بشير موسى نافع

لم يكن هناك أحد تنبأ بالفوز الكبير الذي أحرزته حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، ولا حتى قادة الحركة أنفسهم على الأرجح. أغلب التوقعات أعطت حماس 40% من مقاعد المجلس التشريعي (132 مقعدا) ولكنها فازت بـ74 مقعدا، إضافة إلى أن دعمها كان عاملاً رئيسياً في فوز أربعة مرشحين مستقلين.

أطلق هذا الفوز سلسلة من النظريات التفسيرية التي دار عدد منها حول مقولات التأزم الفلسطيني، والطفرة الاستثنائية، ورغبة الشعب في عقاب فتح والسلطة. ولكن فوز حماس رغم مفاجأته، لم يخرج عن الإطار العام لتحولات ميزان القوى في المنطقة ولا عن اتجاهات التغيير السائدة.

"
بينما تخلت السلطة عن معظم دورها في حماية المجتمع الفلسطيني من وطأة الحصار والدمار والموت، كانت حماس تقوم بواجب لم يكن بالضرورة من الواجبات الملقاة على عاتقها
"
يؤشر هذا الفوز إلى عدد من الدلالات الهامة التي يتعلق بعضها بالشأن الفلسطيني ومجمل الصراع العربي الإسرائيلي، ويتعلق بعضها الآخر بمسألة التحول السياسي في المنطقة العربية.

فلسطينياً، ليس ثمة شك في أن عوامل الفساد والهوة المتسعة بين عموم الشعب وقيادات الحكم والسلطة، لعبت دوراً هاماً في خسارة فتح وصعود حماس.

وقد ساعد في تعزيز الثقة الشعبية في حماس النشاط الواسع الذي قامت به لدعم صمود الشعب طوال سنوات الانتفاضة، ورعايتها آلاف الأسر الفقيرة وأسر الأسرى والشهداء. وبينما تخلت السلطة عن معظم دورها في حماية المجتمع من وطأة الحصار والدمار والموت، كانت حماس تقوم بواجب لم يكن بالضرورة من الواجبات الملقاة على عاتقها. ولكن لا ينبغي لأحد المبالغة في الأثر الذي لعبته مسألة الفساد والرعاية الاجتماعية في هذه الانتخابات.

ربما كانت هذه العوامل هامة ومؤثرة في الانتخابات البلدية، ولكن الانتخابات التشريعية تمحورت حول القضية السياسية الكبرى، القضية الوطنية الفلسطينية. وقد ذهب الفلسطينيون إلى صناديق الاقتراع وأعينهم مفتوحة، وهم على وعي كامل بخياراتهم وعواقب هذه الخيارات.

بعد عقد كامل من التفاوض وسنوات خمس من الانتفاضة، أعطى الفلسطينيون رئيسهم محمود عباس فرصة كاملة للتوصل إلى اتفاق سلام عادل. ولكن لا الإسرائيليون ولا الأميركيون ولا الأوروبيون أخذوا التصويت الفلسطيني لعباس على محمل الجد.

بل إن القيادة الإسرائيلية فهمت انتخاب عباس فهماً خاطئاً، عندما ظن شارون أنه أوقع الهزيمة بالفلسطينيين وانتفاضتهم. ورغم المديح المتكرر لعباس في الدوائر الإقليمية والدولية لم يستطع تحقيق تقدم ملموس في الوضع الفلسطيني. وكان رفض الإسرائيليين للتفاوض حول الانسحاب من قطاع غزة دليلاً واضحاً على أن المقاومة -لا عملية السلام- هي التي أنجزت تحرير القطاع.

الانتخاب الكاسح لحماس انتخاب لبرنامج وطني جديد قديم، وهو تكليف من الشعب بتغيير دفة القاطرة الوطنية. هو برنامج جديد لأنه يضع نهاية لنهج التنازلات المستمرة الذي انتهجته القيادة الوطنية الفلسطينية خلال العقد الماضي، وهو برنامج قديم لأنه يعيد بناء الإجماع الوطني الفلسطيني الذي تعرض للانهيار والتشظي منذ توقيع أوسلو.

"
اختيار حماس يدل على أن الشعب الفلسطيني بات يرى أن النهج السابق في التعامل مع القضية الوطنية قد استهلك فرصته، وأن الوقت قد حان للعودة إلى الثوابت وخوض معركة جديدة لتحقيق الحق مهما كانت التكاليف
"
والذي يعود إلى التصريحات الأوروبية والأميركية الرسمية طوال أسابيع سبقت عقد الانتخابات، يرى أن رسائل التهديد والتجويع والعزلة الدولية قد وصلت بالفعل إلى الشعب الفلسطيني، ورغم ذلك أعطى حماس أكثرية برلمانية قاطعة.

وهذا ما يدل على أن الشعب الفلسطيني بات يرى أن النهج السابق في التعامل مع القضية الوطنية قد استهلك فرصته، وأن الوقت قد حان للعودة إلى الثوابت وخوض معركة جديدة لتحقيق الحق مهما كانت التكاليف.

بيد أن من الضروري إدراك أن الناخب الفلسطيني أعطى حركة التحرير الوطني (فتح) نصيباً ملموساً من مقاعد المجلس التشريعي. فنتائج الانتخابات لم تكن هزيمة لفتح وتاريخها النضالي، بل هزيمة لنهج سياسي وحكومي معين، ودعوة لفتح ولكل القوى الوطنية الفلسطينية الأخرى لنقد التجربة السياسية السابقة والعودة إلى الالتزام بالثوابت الوطنية.

ولذا فإن الدعوة التي ترددت في بعض دوائر فتح إلى عدم المشاركة في حكومة تقودها حماس هي دعوة تقدم المصالح الحزبية الضيقة على الأولويات الوطنية، ودعوة تستخف بالإرادة الشعبية. ما يريده الشعب الفلسطيني اليوم هو التفاف وطني حول برنامج وطني إجماعي، تعمل حماس وفتح وكافة القوى الأخرى على تحقيقه.

تؤشر هذه الانتخابات أيضاً إلى أن المرحلة القادمة ستكون مرحلة إعادة بناء وحدة الشعب الفلسطيني داخل وخارج فلسطين. فرغم التصريحات البلاغية التي اعتاد الفلسطينيون سماعها من قياداتهم في مرحلة ما بعد أوسلو، كان واضحاً أن القيادة الوطنية أخرجت الفلسطينيين في المهجر من حساباتها ومسؤولياتها، ما أضعف الموقف الفلسطيني من ناحية وهدد بالتفريط في حقوق ومطالب فلسطينية أساسية من ناحية أخرى.

ولا يخفى أن حماس والقوى الفلسطينية الأخرى دفعت بقوة في الحوار الفلسطيني الداخلي المعقود بالقاهرة في ربيع العام الماضي من أجل إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية والعمل على إدماج المهجر الفلسطيني من جديد في النضال الوطني. وما يجعل هذا الهدف أكثر إلحاحاً اليوم، الضغوط الغربية المتوقعة على السلطة الفلسطينية في ثوبها وسياساتها الجديدة، والدور الكبير المناط بفلسطينيي المهجر لدعم صمود ونضال أشقائهم في الضفة والقطاع.

"
في ضوء التهديدات الغربية بمقاطعة الحكومة الفلسطينية القادمة، يتوقع أن تبذل حماس جهداً كبيراً وواسعاً للعودة بالقضية الفلسطينية إلى حاضنتها العربية والإسلامية
"
عربياً وإسلامياً، يؤكد فوز حماس الاتجاه العام للسياسة في المجال العربي-الإسلامي الذي يعكس انحيازاً شعبياً متزايداً لموضعة السياسة ضمن مرجعية إسلامية.

لقد شهدت الساحتان العربية والإسلامية خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية إعادة توكيد ثقافي واجتماعي ملموس للهوية الإسلامية. رافق هذا التطور بروز قوى إسلامية سياسية متعددة الخلفيات ومناهج العمل، من دعاة التغيير التدريجي السلمي والديمقراطي، إلى دعاة العنف الداخلي، إلى العنف العابر للحدود والقارات.

وبينما تراجع نهج العنف الداخلي، وفشل العنف الدولي في تأسيس قواعد شعبية له، حقق الاتجاه الإسلامي الوسطي صعوداً حثيثاً ومطرداً عبّر عن نفسه في الانتخابات المغربية والأردنية والعراقية والمصرية الأخيرة، وثمة أدلة متزايدة عليه في اليمن والسعودية وسوريا.

وإن أضفنا إلى هذه الدول باكستان وتركيا وإيران، فإن فوز حماس لابد أن يُرى باعتباره تعزيزاً لعملية تحول سياسي تاريخي في كل المجال العربي–الإسلامي، وليس حدثاً فلسطينياً داخلياً وحسب.

من ناحية أخرى لم تخف حماس منذ بداية الانتفاضة الثانية على الأقل أن قاعدة ارتكازها الرئيسة هي القاعدة العربية والإسلامية، الرسمية والشعبية على السواء. فالحركة تحتفظ بعلاقات وثيقة مع عدد من الدول العربية والإسلامية، من سوريا والسعودية ومصر إلى إيران وتركيا وماليزيا. كما أن نتائج الانتخابات الفلسطينية أطلقت حيوية واسعة في الشارعين العربي والإسلامي.

لقد مضى زمن طويل منذ أقرت المجموعة العربية منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني. وليس هناك من شك في أن ذلك القرار العربي الرسمي كان مقدمة لتحلل عربي تدريجي من المسؤولية تجاه القضية الفلسطينية، ساعد فيه ابتعاد القيادة الوطنية الفلسطينية المطرد عن الدائرة العربية القومية.

الآن وفي ضوء التهديدات الغربية -الأميركية والأوروبية- بمقاطعة الحكومة الفلسطينية القادمة، يتوقع أن تبذل حماس جهداً كبيراً وواسعاً للعودة بالقضية الفلسطينية إلى حاضنتها التاريخية: الحاضنة العربية والإسلامية.

مثل هذا التوجه سيدفع بقوة حشد جديدة إلى الشارع العربي–الإسلامي، وسيساهم في إعادة بناء ميزان القوى في دائرة الصراع على فلسطين، بتحريره الفلسطينيين من الضغوط والشروط المرتبطة بالمساعدات الأوروبية والأميركية.

"
ربما ستصب سياسة قطع المساعدات الغربية للسلطة الفلسطينية بشكل مباشر في مصلحة الفلسطينيين والقضية الفلسطينية، بعدما أصبحت هذه المساعدات قيداً ثقيلاً على القرار والموقف الفلسطينيين
"
بل ربما ستصب سياسة قطع المساعدات الغربية للسلطة الفلسطينية بشكل مباشر في مصلحة الفلسطينيين والقضية الفلسطينية، بعدما أصبحت هذه المساعدات قيداً ثقيلاً على القرار والموقف الفلسطينيين.

خلف ذلك كله ثمة دلالة لا تقل أهمية لهذا التحول الفلسطيني السياسي، دلالة تتعلق بتحولات ميزان القوى في المنطقة. فمنذ زمن طويل والقضية الفلسطينية تمثل مرآة المنطقة وتدافع قواها. وقد تعلم الفلسطينيون كشعب كيف يقرأون المتغيرات السياسية الإقليمية والدولية، وكيف يضبطون تحركهم وخياراتهم بهذه المتغيرات.

ولذا فإن قرار الشعب الفلسطيني تكليف حماس قيادة المسيرة الوطنية خلال المرحلة المقبلة، مؤشر على أن حالة الهجوم الخارجي الذي تعرضت له المنطقة وشعوبها منذ خمسة أعوام ترتد الآن على أعقابها.

من إيران إلى سوريا، ومن العراق إلى فلسطين، ومن شوارع إسطنبول وكابل إلى شوارع بيروت والقاهرة القديمة، ثمة نهوض جديد للدفاع عن الثوابت والقيم والمصالح. وفلسطين تعود الآن إلى مقدمة حركة النهوض هذه.
___________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة