صالح السنوسي

صالح السنوسي

أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بنغازي


منذ مشارف الثمانينيات من القرن الماضي, جرت أحداث ومتغيرات عالمية وإقليمية أثرت على موضوع الديمقراطية والمجتمع والسلطة في الوطن العربي. ومن أهم هذه المتغيرات نهاية نظام القطبية الثنائية الدولي, وانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم, واكتمال حلقات العولمة الاقتصادية والسياسية والثقافية, وكذلك فقدان الأنظمة السياسية العربية لكل ما كان يسترها, وما كانت تقايض به من قضايا ودعاوى ووعود.

"
العولمة في بعدها الاقتصادي والسياسي ليست ﺇلا ثمرة تراكم مكتسبات الحضارة الغربية التي فرضت نفسها على الآخرين، فوجدت الجماعة العربية نفسها في خضم الظاهرة دون أن تكون لها مساهمة في ذلك
"
في ظل هذه المعطيات والمتغيرات طرح سؤال الديمقراطية على الساحة العربية بقوة أكثر من أي وقت مضى, لأن القضايا والشعارات والوعود التي كانت تصادر باسمها تطلعات أخرى مثل الديمقراطية, فشلت وتبخرت أو تم التخلي عنها.

فلم يعد هناك مسوغ لتحرير الأرض المحتلة بالقوة في ظل مبدأ السلام كخيار إستراتيجي, ولم تعد الدعوة القومية والسعي لبناء دولة الوحدة مشروعا واقعيا يمكن المقايضة به بعد أن تقومنت الدولة القطرية, وتعاضدت الأنظمة السياسية وتحالفت مع الغرب للدفاع عنها بالسلاح والرجال.

ومقولات الاستقلال الاقتصادي والأمن الغذائي وعدالة توزيع الثروة والقضاء على البطالة, لم تعد هذه الشعارات بإمكانها أن تستمر عملة قابلة للتداول في ظل سيادة الشركات المتعددة الجنسيات, والمؤسسات المالية والنقدية الدولية, وسط زحمة السوق المعولمة التي يحكمها مبدأ التنافس والبقاء للأصلح.

كما أن نهاية النظام الدولي الثنائي القطبية, الذي كانت طبيعته تسمح للأنظمة العربية أن تقايض تبعيتها لهذا الطرف أو ذاك في مقابل مساندتها وعدم الاعتراض على طريقتها في الحكم, قد شكلت منعطفا خطيرا وضع هذه الأنظمة تحت رحمة الغرب الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة.

ثم هبت رياح العولمة حاملة معها عواصف ثورة المعلومات فأطاحت بأسوار الرقابة والتحكم التي كانت هذه الأنظمة تحيط بها دويلاتها الهزيلة، ولم يعد بإمكانها أن تمارس السيطرة والتعتيم والتجهيل.

بفضل هذه المتغيرات برزت ﺇشكالية الديمقراطية, غير أن بروز هذه الإشكالية لم يكن سببه –كما نرى– حركة دائبة لجماعة سائرة نحو أهدافها, ولم يكن ثمرة أفعال جماعية صنعتها أغلبية عبر مسيرة موصولة بالتضحية والإصرار, بل إن كل هذه المتغيرات جاءت من خارج بيئة الجماعة, أو كانت الجماعة وبيئتها موضوعا لها –كالغزو والاحتلال– ولم تسهم في صنع أي منها.

فالعولمة في بعدها الاقتصادي والسياسي ليست ﺇلا ثمرة تراكم مكتسبات الحضارة الغربية التي فرضت نفسها على الآخرين، فوجدت الجماعة العربية نفسها في خضم الظاهرة دون أن تكون لها مساهمة في ذلك.

"
ظهور الغرب بمظهر الصانع الحقيقي للديمقراطية والدفاع عنها أدى به إلى اعتباره نفسه الوصي الشرعي على هذه المسألة والمحدد لنوعها وشروطها وكيفية ممارستها, حتى أصبح هو الذي يحدد من ينبغي اعتباره ديمقراطيا
"
كذلك الأمر بالنسبة لنهاية النظام الدولي الثنائي القطبية, فهي محصلة صراع بين قوى الغرب الكبرى انعكست نتائجها على الجماعة العربية.

وينطبق الأمر نفسه على المتغير الثالث المتمثل في فشل وهزيمة الأنظمة التي كانت تتبنى قضايا وشعارات حجبت لعدة عقود إشكالية الديمقراطية.

فهذه الأنظمة كيفما كانت طبيعتها السياسية قد دخل معها الغرب وحلفاؤه ورموزه في المنطقة في صراع انتهى بهزيمتها عسكريا ولم تكن هزيمتها ناتجة عن صراع بينها وبين أغلبية الجماعة من أجل الديمقراطية.

لقد أدى هذا الوضع الذي برزت فيه إشكالية الديمقراطية نتيجة لعوامل ليس للجماعة يد فيها, مع بروز إشكاليات أخرى مواكبة لها أدت بدورها إلى الخلط والالتباس في موضوع الديمقراطية.

ونظرا لأن الغرب هو الذي هيأ تلك الظروف التي دفعت بسؤال الديمقراطية في الساحة العربية ﺇلى مقدمة الأولويات, فقد تبنى الدعوة إليها رسميا بكل ثقله السياسي والاقتصادي والعسكري, فجعله ذلك يظهر بمظهر صاحب الفضل الوحيد الذي يتعهد بكريم رعايته نمو هذه النبتة في الأرض العربية القاحلة بعد أن تبين له أن الجماعة التي تقطنها لا تستطيع وحدها زرع هذه النبتة في أرضها, وأن أغلبيتها عاجزة عن أن تتعهد هذه البذرة وتسقيها.

كان لظهور الغرب بمظهر الصانع الحقيقي للظروف المهيئة لقدوم الديمقراطية واضطلاعه بالدعوة إليها والدفاع عنها, دور كبير في اعتباره نفسه الوصي الشرعي والقيم على هذه المسألة, وهو الذي يحدد نوع هذه الديمقراطية وشروط وكيفية ممارستها, وهو من يحدد من ينبغي اعتباره ديمقراطيا ومن ليس كذلك.

بل إن الغرب أعطى نفسه الحق في التدخل إذا لزم الأمر ذلك, لتحرير هذا الشعب العربي العاجز أو ذاك من حاكمه المستبد ومنحه حكومة ديمقراطية.

ولعل هذه الحكومات الجديدة تذكرنا بالحكومات الديمقراطية التي منحها الغرب لبعض الأقطار العربية التي كانت تحت حمايته, فبدا وكأن الغرب سبق له أن منح الديمقراطية لبعض الشعوب العربية ولكن حكامهم جاؤوا بعد الاستقلال وانتزعوها منهم.

فلما بلغ السيل الزبي ووصل استعباد واسترقاق هذه الجماعة من قبل حكامها حدا لا يمكن قبوله ﺇنسانيا, هب الغرب مرة أخرى لتحريرها بعد أن ثبت عجزها عن فك قيودها بنفسها.

هكذا اختلطت الأمور, وتداعت الحدود بين الأشياء, نتيجة لعجز الجماعة الفاقدة لروح الفعل الجماعي عن تحقيق تطلعاتها، فأصبح مصير الديمقراطية معلقا بين قرار من الغرب واستجابة له من طرف الحكام في حدود وبمقاييس وكيفيات معينة.

فأضحت الديمقراطية ورقة من أوراق الغرب للضغط على بعض الأنظمة العربية التي لا يراها صالحة لخدمة أغراضه وأهدافه في المنطقة.

"
الحديث عن الديمقراطية دون توفر روح الفعل الجماعي لدى الأغلبية هو بمثابة وضع العربة أمام الحصان بصرف النظر عن القوة الجبارة المتدفقة في عروق هذا الحصان الكوني المجهز بأسلحة حرب النجوم
"
وبالتالي بدت مسألة الديمقراطية جزءا من مصالحه وإستراتيجيته, وموضوعا للمساومة والأخذ والرد بينه وبين حلفائه من الحكام العرب, ولم تعد مهمة إنجازها منوطة بإرادة الجماعة ونخبها ومثقفيها.

إن الديمقراطية ثمرة لا يمكن تصور وجودها دون وجود شجرة الفعل الجماعي, إلا ﺇذا أتى هذا الفعل من خارج الجماعة كحالة الغزو والاحتلال.

غير أن الحكومات التي تصل تحت خفق رايات فيالق الغرب المنتصرة على الحكام العرب المشاكسين للغرب لن تكون هي الوصفة التي يتفق الكثيرون على أنها البلسم الشافي لمعظم أمراض الواقع العربي, لأن أغلب تلك الأمراض والإشكاليات هي أيضا الوجه الآخر لمصالح الغرب الاقتصادية والإستراتيجية في المنطقة.

وقد لا يكون من الحكمة في شيء تصور أن الغرب يمكن أن يسعى بإخلاص لخلق أوضاع تتناقض مع ما يعتبره مصالحه ومكتسباته عبر قرون.

لا يمكن أن تهبط الديمقراطية من السماء بمجرد أن تنادي بها النخبة, كما لا يمكن أن تأتى بها فيالق الغزو ولا يمكن للجماعة العربية أن تحقق مجتمعا ديمقراطيا, ﺇلا ﺇذا كانت الأغلبية قادرة على صنع فعل جماعي عبر آلياته المتمثلة في الأحزاب والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني الأخرى.

ولكن هذه التنظيمات لا يمكن أن تقوم وتكون فاعلة ﺇلا ﺇذا كانت ثمرة ﺇصرار الأغلبية, إذ هي لم تولد مع الإنسان, بل أوجدتها المجتمعات الغربية أثناء صراعها مع حكامها لتصبح فيما بعد الآليات التي من خلالها يتم التعبير عن اﻹرادة بواسطة أشكال مختلفة من الفعل الجماعي.

فهذه التنظيمات ليست هي التي خلقت الفعل الجماعي, بل كانت مجرد مطالب وطموحات حولتها روح الفعل الجماعي لدى الأغلبية ﺇلى حقائق, فإن لم تتوفر هذه الروح لدى الفرد العربي فلن تقوم هذه الآليات، ولن تؤدي دورها بفاعلية ما دام هناك خوف من تأسيسها والانتماء إليها من قبل الأغلبية بسبب حظر السلطة لها.

ولهذا فإن الحديث عن الديمقراطية دون توفر روح الفعل الجماعي لدى الأغلبية هو بمثابة وضع العربة أمام الحصان, بصرف النظر عن القوة الجبارة المتدفقة في عروق هذا الحصان الكوني المجهز بأسلحة حرب النجوم.

المصدر : الجزيرة