الطيب بوعزة

كاتب مغربي


ما الفكرة المحورية التي يمكن أن نختصر فيها مشروع ما بعد الحداثة بمختلف تجلياته الثقافية، فلسفياً وأدبياً ورؤية للحياة وقيمها ونظمها؟

نرى أن من أفضل الصيغ لتحديد مشروع ما بعد الحداثة مقاربته من منظور مقارن، ففي مثل هذا المقام يصلح الاهتداء بالمقولة العربية القديمة "بأضدادها تعرف الأشياء!".

ونريد من تشغيل المنظور المقارن استحضار ما بعد الحداثة في سياق تعالقها وتجاذبها النقدي مع مشروع الحداثة لأن هذا التجاذب النقدي يحقق لنا رؤية مزدوجة تمكننا من فهم الحداثة وما بعدها.

"
صيرورة المشروع الحداثي الغربي خلصت إلى إعادة النظر في العقل ذاته عبر مشروع نقد العقل الذي كان أول محاولة جادة لدراسة آلية التفكير البشري من منظور تعيين حدود اشتغاله
"
وفي هذا السياق يمكن اختصار مشروع الحداثة في المقولة الهيغلية الشهيرة التي ترجع انبثاق الحداثة إلى ديكارت بتأسيسه لمفهوم الكوجيتو (أنا أفكر..)، إذ أرسى حسب هيغل "أرضية المشروع الحداثي".

وبالفعل أجاد هيغل الإمساك بحقيقة المشروع الحداثي، لأن الحداثة الأوروبية تأكيد للذات الإنسانية وثقة في قدراتها على إنتاج الحقيقة وتفسير الكون ووضع نظم الحياة.

وقد بدأ التبلور الفعلي لهذه الثقة في العقل ومنتجاته الفلسفية والعلمية قبل الديكارتية، أي مع بداية عصر النهضة الأوروبية، حيث كان هذا التوكيد للذات يتم في سياق نقد ثقافة القرون الوسطى الأوروبية التي كانت تحتقر العقل، وتكبت انطلاقة الفكر وتقيد حركته، بل تقيم المحارق لعقابه كلما أبدع وأضاف!

لكن صيرورة المشروع الحداثي الغربي خلصت إلى إعادة النظر في العقل ذاته، إذ إنها بعد لحظات الانبهار به في القرن السابع عشر، والثقة في قدراته المعرفية والإعجاب بمنتجاته العلمية (الثورة الصناعية)، ظهر فيها كانت في القرن الثامن عشر بمشروع نقد العقل الذي كان أول محاولة جادة لدراسة آلية التفكير البشري من منظور تعيين حدود اشتغاله.

ولقد كانت الوقفة النقدية الكانتية ذات أثر بالغ في مسار الفكر والثقافة الأوروبية لاحقا، حيث لم يعد العقل قابلا للتأليه والتقديس، بل استحال إلى مجرد أداة محدودة في إمكانها المعرفي.

ومع صيرورة النموذج المجتمعي الصناعي ظهر في القرن التاسع عشر أن هذا النموذج لم يكن جنة كما تم تصويره والتبشير به في الكتابات التنظيرية والتقريظية التي زامنت بداية الثورة الصناعية! بل ظهر فيه اختلال عميق كان برودون وماركس من أشهر الفلاسفة الذين قاموا بالكشف عنه.

ومع انتهاء القرن التاسع عشر تبدى بوضوح أن الحداثة عندما أسقطت المرجعية الدينية، أسقطت نفسها في مأزق، حيث أقامت العقل بوصفه مرجعا أحاديا للحقيقة الفلسفية ومنبع التنظير للنظم السياسية، ثم لم تستطع أن تحقق للكائن الإنساني مطالبه وتستجيب لانتظاره، فكان لابد أن تشهد نهاية القرن التاسع عشر لحظة مراجعة شاملة للأسس الإبستمولوجية التي قامت عليها الحداثة.

ولم تكن المراجعة ممارسة نقدية محدودة بل كانت ثورة وانقلابا على فلسفة الحداثة بكل تجلياتها.

"
إذا كان المشروع الحداثي إعلاء من شأن الذات الإنسانية وقدراتها العقلية، فإن ما بعد الحداثة كان ضربة موجهة بالضبط إلى هذا الأساس وتفكيكا له، أي نقض العقل ونفي الذات
"
وإذا كان المشروع الحداثي من حيث الأساس إعلاء من شأن الذات الإنسانية وقدراتها العقلية، فإن ما بعد الحداثة كان ضربة موجهة بالضبط إلى هذا الأساس وتفكيكا له، أي نقض العقل ونفي الذات.

وللأسف ثمة تصور يسود الفكر العربي المعاصر في حديثه عن الفلسفة المعاصرة.. تصور أراه قاصرا حيث يربط فلسفة موت الإنسان بالمذهب البنيوي تحديدا، بينما الصائب هو أنه توجه عام هيمن على الفكر ما بعد الحداثي وليس فقط على المذهب البنيوي وحده، فالخاصية الأساسية التي تميز مشروع ما بعد الحداثة هي نفي الكائن الإنساني.

ولإيضاح ذلك يمكن أن نستحضر هنا نماذج من التوجهات ما بعد الحداثية.

ولنبدأ بالتحليل النفسي لسغموند فرويد حيث نجده يقدم تصورا عن الكائن الإنساني وعن جهازه النفسي ينتهي إلى إلغائه، حيث يجعله خاضعا لإشراطات "الهو" ومحكوماً بمحددات لاشعورية.

وبذلك تصبح المفاهيم الديكارتية التي نهض عليها مشروع الحداثة مفاهيم عن مكونات مهزوزة هامشية في الوجود الإنساني، فالشعور والعقل والإرادة ليست سوى ألفاظ زائفة تحمل تصورات ودلالات غير مطابقة لحقيقة الذات البشرية.

وهكذا يخلص التحليل النفسي إلى نفي الحرية والإرادة عن الكائن الإنساني، ويحيله إلى كائن مسير بفعل اللاشعور ودوافع "الهو" الغريزية.

كما أن الماركسية بجعلها العامل الاقتصادي عاملا محددا وموجها يمكن إدراجها هي كذلك ضمن فلسفات ما بعد الحداثة، لأنها هي أيضا شرطت السلوك الإنساني وتفكيره بشروط خارجة عنه.

وفي هذا السياق يقول ألتوسير محددا التاريخ بكونه "عملية بدون ذات"، أي ثمة بنية من الشروط والمحددات المادية هي التي تتحكم في توجيه حركة التاريخ وتعيين اتجاهه، وهي بنية خارجة عن إرادة الإنسان!

وبذلك أرى أن التأويلات الفلسفية التي صنفت الماركسية ضمن توجهات ما بعد الحداثة تأويلات صائبة استطاعت تعيين موقع الفكر الماركسي في سياق التطور الفلسفي الأوروبي.

"
حقيقة مشروع ما بعد الحداثة ينبغي التماسها في هذا التغييب والنفي للكائن الإنساني، بإخفاء هذا الكائن وتذويبه في بنيات شارطة ومتحكمة فيه، سواء كانت بنيات نفسية أو اقتصادية
"
وعوداً إلى الاستفهام الذي بدأنا به هذه السطور، فنقول إن حقيقة مشروع ما بعد الحداثة ينبغي التماسه في هذا التغييب والنفي للكائن الإنساني، بإخفاء هذا الكائن وتذويبه في بنيات شارطة ومتحكمة فيه، سواء كانت بنيات نفسية أو اقتصادية، وهو مؤشر على تحول فلسفي عام هيمن على المنظومة الثقافية الغربية بكل تعبيراتها.

ونجد هذا التغييب ينعكس أيضا على مستوى نظريات الأدب، إذ ارتفعت دعوات إلى تمويت المؤلف كما هو الحال مع نظرية النص التي قدمها رولان بارت، والمناداة بتحرير الرواية من نمطها التقليدي القائم على نظام الشخصيات إلى رواية حركية مبنية على أساس اللغة وبلبنات الألفاظ حيث لا تحضر الشخوص حضورا مهيمنا كما هو الحال في الفضاء الروائي الكلاسيكي.

بل إن ثمة دعوات إلى تخليص الرواية كلياً من مفهوم الشخصية! وهو تصور يندرج في سياق ما بعد الحداثة الموغل في استبعاد الذات الإنسانية وتهميشها أو زحزحتها من مركزيتها الأنتولوجية.

ومع هذا النفي المتعدد للكائن الإنساني والذي حصل مع سيكولوجية فرويد وبنيوية رولان بارت وميشيل فوكو واقتصادوية الفكر الماركسي المصبوغ بالتأويل الألتوسيري، يغدو السؤال عن معنى ودلالة الإنسان في الفكر المعاصر، فكر ما بعد الحداثة، سؤالاً ملحاً وضرورياً يفتح لنا أفقاً جديداً للتفكير النقدي في منتجات الثقافة الغربية.

فقد حدث انقلاب هائل في دلالة الإنسان ومركزه حيث استبعدت فاعلية الذات، وأصبح ينظر إليها كذات تابعة مشروطة بمحددات خارجة عن إرادتها مع مشروع ما بعد الحداثة.

وهذا التحول هو ما ينبغي أن نعي دلالته وخطورته في علاقتنا بمنتجات الفكر الغربي المعاصر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك