قاسم قصير

- التحقيق في عهد ميليس
- التحقيق في فيينا ومشكلة الشهود
- التحقيق في عهد براميرتس
- براميرتس في نيويورك
- مصير التحقيق

في 14 فبراير/شباط 2006 يكون قد مضى عام على جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري والنائب باسل فليحان ورفاقهما.

وإذ يحيي اللبنانيون هذه الذكرى من خلال تجمع شعبي حاشد في ساحة الحرية بالعاصمة بيروت، فإن الكثيرين في لبنان والعالم يتساءلون: أين أصبح التحقيق الدولي في هذه الجريمة؟

هل سينجح المحقق الجديد سيرج براميرتس في كشف الجناة وتحديد الأدلة وتحويل المجرمين إلى محكمة دولية يُعمل حالياً من أجل الاتفاق على تفاصيلها بين الأمم المتحدة والحكومة اللبنانية؟

"
تقرير ميليس رغم تضمنه الكثير من الأدلة المهمة، أكد ضرورة استمرار التحقيق للتوصل إلى الأدلة الكاملة وكشف بعض التفاصيل الأخرى خصوصاً فيما يتعلق بالدور السوري
"
التحقيق في عهد ميليس
منذ اللحظات الأولى لاغتيال الرئيس رفيق الحريري أصيب العالم بالذهول لهول الجريمة وفظاعتها، ونظرا للدور الكبير الذي كان يلعبه الحريري في لبنان وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، فقد سارعت الدول الكبرى إلى إدانة الجريمة والمطالبة بإجراء تحقيق سريع فيها لتحديد الجناة ومحاكمتهم.

ونظراً للملاحظات العديدة التي كانت توجه للقضاء اللبناني والسلطة اللبنانية التي كانت على علاقة وثيقة بالنظام السوري (المتهم الأساسي بارتكاب الجريمة)، فإن مجلس الأمن قرر إرسال لجنة مراقبة دولية برئاسة بيتر فيتز جيرالد لوضع تقرير مفصل حول الجريمة وكيفية العمل لمتابعة التحقيق فيها.

وبعد ثلاثة أشهر من العمل المتواصل توصل فيتز جيرالد إلى ضرورة تشكيل لجنة دولية للتحقيق في الجريمة نظرا للشكوك الكثيرة التي تحيط بعمل الأجهزة الأمنية والقضائية اللبنانية.

وبناء على التقرير عقد مجلس الأمن اجتماعا خاصا واتخذ بعده القرار رقم 1595 الذي ينص على تشكيل لجنة دولية للتحقيق في هذه الجريمة، وتم تكليف القاضي الألماني ديتليف ميليس برئاستها. وضمت اللجنة نحو 80 عضواً واستعانت بخبراء من العديد من دول العالم.

وفي يونيو/حزيران 2005 بدأ ميليس عمله المكثف وأجرى لقاءات مع مئات الشهود والشخصيات السياسية، بالإضافة إلى الكشف المتكرر لمسرح الجريمة وجميع الأدلة، حيث أصدر يوم 11 أكتوبر/تشرين الأول 2005 تقريره الأول الذي تضمن اتهامات واضحة للمسؤولين السوريين بالوقوف وراء الجريمة بالتعاون مع مسؤولي الأجهزة الأمنية اللبنانية.

وعلى إثر ذلك طلب توقيف أربعة من مسؤولي هذه الأجهزة وهم المدير العام السابق للأمن العام اللبناني اللواء جميل السيد والمدير السابق لمخابرات الجيش اللبناني ريمون عازار والمدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي اللواء علي الحاج وقائد الحرس الجمهوري التابع لرئاسة الجمهورية العميد مصطفى حمدان.

وأكد ميليس في تقريره أن اغتيال الحريري تم بقرار سوري لبناني نظراً للدور السياسي الذي كان يقوم به ضد مصالح سوريا في لبنان. لكن التقرير رغم تضمنه الكثير من الأدلة المهمة، أكد على ضرورة استمرار التحقيق للتوصل إلى الأدلة الكاملة وكشف بعض التفاصيل الأخرى وخصوصاً فيما يتعلق بالدور السوري.

وبناء على هذا التقرير تم إصدار قرار في مجلس الأمن باستمرار التحقيق إلى حين صدور التقرير النهائي الذي صدر يوم 12 ديسمبر/كانون الأول 2005 وسبقه اغتيال النائب الصحفي جبران تويني.

وأكد التقرير النهائي على المعطيات نفسها لكنه أشار إلى عدم تجاوب سوريا مع التحقيق، ما دفع مجلس الأمن إلى إصدار قرار حازم وصارم رقمه 1636 يدعو سوريا للتعاون مع التحقيق وإلا سيتم فرض عقوبات عليها بناء على الفصل السابع.

"
رغبة القاضي ميليس  في عدم الاستمرار في ترؤس لجنة التحقيق الدولية لأسباب خاصة، أثار الكثير من الإشكالات إزاء مدى القدرة على استمرار التحقيق بزخمه
"
التحقيق في فيينا ومشكلة الشهود
وقد أدى صدور القرار 1636 إلى ضغوط قوية على سوريا للتعاون مع لجنة التحقيق الدولية، في الوقت الذي كان فيه القاضي ميليس قد طلب أن يتم التحقيق مع عدد من المسؤولين السوريين في مقر اللجنة بفندق مونتيفردي في لبنان.

لكن المسؤولين السوريين عارضوا ذلك بشدة خوفاً من حصول ردود فعل سلبية في لبنان ونظراً لحساسية هذا الأمر، ما أدى إلى تدخل دولي وعربي قاد إلى اتفاق جديد يتم من خلاله إجراء التحقيق مع المسؤولين الأمنيين السوريين في فيينا.

وقد تم التحقيق فعلاً وتوجه خمسة مسؤولين أمنيين سوريين إلى فيينا بينهم المسؤول السابق لأمن القوات السورية في لبنان العميد رستم غزاله ومساعده جامع جامع.

لكن التحقيق الدولي اصطدم بمشكلة كبيرة بعدما تم كشف وجود شهود تحوم حولهم الشبهات زودوا التحقيق بمعلومات مغلوطة. ومن هؤلاء محمد زهير الصديق الذي أوقف في فرنسا بتهمة المشاركة في الجريمة بعدما كان شاهداً أساسياً استعانت به اللجنة، وهُسام هسام الذي فر من لبنان إلى سوريا وأعلن أنه قام بتزويد اللجنة بمعلومات غير صحيحة بعدما تعرض لضغوط أمنية وإغراءات مالية.

وقد أدى ذلك إلى بروز شكوك كثيرة حول التحقيق الدولي ومجرياته واضطر القاضي ميليس لعقد لقاء صحفي خاص مع عدد من الصحفيين اللبنانيين للرد على تصريحات هُسام هسام.

لكن مفاجأتين هامتين برزتا قبل نهاية العام وكان لهما الأثر الكبير على مجريات التحقيق: الأولى جاءت في إعلان ميليس رغبته في عدم الاستمرار في ترؤس لجنة التحقيق لأسباب خاصة وبعد انتهاء المدة التي التزم بالعمل خلالها، ما أثار الكثير من الإشكالات حول مدى القدرة على استمرار التحقيق بزخمه.

لكن الخطوة الثانية جاءت في اتجاه معاكس وذلك من خلال التصريحات التي أطلقها نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام، والتي وجه فيها اتهامات واضحة للنظام السوري بالوقوف وراء اغتيال الحريري وتوجيه التهديدات له بسبب دوره السياسي في لبنان.

وقد أعطت هذه التصريحات زخماً كبيراً للتحقيق وعمدت اللجنة إلى طلب اللقاء مع الرئيس السوري بشار الأسد للاستماع إلى ما لديه من معطيات، لكن الأسد رفض ذلك وإن كان بعض المسؤولين السوريين لمحوا إلى احتمال استقباله أعضاء اللجنة كزوار.

"
بعض المصادر السياسية اعتبرت أن الربط بين المجموعة المنتمية للقاعدة وبين جريمة الاغتيال يهدف إلى إبعاد التهمة عن سوريا والأجهزة الأمنية اللبنانية
"
التحقيق في عهد براميرتس
وقد أدت استقالة القاضي ديتليف ميليس من رئاسة لجنة التحقيق إلى قيام الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان بإجراء سلسلة مشاورات مكثفة لتعيين مسؤول جديد للجنة، حيث تم التوصل إلى تكليف القاضي البلجيكي سيرج براميرتس برئاستها، وتعهد ميليس بالاستمرار في متابعة العمل إلى حين استلام براميرتس مهامه.

وقد وصل الأخير إلى لبنان يوم 23 يناير/كانون الثاني 2006، وبدأ العمل في دراسة الملفات واللقاء مع المسؤولين اللبنانيين المعنيين بالتحقيق.

وأشارت معلومات صحفية في بيروت إلى أن براميرتس قرر إعادة النظر في فريق العمل المختص بالتحقيق والاستعانة بخبراء جدد ودراسة كافة التفاصيل المتعلقة بالتحقيق.

وبينما سربت بعض المصادر أن التحقيق الدولي توصل إلى نتائج حاسمة بشأن الجريمة ومرتكبيها، أكدت مصادر أخرى عدم حصول ذلك وخصوصاً فيما يتعلق بالدور السوري فيها وكيفية الربط بين المسؤولين السوريين والمسؤولين اللبنانيين.

وقد برز عنصر جديد في التحقيق تمثل في القبض على مجموعة تابعة لتنظيم القاعدة تضم لبنانيين وسوريين وفلسطينيين وأردنيا وسعوديا، قيل إن أحد أعضائها يدعى خالد طه -هرب قبل إلقاء القبض عليه- هو الذي كان على صلة بأحمد أبو عدس الذي أعلن عبر شريط مصور مسؤوليته عن جريمة الاغتيال.

لكن المصادر القضائية اللبنانية لم تؤكد هذه المعطيات في حين أن مصادر سياسية أخرى اعتبرت أن الربط بين المجموعة المنتمية للقاعدة وبين جريمة الاغتيال يهدف إلى إبعاد التهمة عن سوريا والأجهزة الأمنية اللبنانية وأن هذه المعلومات لا صحة لها.

براميرتس في نيويورك
وفي 9 فبراير/شباط الحالي غادر القاضي براميرتس لبنان إلى نيويورك لإجراء مشاورات مع كوفي أنان وأعضاء مجلس الأمن، وعقد اجتماعاً مع المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة جون بولتون الذي شدد "على ضرورة تعاون مختلف الأطراف المعنية مع لجنة التحقيق الدولية، وعلى استعداد مجلس الأمن لاتخاذ الخطوات المناسبة لدى إبلاغه بأية عرقلة لعمل التحقيق".

وفسرت هذه التصريحات بأنها موجهة للمسؤولين السوريين، وبالأخص الرئيس بشار الأسد لحضه على التعاون مع اللجنة خصوصاً أن القسم الأهم في التحقيق يتعلق بالدور السوري.

وكشفت مصادر صحفية في بيروت أن طاقما لحماية الشهود قد وصل إلى بيروت قبل مدة وهو يضم خمسة أشخاص من جنسيات مختلفة تقرر أن يكون مقر إقامتهم في مونيتفردي وعلى رأسهم موظف دولي خبير في قضايا المحاكم الدولية المختلطة مثل محكمة رواندا.

وتقرر أن يتولى الطاقم متابعة كل من أعطى معلومات إلى لجنة التحقيق تمهيدا لضمهم إلى برنامج حماية الشهود حيث تم تخصيص موازنة ضخمة لعمل الفريق.

من جهة أخرى أشار مصدر دبلوماسي في نيويورك إلى أن القسم الأكبر من مهمة براميرتس مشابه لمهمة سلفه ميليس، وأن هناك احتمالا كبيرا بتشكيل محكمة ذات طابع دولي لمحاكمة المتهمين الذين سيتم كشفهم في هذه القضية، وأن مهمة اللجنة قد تتوسع لتشمل باقي الاغتيالات.

"
التحقيق الدولي قطع شوطاً مهما وبعد مرور عام على اغتيال الحريري ورفاقه سيكون اللبنانيون أمام تطور جديد في مسار التحقيق رغم كل العقبات والمشكلات التي واجهها
"
مصير التحقيق
بناء على المعطيات السابقة يبدو أن عمل لجنة التحقيق قد قطع شوطاً هاماً في الأسابيع الأخيرة، وأن هناك ترتيبات كثيرة يتم العمل على إنجازها في الأيام المقبلة لاستكمال التحقيق.

ورغم أن "العقدة السورية" في التحقيق لا تزال قائمة فإن ذلك لن يمنع اللجنة من التوصل إلى نتائج حاسمة في الأسابيع المقبلة، تمهيداً لاتخاذ قرار بإنشاء محكمة دولية أو محكمة مختلطة ذات طابع دولي ستتولى محاكمة المتهمين الذين سيعلن عنهم قريباً.

وقد زار لبنان قبل أسبوعين مساعد الأمين العام الأممي للشؤون القانونية نيكولا ميشال وبحث مع المسؤولين اللبنانيين تفاصيل المحكمة الدولية واستمع إلى ملاحظاتهم واقتراحاتهم، ما يشير إلى أن التحقيق الدولي قد قطع شوطاً مهما وأنه بعد مرور عام على اغتيال الحريري ورفاقه سيكون اللبنانيون أمام تطور جديد في مسار التحقيق رغم كل العقبات والمشكلات التي واجهها.

كما ستشكل عودة براميرتس من نيويورك وزيارته إلى العاصمة السورية محطة هامة في مسار التحقيق، حيث ستتحدد وجهته النهائية والمعطيات الجديدة التي تم التوصل إليها.
_________
كاتب لبناني

المصدر : الجزيرة