توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية

إعلان إسرائيل الأخير إقامة مستوطنة تشمل كامل غور الأردن وتقطع أي اتصال بين الأردن والعالم كله من جهة, وأي "كيان" فلسطيني -ليس في كل ما هو مطروح ما يقارب "الدولة"- يمكن أن ينشأ على الضفة الغربية من جهة أخرى, أثار تساؤلات عن وضع غور الأردن في اتفاقية وادي عربة.

والتساؤلات تهدف إلى تبين ما إذا كان المشروع الإسرائيلي الذي أعلن عنه الآن أمرا مستجدا استتبعه فوز حماس الساحق في الانتخابات التشريعية الفلسطينية, أم أنه جزء من مخطط إسرائيلي سابق, وفي الحالة الثانية ستكون إسرائيل كعادتها قد أسست له في اتفاقياتها الثنائية.

ولكن قبل إيراد المادة المتعلقة بالغور في اتفاقية وادي عربة, لا بد من التطرق لبعض المواد المتعلقة "بالحدود" التي رسمتها تلك الاتفاقية بين الأردن وإسرائيل.

ومهما قيل عن القلق الأردني المشروع بشأن ضمان حدوده وبقائه ككيان سياسي في وجه مخططات الوطن البديل, فإن الطرف الإسرائيلي الذي يرفض وضع حدود نهائية لدولته حتى اليوم لم يكن حتما يقدم تنازلا للأردن في شأن ما زال ضمن إستراتيجيات الحركة الصهيونية الثابتة, ولكنه كان يدرك أهمية بند "الحدود" في تلك الاتفاقية خاصة بالنسبة للمطالبات بدولة فلسطينية, أي بالنسبة لمصير "فلسطين التاريخية".

وقد تم النص على الحدود في المادة الثالثة من الاتفاقية. والمادة الأولى, "إقامة السلام" هي أقرب للعنوان أو المقدمة، أما المادة الثانية فهي أيضا بحكم التقدمة, وهذا يظهر من عنوانها "المبادئ العامة".

"
الطرف الإسرائيلي الذي يرفض وضع حدود نهائية لدولته حتى اليوم لم يكن حتما يقدم تنازلا للأردن في شأن ما زال ضمن إستراتيجيات الحركة الصهيونية الثابتة, ولكنه كان يدرك أهمية بند الحدود في تلك الاتفاقية بالذات بالنسبة للمطالبات بدولة فلسطينية
"
من هنا نجد أن المادة الثالثة هي في الواقع المادة الأولى التي تدخل في صلب الاتفاقية كما ستتجسد على الأرض التي هي موضوع القضية برمتها.

عنوان المادة الثالثة "الحدود الدولية", يدل على أهم ما أرادت إسرائيل إرساءه هنا كحق لها يلتزم به الأردن الذي هو أهم طرف عربي يمكن أن تعقد معه أي اتفاقية.

فالأردن هو المجاور لإسرائيل على كامل واجهتها الشرقية, بحيث يمكن القول إن الكيان الإسرائيلي "الأردن من أمامه والبحر من ورائه".

ومن هنا أهمية اتفاقية وادي عربة بالنسبة لكامل الأمة العربية ولمصير قضيتها الأولى والمركزية, وإلام يمكن أن تؤول تلك القضية وتلك الأمة نتيجة "مسيرة التفاوض", لكون هذه الاتفاقية حددت دور هذا الذي "من أمام إسرائيل", بكل ما يعني إسرائيل على الأقل!

وتعرف المادة في فقرتها الأولى الحدود المتفق عليها بأنها "الحدود زمن الانتداب", أي أنها تعتبر كل ما كان تحت الانتداب البريطاني, وهو كامل فلسطين الجغرافية, على أنه أرض دولة إسرائيل.

وغني عن القول أن أي التزام قانوني دولي يمثله الاعتراف "بحدود دولية" مع أحد طرفي الصراع, مقابل خطابات لا تزيد "عمليا" عن التعاطف مع الحق الفلسطيني على أي جزء من الأرض الواقعة خلف تلك الحدود.

والإشارة التي يتشدق بها من يسميهم الأردنيون "معسكر وادي عربة" بأنها ضمنت حق الفلسطينيين في أرضهم, ننقل هنا نص الفقرة التي وردت فيها كاملا, وهو:

"تعتبر الحدود, كما هي محددة في الملحق 1 (أ) الحدود الدولية الدائمة والآمنة والمعترف بها بين الأردن وإسرائيل دون المساس بوضع أي أراض وقعت تحت سيطرة الحكم العسكري الإسرائيلي عام 1967".

لاحظوا الصيغة هنا لتعرفوا أن لا شيء تضعه إسرائيل يأتي بالصدفة. هي أراض وليس "الأراضي", رغم أن المفاوض الأردني كان يتعامل يوميا أثناء التفاوض مع تفسير إسرائيل لنص القرار 242 بأنه يعني "الانسحاب من أراض محتلة" وليس من "الأراضي المحتلة".

ولاحظوا أن هذه الأراضي لم تقع تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي، بل هي وقعت تحت سيطرة الحكم العسكري الإسرائيلي، ربما تعثرت وحدها وتدحرجت لتستقر تحت أقدام هذا الحكم الذي لم يتحرك هو نحوها!!

مثل هذه الخبرة مع الصياغة الإسرائيلية المتأنية لكل ما توقع عليه, يجعل تعبير "دون المساس" هنا لا يزيد, على أحسن الافتراضات, عن كونه عدم بحث أو عدم تدخل في مصير أراض وقعت تحت سيطرة الحكم العسكري الإسرائيلي.. وهو ليس هذا المعنى حتى, كما ستثبت المادة (20) المتعلقة بالغور حين نأتي إليها.

ثم إنه ما لم يجر اشتراطه بشأن ما وراء تلك الحدود عند التوقيع على الاتفاقية لن تجري العودة إليه بعد التوقيع على أكثر من بند ومادة تنص على الالتزام بأمن واستقلال وسيادة إسرائيل ضمن تلك الحدود.

ناهيك عن التزامات أبعد من ذلك بالتطبيع وبأمن إسرائيل الإقليمي وأولوية هذه الاتفاقية على بقية التحالفات, وصولا إلى تحريم كل ما من شأنه "بث الكراهية" لإسرائيل, وكلنا نعرف بالخبرة المؤلمة ما تدرجه إسرائيل تحت هذه العبارة!!

"
ما لم يجر اشتراطه بشأن ما وراء الحدود عند التوقيع على الاتفاقية لن تجري العودة إليه بعد التوقيع على أكثر من بند ومادة تنص على الالتزام بأمن واستقلال وسيادة إسرائيل ضمن تلك الحدود
"
وعدم توقع دور أردني عملي (لسنا في صدد الخطابات) لمواجهة مشروع إسرائيل الاستيطاني الجديد في الجزء الواقع داخل حدودها الدولية من غور الأردن, ليس فقط نتيجة اضطرار الأردن للالتزام بتلك الحدود, بل هو أنه غير ممكن ضمن سلسلة الأولويات الأردنية المؤجلة, أو بالأحرى "المصادرة" بحكم نصوص اتفاقية وادي عربة.

فالاتفاقية التي قيل إنها استعادت كامل أراضي المملكة وضمنت أمنها واستقلالها والسيادة الأردنية عليها, نصت في ذات المادة الثالثة, وفي الفقرتين الأخيرتين منها (8 و9) على حقوق امتلاك خاصة إسرائيلية في منطقتي الباقورة والغمر, الواقعتين داخل إقليم الأردن وداخل "حدوده الدولية", وفصلت هذه الحقوق بالملحقين 1 (ب) و1(ج)!

وموضوعنا هنا ليس الباقورة أو الغمر, بل حزام المستوطنات الذي أعلنت إسرائيل نيتها في إنشائه على امتداد غور الأردن, وحكم هذا الإعلان في ضوء مواد اتفاقية وادي عربة, بمعنى الموقف المتوقع من الأردن في ظل هذه الاتفاقية الذي تساءلت عنه أكثر من جهة عربية ولم تجب عنه أي جهة أردنية إجابة علمية تستند لنص الاتفاقية.

وإذا كان من أجاب لجأ إلى توقعات نصرة الشقيق الفلسطيني في مطالبته بحقوق على أرضه, فإننا نقول إن هذه التوقعات, مهما حسنت النية فيها, لا يمكن أن تحتل مكانا على جدول أعمال الحكومة الأردنية (وهو غير جدول المعارضة المغيبة حتى عن مجلس النواب) يتقدم على ما هي ملزمة به من مطالبة بحقوق للأردنيين على أرضهم, يدهم فيها مكبلة بحكم التزامات وادي عربة.

منها مثلا, أن تبدأ الحكومة بالمطالبة بألا يدخل ويخرج "المتصرفون بالأرض" (عبارة أخرى منمقة تعني المستوطنين الإسرائيليين في الباقورة والغمر), و"مستخدميهم وضيوفهم" الذين لم تحدد ملاحق الاتفاقية تلك عددهم ولا حتى جنسياتهم, إلى داخل الباقورة والغمر, بحرية ودون تطبيق الأردن "تشريعاته الجمركية وتلك المتعلقة بالهجرة (أي دون فيزا) ودون استيفاء رسوم..".

ومنها أن تطبق على "المتصرفين بالأرض" هؤلاء القوانين الأردنية لا "القوانين الإسرائيلية التي تنطبق على أنشطة إسرائيليين خارج حدودها" (أي حدود إسرائيل) وألا تسمح حكومتنا بدخول رجال الشرطة الإسرائيلية بلباسهم الرسمي وبالحد الأدنى من الشكليات إلى المنطقة (الباقورة والغمر) لغرض التحقيق في الجرائم أو معالجة الحوادث الأخرى المتعلقة حصرا بالمتصرفين بالأرض أو ضيوفهم أو مستخدميهم.

كل هذا لا تملك الحكومة البدء بالمطالبة به قبل مرور 25 سنة على توقيع اتفاقية وادي عربة, أي قبل العام 2019.

وحتى إن طالبت حينها بعودة هذه الحقوق السيادية على الباقورة والغمر, فإن اتفاقية وادي عربة لا تعيدها مباشرة, بل على الأردن أن يخطر الطرف الإسرائيلي بنيته إنهاء العمل بهذا الملحق قبل سنة من انتهائه (أي قبل تجديده تلقائيا لـ25 سنة أخرى), ونتيجة الإخطار هي "أن يدخل الطرفان في مشاورات"!

هذا عن الحدود, وهي المادة الأعوص والمتشعبة، كما ترون، أما غور الأردن فقد عولج أمره بنص واحد هو المادة (20) من الاتفاقية المعنونة "بتنمية أخدود وادي الأردن".

وتأتي هذه المادة متسللة بعد سلسلة مواد تناولت التعاون الثنائي في كافة المجالات, بدءا بالأماكن التاريخية والدينية وحوار الأديان والتبادل الثقافي والعلمي ومحاربة الجريمة والمخدرات والنقل والملاحة وغيرها.. وصولا إلى السياحة والبيئة والبريد والاتصالات.. لتنص أي المادة (20) على ما يلي:

"
إجازة مشروع مشترك بيننا وبين المستوطنين على أرضنا يتطلب تعديل ملحق من الاتفاقية, فهل يلزم أقل من إلغاء "وادي عربة" لاكتساب حق الاحتجاج على الطوق الاستيطاني دون أن يقال لنا إننا, بجهل أو بعلم منا, قد وقعنا عليه؟
"
"يولي الطرفان أهمية كبرى للتنمية المتكاملة لمنطقة أخدود وادي الأردن, ليشمل ذلك مشاريع مشتركة في المجالات الاقتصادية والبيئة, والمشاريع المرتبطة بالطاقة والسياحة، آخذين بعين الاعتبار الإطار المرجعي الذي تم التوصل إليه في إطار اللجنة الاقتصادية الثلاثية (الأردنية الإسرائيلية الأميركية) بهدف الوصول إلى خطة رئيسة لتنمية أخدود وادي الأردن. لذلك سيبذل الطرفان قصارى جهدهما لإتمام التخطيط والسير في التطبيق.

ويلاحظ هنا أن غور الأردن (الأخدود) قد حسم أمره في معادلة الفلسطينيين ليسوا طرفا فيها. ففي هذه الاتفاقية "الثنائية" لم يجر الاتفاق على احترام حقوق متبادلة كل داخل "حدوده الدولية", بل على تنمية مشتركة متكاملة ضمن خطة مستقبلية أدخل فيها طرف ثالث هو "الأميركان", ولكن ليس الفلسطينيين.

وهذا يعكس ما كان في خاطر الجانب الإسرائيلي من تخطيط مسبق لمستقبل للغور لا يتضمن مغادرته بتاتا, بل يتضمن إقصاء الفلسطينيين عنه تماما!

هذه هي حقيقة ما ورطنا فيه "المفاوض الأردني". وهذه المادة تثبت عدم صحة تفسير الحكومات المتعاقبة منذ وادي عربة للعبارة الملحقة فيها بالفقرة الثانية من المادة الثالثة المتعلقة بالحدود الدولية.

فلو كانت عبارة "دون المساس.. الخ" تعني عدم المساس بالحقوق الفلسطينية في أرض الضفة الغربية المحتلة, لما جاز أن ترد المادة 20 بصيغتها هذه.

والآن لا تملك الحكومة الأردنية أي ثقل لدى إسرائيل, كما يزعم "معسكر وادي عربة" في تبريرهم للاتفاقية واستمرار التطبيع حتى ظل اجتياح الضفة وارتكاب المجازر بحق أهلها, يضغط به ولو لإدخال الفلسطينيين طرفاً رابعا في ثلاثية الأردن وإسرائيل وأميركا.

ففي ملحقي الباقورة والغمر هنالك بند ينص على أنه "في حالة إقامة أي مشاريع مشتركة (أي أردنية-إسرائيلية باعتبار أن المتصرفين بالأرض ومستعمليها هم الإسرائيليون حصرا)، يتفق عليها وتطور من قبل الطرفين في المنطقة (أي في الباقورة أو الغمر), يجوز تعديل شروط هذا الملحق لغرض المشروع المشترك بالاتفاق بينهما في أي وقت"!

إجازة مشروع مشترك بيننا وبين المستوطنين على أرضنا يتطلب تعديل ملحق من الاتفاقية, نشك في ضوء ما مضى أنه سيكون تعديلا لصالحنا.. فهل يلزم أقل من إلغاء "وادي عربة" لاكتساب حق الاحتجاج على الطوق الاستيطاني دون أن يقال لنا إننا, بجهل أو بعلم منا, قد وقعنا عليه؟

المصدر : الجزيرة