برهان غليون

برهان غليون

أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بالعاصمة الفرنسية باريس.

تشكل الأزمة اللبنانية الراهنة أفضل تجسيد لمفهوم الأزمات المركبة التي تعيشها المنطقة، والتي تتداخل فيها وتتفاعل مستويات متعددة من النزاعات الوطنية الداخلية والإقليمية والدولية، التي يصعب الفصل بينها أو معالجة واحدة منها بمعزل عن الأخرى.

فبعكس ما تقوله الحكومة، ليست الأزمة القائمة في لبنان ثمرة تصدير الدول المجاورة لأزماتها الخاصة فحسب، ولكن لها أيضا أسبابها الداخلية ورهاناتها التي لا يمكن تجاهلها ولا حلها أو تذويبها بسهولة في الرهانات والنزاعات الإقليمية أو الدولية.

"
تدفع الحكومة اللبنانية اليوم ثمن تقصيرها في الاضطلاع بمهماتها كسلطة دولة وقت العدوان الإسرائيلي، وقبل ذلك عجزها عن استثمار انتفاضة مارس/آذار الشعبية لبناء سياسة وطنية مختلفة عن سياسة المحاصة الطائفية
"
ولعل خطأ الحكومة يكمن بالضبط في أنها اعتقدت بالفعل أن تطبيق القرار الدولي الذي ينص على نزع سلاح حزب الله، قد حسم أمر هذا الحزب، ووضعه في مأزق أو في صندوق لن يستطيع الخروج منه.

وأن حزب الله المحاصر، أو المهدد بالحصار من جراء هذا القرار، لم يعد لديه ما يمكنه من الاستمرار في المطالبة بالحفاظ على أسلحته، وأصبح من الممكن وضع مسألة نزع سلاحه لأول مرة على مستوى تأكيد سيادة الدولة وفي مواجهتها.

إن خطأها يكمن في أنها، في الوقت الذي كانت تسعى فيه إلى أن تترجم انتصار حزب الله إلى هزيمة سياسية، مستفيدة من المناخ الدولي وقرارات مجلس الأمن، كانت تعتقد أن بإمكانها تحويل التخاذل الذي أظهرته في الرد على العدوان الإسرائيلي، والذي هو بمثابة هزيمة للدولة التي تتحصن بها، إلى نصر سياسي لها أيضا ضد الحزب.

وبمعنى آخر، تدفع الحكومة اللبنانية اليوم ثمن تقصيرها في الاضطلاع بمهماتها كسلطة دولة وقت العدوان الإسرائيلي، وقبل ذلك عجزها، في نظري، عن استثمار انتفاضة مارس/آذار الشعبية لبناء سياسة وطنية مختلفة عن سياسة المحاصة الطائفية وتكريس سيطرة العائلات وقيادتها على الطريقة المافيوزية.

لكن بالمقابل، وبعكس ما تقوله قوى المعارضة، لا يعني الاعتراف بوجود رهانات داخلية كبيرة للنزاع الراهن في لبنان، تتعلق بمكانة حزب الله كقوة مسلحة وبالرؤى الإستراتيجية الكبرى، وبتحديد دور الدولة تجاهه، وبتوازن المصالح وتقاسمها بين القوى والطوائف المتنافسة، أن من الممكن تجاهل الرهانات الإقليمية المهمة والحساسة التي تكمن وراءه ودورها الحاسم، ليس في تأجيج النزاع فحسب ولكن أكثر من ذلك في جعل التوصل إلى تسوية لبنانية أمرا مستحيلا من دون حصول تفاهمات إقليمية.

فلم يعد خافيا أن أحد مصادر الصراع القائم في لبنان هو سعي السلطة السورية إلى زعزعة استقرار الحكم اللبناني القائم في سبيل تقويض الوضع القانوني الذي تستند إليه القرارات الدولية المتعلقة بإنشاء محكمة دولية أصبح من الواضح أنها تستهدف مسؤولين سوريين ولبنانيين حلفاء لهم.

كما لم يعد خافيا أن إيران، التي تطمح إلى لعب دور قوة إقليمية رئيسية، تستخدم نفوذها الكبير في لبنان في سبيل إقناع الدول الغربية بأن لا مهرب لها من الاعتراف لطهران بحقها في السيطرة على التقنية النووية.

وهذه العوامل الخارجية، السورية والإيرانية، تضغط بقوة على المعارضة السياسية اللبنانية وتدفعها نحو التصلب في موقفها، على الأقل حتى لا تبدو وكأنها غير عابئة بهموم حلفائها ومشاكلهم، وتقلل من تقديرها لحساب النتائج الحقيقية للمواجهة على الوضع اللبناني نفسه.

ومع ذلك ما كان من الممكن لحزب الله وحلفائه الانخراط في إستراتيجية الانقلاب على الأوضاع اللبنانية الداخلية والإقليمية لولا الفراغ الذي أحدثه انهياران رئيسيان وحاسمان في المنطقة عززا الأمل في إمكانية الانتقال إلى وضع جديد.

الانهيار الأول بانحسار القوة العربية الموحدة التي كانت ممثلة في المشرق العربي بالمحور السعودي المصري السوري الذي حفظ للدول العربية المشرقية حدا أدنى من التنسيق والتعاون في السياسة الإقليمية في العقود الثلاثة الماضية.

ومن المعلوم أن لبنان لم ينجح في تجاوز نزاعه الداخلي، الذي انفجر منذ منتصف السبعينيات، والتوصل إلى اتفاق الطائف الذي يشكل المرجعية الوحيدة للوحدة اللبنانية اليوم، إلا استنادا إلى هذا التفاهم الثلاثي واعتمادا عليه أيضا.

فالتحولات الإستراتيجية والسياسية التي أعقبت استلام الرئيس الأميركي جورج بوش الابن السلطة في واشنطن، وخضوعه لأفكار اليمين المتطرف المتمثل في المحافظين الجدد، وأحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، وما نجم عن ذلك من انقلاب جذري في الخيارات الإستراتيجية الأميركية، تلك التحولات بقدر ما دفعت معظم الأقطار العربية الرئيسية إلى الاصطفاف وراء الخيارات الأميركية، تجنبا للصدام معها، عمقت مع الضغوط التي رافقتها عزلة النظام السوري الذي وجد نفسه وحيدا في مواجهة تهديدات أميركية جدية جعلت منه علنا الهدف الثاني للحرب الأميركية.

وقد تفاقمت هذه العزلة بعد التمديد للرئيس إميل لحود، وتحولت إلى ما يشبه القطيعة الكاملة بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005، وما تبعه من انسحاب الجيش السوري من لبنان وانطلاق سلسلة الاغتيالات السياسية.

وهذا ما سيدفع دمشق إلى الارتماء في أحضان إيران النجادية، ويعزز شكوك العواصم المشرقية وعدم ثقتها بنظام دمشق الذي بدأ يظهر أكثر فأكثر أداة من أدوات التوسع الإيراني، على حساب ما تبقى من ذكريات الوحدة العربية.

وهكذا تطور النزاع بين المحاور العربية إلى نزاع إقليمي تشارك فيه، إلى جانب الدول العربية، إيران أحمدي نجاد الإسلامية، وربما تدخل فيه في المستقبل بصورة أو أخرى تركيا العلمانية.

"
نتيجة انفراط عقد المشرق العربي الطبيعية هي انفراد كل دولة بسياستها الخاصة ونمو ديناميكية المخاوف والتنافس والصراع في ما بينها على الساحات المشتعلة، والارتباط بالنزاعات الإقليمية والدولية
"
ونتيجة انفراط عقد المشرق العربي الطبيعية هي انفراد كل دولة بسياستها الخاصة ونمو ديناميكية المخاوف والتنافس والصراع في ما بينها على الساحات المشتعلة، والارتباط بالنزاعات الإقليمية والدولية.

هكذا أصبحت السيطرة على لبنان من قبل المحاور الإقليمية جزءا لا يتجزأ من دفاعها عن اختياراتها الإستراتيجية والسياسية ورهاناتها الداخلية.

وكما أصبح تعزيز موقف حزب الله سياسة رسمية للسلطة السورية التي تريد إسقاط الحكومة اللبنانية واستعادة مواقعها ونفوذها في لبنان، ولحكومة أحمدي نجاد التي تطمح إلى أن تفرض على الكتلة الغربية اختياراتها النووية، أصبح دعم حكومة الرئيس السنيورة وتثبيت استقرار لبنان سياسة رسمية لجميع الأطراف التي تخشى السيطرة السورية والإيرانية وترفض خياراتهما الإستراتيجية والسياسية.

بيد أن تفسير الانقلاب الحاصل في لبنان يظل ناقصا أيضا إذا لم نأخذ بالاعتبار، وهذا هو الشرط الثاني، الأبعاد الدولية، وأقصد بها الجيوستراتيجية.

فلا حزب الله ولا سوريا وإيران كانوا قادرين على الذهاب بعيدا في معركة تصفية الوضع القائم في لبنان لو لم تتعرض السياسة الأميركية الشرق أوسطية، ومن ورائها بالضرورة السيطرة الغربية التقليدية، لكارثة حقيقية تمثلت في الهزيمة العسكرية والسياسية والإستراتيجية في العراق بشكل رئيسي.

لكنها تعرضت أكثر من ذلك للهزيمة في أفغانستان وفلسطين ولبنان، وعلى جبهة الحرب العالمية على الإرهاب التي تنظر إليها واشنطن باعتبارها حربها التاريخية.

هذه الكارثة التي أصابت صدقية القوة الأميركية والأطلسية عموما هي التي شجعت أطراف المعارضة اللبنانية والقوى الإقليمية السورية والإيرانية على الذهاب بعيدا والاعتقاد أن لديها اليوم فرصة تاريخية نادرة لاستعادة المبادرة، وقلب الوضع الذي سعت واشنطن إلى تسويده في المنطقة منذ بدء تطبيقها سياستها الجديدة بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001.

ليس الهدف من هذا التحليل إظهار الترابط العميق والحتمي بين النزاعات الداخلية والإقليمية والدولية فحسب، وهو سمة قوية للنزاعات التي تشهدها المنطقة المشرقية، ومن ورائها مناطق عالمية أخرى تتسم بالطابع الهش ذاته لتنظيمها الإقليمي، لكن أكثر من ذلك التأكيد أن من المستحيل إيجاد حل لأي نزاع من هذه النزاعات، الداخلية والإقليمية والدولية، بعزلها الواحدة عن الأخرى، لأنها تشكل مستويات متعددة لنزاع واحد.

وربما كانت هذه السمة التركيبية للأزمة أحد نتائج عولمة المنطقة المشرقية، التي تتسم أكثر مما هو الحال في أي منطقة أخرى، بالعولمة السلبية أي المفروضة والمحددة من الخارج من دون أي مشاركة فعلية، وطنية أو إقليمية.

وهذا ما يعني أن المعالجة المطلوبة ينبغي أن تكون بالضرورة جامعة لهذه المستويات الثلاثة من النزاع، وقادرة على الإجابة على رهاناته المتعددة، أي أيضا شمولية.

فحسم النزاع في لبنان لصالح طرف أو آخر، أو لصالح تسوية متوازنة، يرتبط بشكل كبير بالاتجاه الذي سيأخذه حسم النزاعات بين العرب والنزاعات العربية الإقليمية، كما يرتبط باتجاه حسم النزاع الدولي القائم في سبيل السيطرة على الشرق الأوسط، المنظور إليه كخزان وقود إستراتيجي، بين الدول أو التكتلات الكبرى الدولية.

تتطلب مقاربة جامعة أو كلية للخروج من المأزق الذي يعيشه لبنان إذن، كغيره من الدول المشرقية، إعادة نظر جذرية في مجموع السياسات الوطنية والإقليمية والدولية التي أوصلت لبنان، وفي الواقع، المشرق العربي بأكمله، إلى حالة من الأزمة المستعصية، التي يستحيل فيها على أي طرف تحقيق أهدافه.

بينما تتمكن كل الأطراف من تعطيل أهداف خصومها، وبالتالي إلى حالة من الطحن المتبادل للقوى لا يمكن أن يقود إلا إلى وضع إقليمي شبيه بالوضع الأفغاني، أي الدمار الشامل.

على مستوى السيطرة الداخلية، يقتضي العمل من أجل حل الأزمة اللبنانية إزالة الغبن تجاه الطائفة الشيعية التي بقيت، رغم الحروب والإصلاحات العديدة التي أعقبتها، وبصرف النظر عن وزنها النسبي، الخاسر الأول، والطرف الهامشي والمهمش، في منظومة السلطة اللبنانية.

وهذا ما دفعها إلى المراهنة على تحالفات إستراتيجية خارجية جوهرية، أي حاسمة وبنيوية، وهو ما يطبع اليوم علاقتها بطهران ودمشق التي لا ينتظر أن تتغير في المدى القريب.

لكن لم يعد من الممكن تحقيق هذا الهدف عن طريق إعادة النظر في نسب المحاصة الطائفية وإصلاح نظامها، الذي يحمل الغبن لجميع الطوائف، بما فيها تلك المتهمة بالهيمنة على الدولة.

"
المعالجة المطلوبة ينبغي أن تكون بالضرورة جامعة لهذه المستويات الثلاثة من النزاع، أي المستوى الداخلي والإقليمي والدولي، وقادرة على الإجابة على رهاناتها المتعددة، أي أن تكون شمولية
"
فهو لا يخدم في الواقع إلا زعامات الطوائف والعوائل المافيوزية، ولا يستجيب إلا لحاجتها إلى تخليد سيطرتها وتوريث مواقعها لأبنائها، في المؤسسات الرسمية والأهلية، جيلا عن جيل، على حساب الأغلبية، داخل الطوائف وخارجها، التي لم يبق لها أي دور سوى المصادقة على اختيار الزعامات وتأييدها.

إن إزالة الغبن تفترض، بعكس ما هو قائم، أو مطالب به من قبل زعامات الطوائف، الشروع في إلغاء دولة المحاصة الطائفية نفسها، والعمل على المدى المتوسط لإقامة نظام ذي طبيعة وطنية الذي لا يميز بين الأفراد، ولا يعير أهمية لاعتقاداتهم وانتماءاتهم الدينية والقومية.

أي يحيد فعل المشاركة في الحياة الوطنية عن فعل الانتماء الديني، ويحرر السياسة الداخلية من ارتهانها الطائفي والإقليمي والدولي.

فالنظام السياسي الوطني هو الوحيد الذي يفسح المجال أمام تداول سليم للسلطة لا يعوقه الانتماء للطائفة، ويمكن الأفراد وجماعات الرأي السياسية من الانخراط في الحياة العمومية وأخذ مكانها فيها، من دون الحاجة إلى تقديم الولاء للزعامات الأبوية المكرسة بالعصبية الدينية أو العائلية.

وعلى المستوى الإقليمي، ليست هناك إمكانية لاستيعاب الأزمة والتوصل إلى تهدئة في لبنان، سواء سقطت الحكومة أو استمرت، من دون رأب الصدع في العلاقات العربية والعربية الإقليمية.

وهذا ما يتطلب تعديلات جوهرية في سياسات معسكر الحكومات المحافظة، أو المسماة معتدلة، في اتجاه انتزاع هامش أكبر من السيادة والاستقلالية على حساب الالتحاق التقليدي وغير المبرر بالسياسات الغربية.

كما يتطلب تعديلات مماثلة في سياسات معسكر الحكومات الراديكالية أو شبه الراديكالية تقوم على التخلي عن المزاودة اللفظية والازدواجية والنفاق لكسب الرأي العام، والتحلي بالمسؤولية في بلورة سياسات بناءة تأخذ بالاعتبار مصالح شعوبها وتعنى بتقدمها وتنميتها، وهو ما يتنافى مع استخدام شعارات المقاومة والعداء للاستعمار للتغطية على الاحتكار الدائم للسلطة والثروة وتأبيد الأحكام العرفية والاستهتار بحقوق الأفراد ومصالحهم.

بهذا فقط يستطيع العرب تجاوز حالة التفتت والتشرذم وانعدام الوزن، وبناء جامعة عربية تمثل أداة فعالة لصوغ سياسة إقليمية وخارجية موحدة، ولفتح إطار التعاون البناء أيضا مع دول الجوار الإيرانية والتركية على حد سواء.

بكلمة أخرى إن مسؤولية الدول العربية المحافظة المرتبطة بالغرب لا تقل عن مسؤولية دمشق وطهران في دفع الأمور في اتجاه الأزمة المستعصية في لبنان.

فسياسات المزاودة والتطرف والمغامرة هي الوجه الآخر والتعويض الطبيعي أيضا عن سياسات التخاذل والالتحاق والاستقالة الإستراتيجية.

لكن كل ذلك مرتبط أيضا بضرورة حصول تغيير جذري في سياسات الدول الغربية التي لا تزال تتحكم بمصير المنطقة الإستراتيجي منذ أكثر من قرن.

فأنا من الذين يعتقدون، بعكس ما هو شائع في الغرب والشرق، أن الخراب الكبير الذي يعرفه المشرق الآن، الوطني والاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي والأخلاقي جميعا، هو نتيجة مباشرة وغير مباشرة لما ينبغي أن نسميه سياسات الاستباحة التي مارستها القوى الصناعية الغربية، وفي مقدمها الولايات المتحدة، والاستهتار بسيادة شعوبه وحقوقها وحرياتها.

وهو ما ترجم بحروب وتدخلات عسكرية مستمرة ودائمة، نموذجها الأسوأ الحروب الإسرائيلية، لكن ليست وحدها، ودعم لا مشروط وطويل المدى لكل النظم التسلطية الاستبدادية القادرة على تحييد الشعوب وتهميشها وكسر إرادتها وإخضاعها، والاعتداءات المعنوية التي أصبحت تشكل حربا باردة يسمونها اليوم حضارية ضد الهوية والثقافة العربية والإسلامية.

وبعكس ما تدعيه الإدارة الأميركية، لم يكن الهدف من الضغوط التي مارستها واشنطن في السنوات الأخيرة على النظم العربية، المساعدة على إصلاح هذه النظم لصالح شعوبها، ولكن بالعكس تضييق هامش مبادرتها، وتحويلها بشكل أكبر إلى أدوات لتحقيق سياساتها الإقليمية، أي الإمعان في سياسات الاستباحة نفسها لحقوق سكان المنطقة الجماعية والفردية والتضحية بها.

وما لم تتراجع الدول الصناعية الغربية المتنافسة على النفط ودعم إسرائيل، عن سياستها المدمرة هذه، وتقبل الاعتراف بحقوق الشعوب العربية، والتعامل معها كمحاور حقيقي وأصيل، لا كتابع ذليل، وتتخلى عن قاعدة تطبيق معايير مزدوجة فيها، بما في ذلك ما يتعلق بالتقنية النووية، لن تكون هناك إمكانية لاستعادة وحدة الصف العربي ولا تهدئة الأوضاع الإقليمية التي تشكل مدخلا إجباريا للتهدئة الداخلية، في لبنان وغير لبنان.

"
من دون اعتراف جدي من القوى الغربية بحق شعوب الشرق الأوسط العربي في حكم نفسها بنفسها، والتعامل معها على قاعدة الاحترام والمشاركة والندية، لن يستطيع أحد أن يستوعب موجة العداء للغرب وللحكومات المرتبطة به أو الممالئة له
"
ومن دون اعتراف جدي من القوى الغربية بحق شعوب الشرق الأوسط العربي في حكم نفسها بنفسها، والتعامل معها على قاعدة الاحترام والمشاركة والندية، لن يستطيع أحد أن يستوعب موجة العداء للغرب، وللحكومات والنظم السياسية المرتبطة به أو الممالئة له، ولا تعديل سياسات الالتحاق بالغرب من قبل النخب الحاكمة الخائفة على مصيرها، ولا التراجع عن استغلال عواطف الجماهير الوطنية من قبل النظم الاستبدادية العاجزة عن التفاهم مع الغرب، لتبرير تسلطها وانتهاكاتها الجماعية لحقوق شعوبها وتضحيتها بمصالحهم.

وستظل شعوب المنطقة مدفوعة، بإرادتها أو بدونها، نحو القتال والاقتتال، من دون أي أمل في الخروج من الأزمة الطاحنة التي تمسك بمخانقها، اللهم إلا ما كان من باب مشاريع التهدئة وضبط الأوضاع المؤقت، بانتظار تفجرها في فرصة قادمة، على أثر أي تعديل طفيف في موازين القوى الداخلية أو الإقليمية أو الدولية.

لا تكمن المشكلة في نظري في السيطرة الأميركية والغربية عموما اليوم، ولكن في طابعها الهمجي، أي في استهتارها بكل المعايير القانونية والأخلاقية والسياسية، واعتمادها طريق التهديد والإملاء والابتزاز والتدمير المباشر لقوى الخصم الذي تحول إلى نموذج للحكم والممارسة السياسية تقتدي به الحكومات في عموم المنطقة، وصار فخا حقيقيا للإيقاع بالدولة والسياسة والمجتمعات المدنية والدينية والمواطنية معا.

يقول المثل العربي إن "الخط الأعوج من الثور الكبير"، والثور الكبير هنا هو الولايات المتحدة. لكن هذا لا يقلل من مسؤولية الثيران الأخرى، ولا من ضرورة الضرب على يديها كي تعود إلى طريق الصواب.

بل إن ذلك هو المدخل الرئيسي لتعديل المسار ودفع الثور الأكبر نفسه إلى الاعتدال في مساره وعدم الانحراف.

ومن هنا أعتقد أنه حتى لو أمكن اليوم تجميد الأزمة اللبنانية أو استيعابها لفترة وجيزة فإنه لا أمل في الخروج منها والعودة إلى الوضع الطبيعي، لا في لبنان ولا في العراق ولا في فلسطين ولا في سوريا ولا في الخليج ولا في أي بلد آخر، من دون مواجهة جماعية وشاملة بالفعل لمناهج عمل الأطراف المختلفة وسياساتها وإستراتيجياتها التقليدية التي سادت حتى الآن، أي للأزمات المختلفة الوطنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تعيشها المنطقة.

وليس هناك في نظري بديل، كما ذكرت ذلك أكثر من مرة، لمواجهة طويلة المدى، لا تقتصر على مشاريع التهدئة بانتظار انفجار جديد، عن مؤتمر دولي حول الشرق الأوسط تشارك فيه جميع الأطراف الإقليمية والدولية، الرسمية والمدنية، لتطوير الحوار وبلورة مقاربات سياسية عقلانية وعادلة، وبالتالي مقبولة من الجميع، للمسائل المختلفة المطروحة، والنزاعات المستعصية.

لا يغني عن ذلك مؤتمر دولي حول العراق، ولا حول لبنان، ولا حول فلسطين، كما لا يغني عنه أيضا مؤتمر يستبعد القوى السياسية والمدنية الممثلة للمجتمعات ويكرس احتكار النخب والدول الكبرى لحق تقرير مصير الشعوب ومستقبلها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك