الأوضاع القائمة مع ديكورات معارضة بهذا القدر أو ذاك، هذا السعي هو جزء مهم من النضال من أجل التغيير، بل إن دوره ربما كان أكبر لو وجد قوى معتبرة تتبناه.

في هذا السياق تبرز تجربة العدل والإحسان في المغرب، وهي تجربة يمكن أن تكون مفيدة في سياق الانتقال بالتجربة الديمقراطية نحو آفاق أوسع، مع أن الوصول بالديمقراطية العربية عموما نحو أفق يسمح بتنافس عادل وتداول حقيقي على السلطة ما زال مستبعدا في ظل الأوضاع الراهنة، رغم ما جرى في حالة حماس، لكن استمرار الضغط الذي قد يتزامن مع تغير في ميزان القوى ربما أفضى إلى شيء كهذا في وقت قد لا يكون بعيدا.

بقي أن نقول إن خلاف الإسلاميين في ما بينهم حول وسائل التغيير يمكن أن يكون إيجابيا لو أدير الخلاف على نحو يتجنب التكفير، في ذات الوقت الذي يرفض فيه كل طرف مبدأ استخدامه ضد الطرف الآخر بما يعيق عمل الجميع ويصب في خدمة أعداء الإسلام والمسلمين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك