إبراهيم حمّامي

- عناصر الصراع والسيطرة
- التعيينات والموظفين
- الصلاحيات القانونية
- الإعلام
-
المؤسسة الأمنية
- مرجعية القرار
- إلى أين؟

ما إن ظهرت نتائج الانتخابات التشريعية في فلسطين، حتى بدأ صراع من نوع آخر داخل المؤسسة السياسية الفلسطينية، ظاهره احترام النتائج والتمسك باختيار الشعب والالتجاء للقانون، وباطنه صراع خفي بدأته مؤسسة الرئاسة الفلسطينية لتفريغ الحكومة القادمة المتوقع أن تشكلها حركة حماس من أية صلاحيات أو سلطة أو سيادة، ولتبقى الأمور في يد حركة فتح حتى وإن خسرت الانتخابات بشكل كبير شكل صدمة للجميع.

هذا الصراع الخفي العلني الذي اتخذ أشكالا متعددة وبوتيرة متصاعدة، حدا بالبعض إلى تبني نظرية المؤامرة بوجود حلف ثلاثي أميركي إسرائيلي فلسطيني (القيادة الحالية للسلطة)، لإفشال حماس وبكل الوسائل.

وما يعزز هذه النظرية هو التناسق بين إجراءات الأطراف الثلاثة للضغط على حماس، بل وتطابق المطالب والشروط بينها، من اعتراف بشرعية الاحتلال، إلى نبذ "الإرهاب" مرورا بالاعتراف بالاتفاقات الموقعة التي لم يحترمها الاحتلال يوما، وكذلك الإجراءات المتوازية من سحب صلاحيات من قبل عباس، وإجراءات عقابية أعلن عنها موفاز، وتعهدات أميركية بمحاصرة وتجويع الشعب الفلسطيني عقابا له على اختياره.

"
لا يمكن فهم عقد جلسة من أجل تشريعات عادية إلا من منظار السعي لتمرير هذه التشريعات والقرارات من جانب الأغلبية في المجلس القائم التي لم تعد أغلبية في المجلس الجديد
"
عناصر الصراع والسيطرة
خلال الفترة بين 25/01/2006 وجلسة التشريعي المنتهي الصلاحية يوم 13/02/2006 اتخذت عدة قرارات ومراسيم لحسم الأمر لصالح مؤسسة الرئاسة، وكان اجتماع التشريعي المذكور بمثابة المواجهة العلنية الأولى بعد أن شككت حماس في قانونية وشرعية الجلسة، ورفضت الاعتراف بالقرارات الصادرة عنها في بيان رسمي جاء فيه.

"إننا في حركة حماس نعتبر الجلسة التشريعية "الاستثنائية" التي عقدها المجلس غير قانونية وباطلة، استنادا إلى نصوص القانون الأساسي الفلسطيني والنظام الداخلي للمجلس التشريعي الذي لا يتضمن في نصوصه أي ذكر لبدعة "دورة استثنائية".

وإن الحق الوحيد لرئيس السلطة أن يدعو لجلسة طارئة ضمن دورة انعقاد عادية أو غير عادية، ولا يمنحه الدستور أي حق في طلب عقد دورة جديدة أيا كان نوعها، وعليه فإن كل ما صدر عن هذه الجلسة باطل وغير معترف به".

ويتفق مع هذا الطرح أكثر من طرف قانوني، أذكر منهم على سبيل المثال أحمد الخالدي، عميد كلية القانون في جامعة النجاح ورئيس لجنة صياغة الدستور، الذي أكد أنّ قرار المجلس التشريعي السابق الذي اتخذه في جلسته الأخيرة والذي يعطي عباس صلاحيات تعيين أعضاء المحكمة الدستورية سينعكس بخطورة بالغة على استقلالية المحكمة الدستورية والقضاء والسلطة التنفيذية.

وقد نبه الخالدي إلى أنّ أعضاء المحكمة الدستورية والقضاة يجب أنْ يتمتعوا باستقلالية وأن لا يكون تعيينهم مرتبطا بشخص واحد.

ومن الأطراف المتفقة على الطرح المذكور المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان الذي أكد أن عقد جلسة التشريعي في هذا الأوان بالذات يتناقض مع تقاليد وأعراف راسخة وعريقة في النظم الديمقراطية، ويتعارض مع فلسفة التشريع ومع أبسط البديهيات حول ولاية المجلس وحول الانتخابات.

وليس من المقبول أن يجتمع المجلس التشريعي القديم، بعد مرور ثمانية عشر يوماً على إجراء الانتخابات التشريعية التي تعني إنهاء التفويض الشعبي الديمقراطي للمجلس القديم ومنح تفويض آخر لمجلس جديد ليشرع ويقرر في مواضيع عادية، من قبيل التعيينات الوظيفية، بالإمكان النظر فيها ومعالجتها بعد تنصيب المجلس الجديد.

ولا يمكن فهم عقد جلسة من أجلها إلا من منظار السعي لتمرير هذه التشريعات والقرارات من جانب الأغلبية في المجلس القائم والتي لم تعد أغلبية في المجلس الجديد.

"
تعيين رئيس لديوان الموظفين تابع للرئاسة، يعني السيطرة على قطاع الموظفين ومنع الحكومة المقبلة من تعيين موظفين مؤيدين لها أو استبدال آخرين، مما يبقي السيطرة المطلقة لحركة فتح
"
التعيينات والموظفين
خلال الأسابيع الماضية وجهت اتهامات مباشرة للسلطة الحالية بتعيين العشرات من الموظفين وإصدار قرارات ترقية ونقل للموظفين تضمن السيطرة الفتحاوية على هذا القطاع.

ووصل الأمر حد التهديد بالقتل من خلال ما ذكره محمد دحلان أن "كل من يفكر بفصل موظف من وظيفته سيكون هذا آخر عمل يقوم به في حياته"، مما استدعى رفضا علنيا ومباشرا من قبل خالد مشعل لكل تلك الإجراءات، مطالبا عبّاس "بوقف أي مراسيم وقرارات قبل تشكيل الحكومة الجديدة معتبرا إياها فرض أمر واقع غير شرعي".

وقال "لن نفصل موظفا، لن نحرم أحدا من حقه لكن لا يستطيع أحد أن يخدعنا ولا أن يفرض علينا واقعا ليس له صفة الشرعية والقانونية".

رغم ذلك صدرت عدة قرارات في هذا الاتجاه كان أهمها:
• إصدار مرسوم بتعيين رئيس لديوان الموظفين تابع للرئاسة، وهو ما يعني السيطرة على قطاع الموظفين ومنع الحكومة المقبلة من تعيين موظفين مؤيدين لها أو استبدال آخرين، مما يبقي السيطرة المطلقة لحركة فتح على هذا القطاع.

• مرسوم بتعيين إبراهيم خريشة الذي سبقت له الاستقالة بسبب الانتخابات التشريعية ولم ينجح أمينا عاما للمجلس التشريعي ليحل محل أمين سر المجلس الذي يشغله نواب منتخبون في العادة.

وهذا يعني أن الأمين العام الجديد سيكون مسؤولا عن جميع موظفي المجلس ويعرقل إمكانية التغيير في تركيبته الحالية التي تهيمن عليها فتح، مما يتعارض مع القانون ونص المادة 50 من القانون الأساسي المعدل التي تحدد هيئة مكتب رئاسة المجلس برئيس المجلس ونائبيه وأمين السر، وجميعهم يتم انتخابهم في أول اجتماع للمجلس.

وهذا ما تنص عليه بوضوح أيضاً المادة الرابعة من النظام الداخلي للمجلس، علماً بأن المادة 11 من النظام نفسه تنص على أن تُعين هيئة المكتب أمانة عامة يرأسها أمين السر، تشرف على جميع الشؤون الإدارية والمالية والقانونية والإعلامية والعلاقات العامة والبروتوكول.

"
هناك محاولة لعرقلة عمل حكومة مستقبلية لحماس، أو تسليمها حكومة مفرغة من الصلاحيات بحضور فتحاوي في كافة الأجهزة والمؤسسات لإفشالها، وربما الانقضاض عليها إن سنحت الفرصة
"
الصلاحيات القانونية
مرر التشريعي المنتهي الصلاحية قرارا يمنح رئيس السلطة عباس صلاحية إنشاء محكمة دستورية وتعيين قضاتها، وهو ما كان بمثابة الشرارة في المواجهة الأولى بين رأسي النظام السياسي في فلسطين.

فقد رفضت حركة حماس ذلك تماماً، وطعنت فيه مباشرة، وتناوله الكثيرون بحثاً وتحليلاً لتكون الخلاصة بعدم دستوريته أو قانونيته لأنه وبحسب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يتعارض مع القانون الأساسي ومع قانون السلطة القضائية في العديد من الجوانب.

وأهم هذه التعديلات:
• التعديل على المادة الخامسة الذي يقضي بأن يتم التشكيل الأول للمحكمة بتعيين رئيسها وقضاتها بقرار من الرئيس بالتشاور مع مجلس القضاء الأعلى ووزير العدل.

وينبغي أن نتذكر أن المادة 99 من القانون الأساسي المعدل تنص على أن تعيين القضاة يكون بالكيفية التي يقررها قانون السلطة القضائية.

والمادة 18 من قانون السلطة القضائية تنص على أن "يكون شغل الوظائف القضائية بقرار من رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية بناء على تنسيب من مجلس القضاء الأعلى".

وهناك فجوة واضحة بين "التشاور" وبين "التنسيب"، هذا إضافة إلى إقحام وزير العدل، خلافاً للقانون، في شأن من اختصاص مجلس القضاء الأعلى وحده.

• بعد أن كان اختصاص المحكمة –وفقاً للمادة (24-2)- يمتد ليشمل "الرقابة على دستورية القوانين والمراسيم والقرارات الرئاسية والوزارية واللوائح والأنظمة"، تم تعديلها لتشمل فقط "الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة".

وبالتالي تم إخراج المراسيم والقرارات الرئاسية من نطاق اختصاص المحكمة، علماً بأن المادة (103-1-أ) من القانون الأساسي تنص على أن تتولى المحكمة النظر في "دستورية القوانين واللوائح أو النظم وغيرها".

الإعلام
تجدر الإشارة هنا إلى أن عبّاس أصدر مرسوماً رئاسياً يعيد فيه تبعية هيئة الإذاعة والتلفزيون له مباشرة بعد أن سبق له أن عين نبيل شعث العام الماضي مسؤولا عنها، وذلك في محاولة لقطع الطريق على حماس من الحصول على منبر إعلامي رسمي، وهو ما عقب عليه الخالدي قائلاً "إن مجلس الوزراء هو صاحب الاختصاص في إنشاء الهيئات والمؤسسات العامة".

وأضاف "يستطيع مجلس الوزراء باعتباره صاحب الاختصاص وفقاً للقانون الأساسي تغيير مهمة الإشراف على الهيئات والمؤسسات العاملة التي من ضمنها ملف هيئة الإذاعة والتلفزيون، وقرار إرجاعه إلى مجلس الوزراء لا يتطلب حتى عرضه على المجلس التشريعي".

المؤسسة الأمنية
محاولة نقل صلاحية الأجهزة الأمنية مباشرة للرئيس عباس كانت هي الشغل الشاغل لمؤسسة الرئاسة ومعها قادة تلك الأجهزة، ومنهم علاء حسني ونصر يوسف ودحلان والرجوب.

إلا أن هذه المحاولات ارتطمت بحقيقة أنه وفقاً للقانون الساري فإن قوات الشرطة والأمن تتبع وزير الداخلية كعضو في الحكومة وأيّ تغيير لتبعية الأجهزة الأمنية من وزير الداخلية لرئيس السلطة لا يكون إلا بتعديل المجلس التشريعي للقانون.

وبحسب القانون الأساسي يتحمل مجلس الوزراء ورئيس الوزراء "مسؤولية حفظ النظام العام والأمن الداخلي" وفق ما أشارت إليه المادة رقم 70 من القانون الأساسي، وهذا يعني أن وزارة الداخلية، ومن خلال أفرعها كالشرطة والأمن الوقائي والأمن الوطني هي من صلاحيات وزير الداخلية الذي هو جزء من مجلس الوزراء ويخضع لمراقبة ومحاسبة المجلس التشريعي.

"
الأمل في أن يغلب الجميع المصلحة العامة على المصالح الشخصية والفئوية الضيقة للوقوف في وجه الخطر الأكبر المتمثل في الاحتلال وخططه لسحق ما تبقى من حقوق للشعب الفلسطيني
"
مرجعية القرار
بعد عقد من الإهمال المتعمد لمنظمة التحرير الفلسطينية وإدخالها مرحلة الاحتضار تذكر قادة السلطة فجأة أنها المرجعية والممثل الشرعي الوحيد وبأنها من أبرم الاتفاقات والمعاهدات، وبالتالي فإن الحكومة القادمة لا علاقة لها بالسياسة الخارجية أو المفاوضات.

وهذا من الناحية الفعلية والقانونية لا جدال حوله، لكن منظمة التحرير الفلسطينية إضافة إلى أن مؤسساتها في حالة غيبوبة عميقة بعد محاولات إحلال السلطة مكانها، لم تعد تمثل في صورتها الحالية كافة أبناء الشعب الفلسطيني، وهي بحاجة لتجديد وتفعيل وتحديث.

ورغم أنه لم يرد في القانون الأساسي نص مباشر على حق التشريعي في إبرام المعاهدات أو تعديلها إلا أن المادة 92 من القانون الأساسي يمكن تفسيرها في حدود ما ورد فيها من أن أي اتفاق أو معاهدة يترتب عليها تحميل الخزينة العامة مبالغ مالية وأعباء لا تتم إلا بموافقة المجلس التشريعي.

فمن باب أولى أن الحقوق الوطنية في التراب الوطني لا يجوز الانفراد لشخص أو لسلطة تنفيذية بالتفاوض بشأنها وإبرامها دون موافقة المجلس التشريعي.

إلى أين؟
محاولة عرقلة عمل حكومة مستقبلية لحماس، أو تسليمها حكومة مفرغة من الصلاحيات وبحضور فتحاوي في كافة الأجهزة والمؤسسات لإفشالها، وربما الانقضاض عليها إن سنحت الفرصة، يبقى الهدف الأبرز لتلك الإجراءات التي لا يمكن أن تؤخذ بحسن النية.

لكن طبيعة العلاقة بين مؤسسة الرئاسة والحكومة القادمة تبقى مفتوحة على كل الاحتمالات من تصادم، أو تعاون، أو استقالات، أو حتى صراع علني يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.

ويبقى الأمل في أن يغلب الجميع المصلحة العامة على المصالح الشخصية والفئوية الضيقة للوقوف في وجه الخطر الأكبر المتمثل في الاحتلال وخططه لسحق ما تبقى من حقوق للشعب الفلسطيني، وعلينا أن ننتظر ما تحمله الأيام القادمة.
__________________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة