كمال حبيب

الإعلان الأخير الذي أعلنته وزارة الداخلية المصرية عن وجود 11 متهما من جنسيات أوروبية فرنسية وبلجيكية وأميركي واحد كانوا علي صلة بتجنيد شباب من مصر للذهاب إلي العراق للقتال إلي جانب تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين يشير إلى ما أطلقنا عليه "عولمة الأمن".

فلم يعد ممكنا أن يتحقق الأمن في أميركا وأوروبا وفق النظرية التي تأسس عليها إعلان الحرب على الإرهاب وأطلقه الرئيس الأميركي جورج بوش عقب أحداث 11 سبتمبر/ أيلول، حيث كانت هذه النظرية تقول إن على الغرب أن يستأصل الإرهاب في الشرق الأوسط ويقضي عليه هناك حتى لا يأتي هنا إلي ديارنا ويؤرق مضاجعنا ويهدد حضارتنا التي يحسدوننا على منجزاتها القيمية والمادية معا.

فالشبكات التي تدعو اليوم للقتال في العراق إلى جانب المقاومة العراقية السنية وهزيمة المشروع الأميركي هناك هي شبكات قادمة من أوروبا نفسها التي كانت النظرية الأمنية الغربية تسعى لحمايتها هي وأميركا.

"
عولمة الأمن تعني أن التصور الغربي لإقامة عالم آمن في الغرب على حساب العالم الإسلامي والشرق عموما ولو بشن ما أسموه حربا عالمية رابعة هو تصور خاطئ ومدمر وغير واقعي
"
وهكذا انقلب السحر على الساحر وأصبح العالم الغربي أقل أمنا وأكثر عرضة للخطر، بل إنه أصبح هو نفسه مصدرا للخطر وليس العالم الإسلامي أو الشرق الأوسط.

فمصير البشرية والحضارة الإنسانية أصبح واحدا بعد العولمة وانهيار الحواجز والحدود بين المجتمعات والدول جعلت من العالم قرية صغيرة، ومن ثم فلا يمكن العولمة في الاقتصاد والاتصالات والأسفار وتبادل المعلومات والأفكار واستثناء الأمن من ذلك ليقتصر على منطقة دون أخرى.

فعولمة الأمن تعني أن التصور الغربي لإقامة عالم آمن في الغرب على حساب العالم الإسلامي والشرق عموما ولو بشن ما أطلق عليه أحد جهابذة المحافظين الجدد "نورمان بودهيرتز" حربا عالمية رابعة هو تصور خاطئ ومدمر وغير واقعي.

فالتقرير الأخير لهيئة تقدير الاستخبارات الوطنية (NIE) -وهي الهيئة المركزية الجامعة لكل أجهزة الأمن الأميركية بما في ذلك المخابرات المركزية (CIA)- والذي جاء بعنوان "اتجاهات في الإرهاب العالمي، انعكاسات على الولايات المتحدة" أكد أن الحرب الأميركية علي العراق أنتجت جيلا جديدا من الإسلاميين الراديكاليين والإرهابيين المحتملين في مختلف أنحاء العالم، وساعدت على انتشار أيديولوجية الجهاد، وأن الحركة الراديكالية للإسلاميين من نشطاء القاعدة زادت وتكاثرت معها الخلايا محلية التكوين المرتبطة بأفكار القاعدة وخططها وتكتيكاتها حتى وإن لم يكن لها اتصال مباشر "بأسامة بن لا دن" أو كبار مساعديه.

وخلص التقرير الذي صدر في يوليو/ تموز الماضي وسربته صحيفة "نيويورك تايمز" للرأي العام الأميركي إلى أن الوضع الأميركي في العراق زاد من التهديدات الإرهابية للعالم وجعل وضع الأمن في أميركا والغرب أكثر خطرا.

وفي الواقع كان هذا التقرير فاتحة للجدل الكبير حول فشل سياسات المحافظين الجدد في العراق، وهو ما قاد إلى هزيمتهم في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي وما تبع ذلك من توصيات لجنة هاملتون–بيكر حول ضرورة التعاطي مع المشكلة العراقية والعالم العربي بشكل مختلف عن سياسات اليمين الأميركي التي قادها وزير الدفاع المستقيل دونالد رمسفيلد.

وتشير الوقائع إلى أن الحرب على العراق واحتلال بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية العباسية لما يربو على 500 عام أفزع من الناحية النفسية والرمزية المسلمين في العالم لما تصوروه خطرا غربيا على هويتهم ووجودهم، وأن الحدود الدموية التي حاولت أميركا وحلفاؤها رسمها في العراق بتعبير "صموئيل هنتنغتون" لم يكن ممكنا إلا أن تستدعي الحروب الحضارية والدينية.

ولذا جاءت تفجيرات مدريد في مارس/ آذار 2004 ثم تفجيرات لندن في يوليو/ تموز 2005، وأعلنت بريطانيا في 8 أغسطس/ آب الماضي إحباطها خطة لتفجير عدد من الطائرات التابعة لشركة طيران أميركية أثناء رحلتها من مطار هيثرو إلى أميركا، ولذا لم يكن غريبا أن يدخل بعض الشباب من المسلمين المقيمين في الغرب غمار هذه الحرب الشاملة أو العالمية تعبيرا عن احتجاجهم على السياسات الغربية تجاه العالم الإسلامي.

"
العولمة الأمنية تسقط الحدود بين أوروبا والعالم الإسلامي كما تسقطها أيضا بين أميركا وهذا العالم، ومن ثم تصور أن الثقافة الديمقراطية للغرب سوف تكون أحد أهم حصونه من الإرهاب ثبت أنها خطأ
"
فالعولمة الأمنية تسقط الحدود بين أوروبا والعالم الإسلامي كما تسقطها أيضا بين أميركا وهذا العالم، ومن ثم تصور أن الثقافة الديمقراطية للغرب سوف تكون أحد أهم حصونه من الإرهاب وأن نشر هذه الثقافة في العالم العربي والإسلامي الخطير سوف تكون المفتاح الرئيس لحصار الراديكالية الإسلامية والقضاء على تنظيم القاعدة ثبت أيضا خطأها.

فالشباب القادم للمشاركة في الحرب على العراق والتجنيد لها هم شباب أوروبي، صحيح أنهم مسلمون ولكنهم ديمقراطيون تربوا في الغرب وتشربوا من ثقافته، فالسياسات التي يتبعها الغرب مع العالم الإسلامي وليست النظريات أو الأفكار أو الأيديولوجيا كما عبرت عنها سياسات اليمين المحافظ الأميركي هي التي ستقرر شكل العلاقة بين العالم الإسلامي والعالم الغربي من ناحية، وعلاقة هذا العالم بالمسلمين في داخله سواء أكان ذلك في أوروبا أو أميركا.

ولعل وعي "هنتنغتون" بخطأ نظريته عن صدام الحضارات جعله يغير رأيه بعد حرب أميركا وحلفائها الغربيين على العراق ليقول "عاش المسلمون اجتياح العراق على أنه حرب ضد الإسلام وكان من المنطقي أن يفرز تصرف الولايات المتحدة على هذا النحو إرهابا أكثر فأكثر".

ومع التوتر في العلاقة بين العالم الغربي والعالم الإسلامي بسبب أطروحات الصدام والمواجهة التي يتبناها تيار الصقور في الإدارة الأميركية والأوروبية يبدو لنا أن المسلمين في أوروبا وأميركا تتهددهم عاصفة من الغضب والحذر والاتهام والمعاملة القاسية.

فمنذ فترة طويلة والأصوات تتعالى في الغرب محذرة من "الحدود الجديدة لدار الإسلام في الغرب" وهم يقصدون بذلك الوجود والتمدد الإسلامي الذي يتجذر وبقوة هناك، وهذه الأصوات تحولت اليوم بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول وتفجيرات مدريد ولندن إلى سياسات على أرض الواقع.

فهناك تغير في المزاج الغربي تجاه وجود المسلمين لدرجة وضعت التعددية الثقافية في بلد كبريطانيا مثلا في الميزان، ولن نشير إلى أشكال التحيز والتمييز بل والاضطهاد الذي تواجهه الأقليات المسلمة ولكننا سوف ننبه إلى خطر تصور وجود أجيال من المسلمين في الغرب مرشحين ليكونوا إرهابيين كما عبرت رئيسة جهاز الاستخبارات الداخلية في بريطانيا "أليزا ما ننيغهام" التي أفصحت عن وجود أكثر من 30 عملية إرهابية يجري التخطيط لها وأنها قد تستخدم في المستقبل الكيماويات والتكنولوجيا النووية وأن أكثر من 1600 شخص مسلم تراقبهم أجهزة الأمن البريطانية.

وهذا يتطابق مع ما أعلنته أجهزة الأمن الفرنسية -بعد إعلان "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" الجزائرية انضمامها للقاعدة– بأنها تراقب 5000 شخص في فرنسا محتمل أن تكون لهم صلة بها، كما أن استراليا طالبت مسلميها بأن يعلنوا نبذ العنف والإرهاب لقبولهم في المجتمع الاسترالي.

وإذا عرجنا علي تصريحات جون أبي زيد أكبر جنرال أميركي في الشرق الأوسط الذي قال فيها إن العالم سيواجه حربا عالمية ثالثة إذا لم يجد وسيلة لوقف تزايد التشدد الإسلامي وذلك في محاضرة له بجامعة هارفارد.

"
مع التوتر في العلاقة بين الغرب والمسلمين بسبب أطروحات الصدام التي يتبناها صقور الإدارة الأميركية والأوروبية يبدو لنا أن المسلمين في أوروبا وأميركا تتهددهم عاصفة من الغضب والحذر والاتهام والمعاملة القاسية
"
فالسياسات الغربية تجاه المسلمين في أوروبا وأميركا تنجرف إلى المزيد من توسيع المواجهة مع المسلمين في أوروبا وأميركا تحت ضغط دواعي الصراع والمواجهة، وهو ما قد يوسع من دائرة الشعور بالاغتراب لدى المسلمين وانفصالهم عن مجتمعاتهم بل والاستجابة للانخراط في العنف ضد هذه المجتمعات.

فواقعة الرسوم المسيئة للنبي صلي الله عليه وسلم جعلت الكثير من المسلمين في الغرب يشعرون بالسخط على الغرب وتمنى بعضهم وقوع أحداث عنف جديدة كالحادي عشر من سبتمبر/ أيلول وتفجيرات لندن، فالعولمة كما عبرنا عنها تشير إلى تداخل حضاري وديني بين الإسلام والغرب لم يعد ممكنا فيها الحديث عن دار إسلام ودار حرب أو كفر، أو بين دار للغرب ودار للشرق، بل العالم كله أصبح دارا واحدة يمكن أن نصفها بالدار الإنسانية –نسبة إلي الإنسان- أو الدار الآدمية –نسبة إلى أبينا آدم–، هذه الدار الواحدة هي العالم الذي يعيش فيه الناس.

ومن ثم فإن ما يجري من سياسات غربية أصولية تعتمد الصراع والمواجهة والحرب الاستباقية طلبا للأمن لن تحققه، ذلك لأن العالم المعاصر أصبح متداخلا بدرجة لا يمكن معها الارتداد إلى السياسات التي أسس لها الرئيس الأميركي جورج بوش ومن حوله، وأكبر الأدلة على ذلك هو فشل هذه السياسات بامتياز.

وإذا صدقت الأنباء التي تتحدث عن وجود علاقة بين عمر عبد الله الملقب بـ"عمر حمرا" زعيم تنظيم التوحيد والجهاد في بلاد الشام الذي فجر نفسه على الحدود السورية اللبنانية في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي والمجموعة التي أعلنت وزارة الداخلية المصرية عنها من مسلمي الغرب فإن الحرب على العراق لن تحرق بنارها العراقيين فقط ولكنها ستمتد إلى من أشعلوها في قلب بيوتهم ومدنهم التي ظنوا أنها منيعة وحصينة.

وليس هناك من سبيل لإخماد هذه النار إلا بنزع فتيل المواجهة والحرب وإرساء قواعد لعلاقات تقوم على أساس الاحترام والتكافؤ بين الغرب وعالم الإسلام بعيدا عن الامبريالية والعنصرية والهيمنة، وعلى المسلمين في الغرب أن يتعاملوا بحكمة مع هذه العاصفة المدوية بعيدا عن الانجرار للعنف داخل أوطانهم التي يعيشون فيها للحفاظ على وجودهم ومنجزاتهم ومكتسباتهم التي حققوها في هذه البلدان.

وكم من عاصفة دقت طبولها على رأس من أثاروها، وأظن أن عاصفة العراق ستعصف بمشروع المحافظين الجدد لينتصر منطق التعاون والتعايش على الصراع والمواجهة.
ــــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة