عاطف عبد الحميد

- الشاه على رقعة الشطرنج
- القيصر والتنين
- السني والشيعي

في صيف عام 1907 اتفقت روسيا وبريطانيا على احتلال إيران، فحصل القيصر الروسي على الشمال وفاز التاج البريطاني بالجنوب. أما الشق العربي من الخليج فقد بقيت بريطانيا مهيمنة على مشيخاته، رافضة أن تنازعها فيه فرنسا وألمانيا (الترويكا بلغة اليوم).

يمر الآن قرن من الزمان على ذلك التاريخ، تغيرت مسميات المستعمرين وتبدلت مواقعهم الجغرافية، القوات الأميركية التي كانت قد تمركزت في إيران بعد الحرب العالمية الثانية لمواجهة السوفيات عبرت الخليج -بعد الثورة الإسلامية- لتربض على الضفة العربية منه.

كما عادت روسيا من جديد إلى إيران لكنها في هذه المرة تأخذ في يدها التنين الصيني، في محاولة لدعم آخر قلاع مواجهة الانفراد الأميركي بتلك المنطقة المكدسة بالثروة والمخلخلة بالسكان والمتلبسة بالدين.

"
يوجد في كل الاتجاهات الأصلية لإيران من الألغام ما يجعل القوى الدولية قادرة على تغيير محاور الصراع معها، ما يدفع طهران إلى مزيد من التشبث بالخيار النووي
"
الشاه على رقعة الشطرنج
على مدى 15 عاما مضت، نجحت الولايات المتحدة في إغلاق فرص التمدد الإقليمي لإيران، فحبستها في حدود الدولة العادية، وهي الآن مسؤولة -بتحويلها الخليج إلى ثكنة عسكرية- عن وصول إيران إلى مرحلة الإصرار على البرنامج النووي، باعتباره خيارا حتميا وليس فنا من فنون المناورة.

تقارن إيران بين حدود الدولة العادية الثرية نفطيا، مع ما في هذا من مخاطر إسقاط "الجمهورية الإسلامية"، والانتقال من دولة "المستودع" النفطي إلى دولة نووية لا تحمي نفسها من القوى الأجنبية والعراق فحسب، بل تكرس سيطرتها على المحاور الحيوية للخليج كحماية استباقية لمستقبل لن تنقطع فيه غزوات القوى الاستعمارية.

وخلال تلك المقارنة، تحترز إيران لنفسها من السياسات الغربية المتبعة في منهج "المجموع الصفري" الذي يسعى إلى سلبها المكاسب التي حققتها منذ حرب عاصفة الصحراء.

فقد آن الأوان لإعادة إيران إلى نقطة الصفر من جديد، تعويضا عن الكثير مما كسبته منذ غزو العراق للكويت، وما جنته من إحكام سيطرتها العسكرية على الجزر الإماراتية الثلاث (أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى) وطرد العرب منها، وما احتفظت به من كل طلقات الرصاص حين دُمر العراق واحتُل وصعد الشيعة إلى صدارة حكمه، فضلا عن تسليحها المتطور بدعم روسي وصيني، وما دخل خزينتها من عائدات فلكية من النفط والغاز.

تتفاوت الممارسات التي ستبدأ بها حسابات المجمع الصفري، فتفجيرات الأهواز (خوزستان) بداية لفصل جديد لمشاغلة إيران، في توقيت بالغ الحساسية وفي موقع إستراتيجي من الخليج المدجج بالسلاح.

وأسلوب المشاغلة ليس جديدا على إيران، فقد اتهمت من قبل بممارسة ذات الأسلوب ضد البحرين والسعودية، وهي تتهم بريطانيا اليوم بتدبير القلاقل في الأهواز تمهيدا لتحويله إلى منطقة صراع تجس فيها قوة النبض وتستكشف محاور التحرك.

وعلى الناحية الأخرى من خريطة إيران، وقريبا من بحر آخر ثري بالنفط هو بحر قزوين، توجد منطقة أخرى قابلة للاشتعال في معقل الأقلية الأذرية التي ينادى القوميون في أذربيجان بإعادة توحيدها مع الوطن الأم، وهي مطالب بدأت تتزايد في العقدين الأخيرين، رغم أن تقسيم الأذر بين روسيا وإيران وقع في النصف الأول من القرن التاسع عشر.

وتتشابه قضية الأذر –الذين يشكلون 24% من إجمالي سكان إيران- مع قضايا الأقليات غير الفارسية التي تشكل معا نحو 49% من عدد سكان الدولة الفارسية التي تضم قوميات كردية وبلوشية وأرمنية وعربية وتركمانية.

إذا أضفنا الجبهة الأفغانية التي لم تجرب جيدا، والعلاقة الإستراتيجية بين السعودية وباكستان التي لم تترجم عسكريا بعد، فسنلقى في الاتجاهات الأصلية لإيران من الألغام ما يجعل القوى الدولية قادرة على تغيير محاور الصراع مع إيران، ما يدفع طهران بالتأكيد إلى مزيد من التشبث بالخيار النووي.

على الضفة الأخرى من الخليج، يمكننا أن نرى الخيارات المتاحة لدول الخليج العربية أمام مشروع الهيمنة الإيراني، حيث تبقى أسيرة الرصد والترقب دون اتخاذ أية خطوات عملية إلى الأمام، بالركون إلى السيناريو المعتدل –وربما الرومانسي- الذي يرى أن السلاح النووي سيعطي طهران ثقة بالنفس لحماية نفسها من العراق وإسرائيل ليس أكثر.

وبين الرصد والترقب تمضي الخطب في بعض الصحف الخليجية تخوف القارئ من الهيمنة الإيرانية وتنوره بأن البرنامج الإيراني لا علاقة له بتحرير فلسطين أو نصرة العالم الإسلامي، وأن إيران "تضيع فلوسها" حين تحاول استعادة "الحلم الصفوي" من جديد.

الخفي بين السطور هو الركون إلى القوات الأميركية "الحامية" للخليج، والقدرات المحلية المعتمدة على الأسلحة الكيماوية والبيولوجية التي يؤمل أن لا تقل فاعليتها عن السلاح النووي.

ومن بين دول الخليج تعتبر السعودية أكثر الأطراف حذرا من البرنامج النووي الإيراني، وينبع موقفها من عدة اعتبارات أهمها اختلاف الأيدولوجيا السياسية بين الدولتين على المستوى الإقليمي، وطبيعة التحالف السعودي مع الولايات المتحدة.

كما أن السعودية تشكل أكبر قوة ديمغرافية تستطيع مقاومة إيران بعد سقوط العراق، إضافة إلى تحالفها الإستراتيجي مع مصر بمخزونها الديمغرافي، فضلا عما للسعودية من عمق إستراتيجي يمكنه مواجهة المعارك مع إيران.

"
ما تجوز تسميته محور الشاه والقيصر والتنين -وقد تنضم إليه الهند- يمكن أن يشكل بداية هدم الأحادية القطبية في العالم
"
القيصر والتنين
لا تنسى إيران أن روسيا التي احتلت أراضيها وتحكمت في مصيرها في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين لم تتخل عن طموحاتها الإقليمية والدولية ومطامعها في الخليج، لكن لا خيار أمام طهران لأنها تدرك جيدا أهداف الروس من الاقتراب من الخليج، وأساليبهم الملتوية لاستعادة مكانتهم المهدورة، وقد عبر الرئيس الإيراني مؤخرا عن شكوكه في نيات روسيا متوجسا من اقتراح نقل عمليات التخصيب إلى الأراضي الروسية.

وإذا صدقنا تصريحات الرئيس الإيراني بأنه سيلجأ إلى "طرق أخرى" لإقامة المفاعلات النووية إذا تراجعت روسيا فلا بد أن تنصرف أنظارنا إلى الدول المستقلة عن الاتحاد السوفياتي، وبصفة خاصة في آسيا الوسطى التي يروج الإعلام الغربي أن إيران تمكنت عبرها من الحصول بشكل سري على اليورانيوم المخصب.

فترة الارتباك التي عاشتها الدول المستقلة عن الاتحاد السوفياتي قد لا تكون مرت دون حصول إيران على أسلحة "غير تقليدية"، خاصة أن بعض الزعماء العرب كان قد تفاخر منذ 10 أعوام بأنهم –حفاظا على "السلام" الإقليمي- قد رفضوا شراء قنابل نووية "جاهزة" من تلك الدول بعيد استقلالها.

تمثل روسيا الساعد الأيمن لإيران في ظل عالم مملوء "بالظالمين"، إذا استعرنا المفهوم الشيعي للمظلومية التاريخية.

لكن روسيا لا تحتضن المشروع النووي الإيراني لمساعدة طهران على الخروج من مظلوميتها مع العرب والسنة فحسب، بل إن دعم موسكو يتجاوز مواجهة أميركا في الخليج إلى عدوها المشترك مع إيران الممثل في "الوهابية" التي صدرتها الدول الخليجية –حسب الاتهامات الروسية- ومولت بها الحرب في الشيشان التي استنزفت الميزانية الروسية.

الحرب في الشيشان ليست وحدها ذات أبعاد سنية شيعية، بل إن التقارب الصيني مع إيران رآه الغربيون – خلال بحثهم الدؤوب عن كل ما هو طائفي ومذهبي- تقربا من الدولة الشيعية الكبرى، تقربا له دلالة في إخماد مطالب نحو 20 مليون مسلم -أغلبهم من السنة- ذوي حقوق مهضومة في غرب الصين.

لكن مسافة بكين البعيدة من الخليج، فضلا عن توجه البوصلة الصينية نحو قطب آخر في شرق وجنوب آسيا -عكس روسيا التي تدور بوصلتها في كل اتجاه- أمور تجعل النفط الإيراني هو الهدف المرجو من الشراكة مع طهران لاستيفاء الحاجة المتزايدة إلى الطاقة للمصانع الصينية الشرهة.

وهذه العلاقة التبادلية تمد فيها الصين إيران بالسلاح والسلع الإلكترونية والاستهلاكية وتحصل منها على النفط بعقود ستستمر فاعلة لربع قرن مقبل.

ولأنه لولا الأمل لانفطر الفؤاد، يعلق الكثيرون اليوم مزيدا من الآمال على ما يمكن تسميته محور "الشاه والقيصر والتنين" وهو محور يمكن أن تنضم إليه الهند –كما يرى المتفائلون- ليشكل بداية هدم الأحادية القطبية في العالم.

"
القنبلة الشيعية حلقة جديدة في أزمة الثقة بين الفرس والعرب نجحت الولايات المتحدة في تشحيمها، ونجحت النعرة المذهبية الإيرانية في تأجيج نارها، كما أسهم الضعف العربي في إغراء الطامعين والمستعمرين بأن يجربوا في الإقليم كل شيء
"
السني والشيعي
هل تفكر إيران فعلا في احتلال الخليج تحت غطاء نووي؟ هل تعيد إيران مطالبها التي كانت تسعى وراءها قبل رحيل بريطانيا عن إمارات الخليج بضم البحرين إليها؟ هل تحول مفهوم الإمام الغائب إلى "الدولة الغائبة" التي ستعيد العدل إلى الأرض وتسقط دول الظلم والطغيان والعمالة للأميركان؟

السيناريو الأسوأ من إيران النووية التي تخلت اليوم عن التقية السياسية القائمة على الخداع والمواربة، يتوقع احتلال الجيش الإيراني لأراض خليجية في البحرين والكويت وجنوب العراق، مع التهديد بالرد النووي على محاولة إرجاعها.

البعد الآخر في هذا السيناريو يعبر الخليج إلى الأراضي السعودية ليشمل مراكز الشيعة في المنطقة الشرقية حيث يعيش الشيعة ازدواجية الانتماء بين المرجعيات والوطن.

وقد نجحت هذه المخاوف في زيادة قلق البعض في السعودية من أن الخيار النووي الإيراني سيزيد من نزعات الانفصال في بعض مراكز الاستقرار الشيعي في منطقة كالقطيف مثلا.

وإلى جانب هذا السيناريو المرعب المحمي بغطاء نووي، يتوقع أن يتزايد التمايز الطائفي المتجذر تاريخيا وجغرافيا في السعودية أقل تقدير، إذا لم يسد الطريق على تلك التوقعات بفتح الملفات بحذر وهدوء، حتى تتم معالجة العلاقة المذهبية بسعة صدر وحكمة فلا تشتعل النيران من حيث أردنا لها أن تنطفئ.

الأبحاث التي يكتبها مفكرون مرموقون في دوريات أميركية عن الصدع المذهبي في الخليج تعطي تصورا مغرضا عن "الحرب الأهلية" المقبلة في السعودية.

فدورية كمجلة الشؤون الخارجية الشهيرة، جادلت غير مرة بأن السنة في السعودية يرون الشيعة طابورا خامسا لإيران، ويرونهم أشد خطرا على الإسلام والمسلمين من اليهود والصليبين.

وفي مثل هذه المعالجات التي تلقي رمادا في العيون بالاستشهاد بقول هذا الشيخ أو مقال ذلك الداعية، يبدو استعداد الولايات المتحدة لابتزاز السعودية بالملف الشيعي أكيدا، إذ يعرف من اقترب من عايش هذا الموضوع أنه شديد القابلية للإثارة، ويحتاج حكمة بالغة في التعامل مع اشتباكاته السياسية والديمغرافية.

القنبلة الشيعية حلقة جديدة في أزمة الثقة بين الفرس والعرب وتوسيع الصدع بينهما، وهي مشكلة نجحت الولايات المتحدة في تشحيمها جيدا، ونجحت النعرة المذهبية في إيران خلال عقد التسعينيات في تأجيج نارها، كما أسهم الضعف العربي في الخليج في إغراء الطامعين والمستعمرين بأن يجربوا في الإقليم كل شيء.

الطريق بيننا وبين إيران -إذا استعرنا كلمات عبد الله النفيسي في كتابه "إيران والخليج"- ليست مغلقة، ولو كانت مغلقة فمن مصلحتنا فتحها والولوج إليها.

والدليل أنه في الإمكان فتحها –كما يرى النفيسي- أن نسأل أنفسنا: كيف استطعنا أن نتفاهم مع الصهاينة ونفهمهم ونمد الأيدي لمسالمتهم والتعايش معهم وقد كسروا عظامنا وسرقوا أراضينا ومياهنا ومرغونا في هزائم متكررة لمدة تزيد عن نصف القرن؟

قضية التسليح النووي الإيراني وعلاقتها بالشيعي والسني تحتاج إلى مزيد من المناقشة، وبصفة خاصة من قبل غير المتحيزين لمذهب أو عرق، كما تحتاج إلى إسهامات المخلصين لهذه الأمة والغيورين على وحدتها وبقائها أمام هجمات الطامعين التي لا تنقطع.
___________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة