أكرم البني

ليس من المبالغة القول إن تواتر عقد المؤتمرات والمنتديات المعنية بقضايا الإصلاح والديمقراطية في أكثر من عاصمة عربية وإقليمية، في القاهرة وصنعاء والدوحة والإسكندرية وإسطنبول وعمان، جعل منها ظاهرة لافتة تلقى الكثير من المتابعة والاهتمام رغم الأحداث الكبيرة التي تشهدها المنطقة.

"
مرحلة التحول الديمقراطي تحتاج إلى التراكم والتهيئة لتوليد قوة دفع متمكنة معرفيا دونها لا يمكن التقدم خطوة جدية إلى الأمام أو الضغط لتحريك حوافز التغيير ونقله من الأدراج والمشاريع الورقية إلى حيز الواقع
"
ولا يجانب الصواب من يجد أن هذه الفعاليات ما كان لها أن تحضر بهذا الزخم لو لم تقدم رغبة عامة عالميا وإقليميا في تنمية الديمقراطية وتعزيز المشاركة، حفزتها التفجيرات التي حصلت في نيويورك وواشنطن سبتمبر/ أيلول 2001، وعززتها النتائج التي استخلصها تقرير الأمم المتحدة عن التنمية البشرية في البلدان العربية عام 2004.

لكن يجانب الصواب من يكتفي بالتعامل السطحي مع هذه الظاهرة ويهمل الوقوف منها موقفا نقديا إذا لم يقم بتخصيص جهد مناسب لدراستها واستجلاء ما تتركه من تأثير في حياتنا وحدود الدور الذي تلعبه أو الذي يمكن أن تلعبه، في مرحلة تمر بها مجتمعاتنا هي الأعقد والأصعب والأكثر مأساوية.

فأولا: يلمس المتابع لمثل هذه المؤتمرات أن عقدها صار في المحصلة العامة شكلا من أشكال العمل الروتيني، حتى إن البعض لا يتردد كثيرا في القول إنها لم تعد تعني له أكثر من فسحة أو ساحة للتعارف بين الشخصيات والأطراف المشاركة، ومحطة لتكرار إصدار البيانات والإعلانات العمومية التي تعيد التأكيد على نحو لا يسمن ولا يغني من جوع، على أهمية الإصلاحات والديمقراطية إلى أن تختتم بتكرار جملة من المطالب والتوصيات العامة عن ضرورة الالتزام بالتعددية واحترام حقوق الإنسان!

كيف لا، ما دام أغلب الحوارات ينصب على الوصف والملاحظات العامة أكثر مما يندفع إلى قراءة العياني والمحسوس في كل بلد على حدة ويسمي المعوقات الحقيقية التي تحول دون انتشار الفكر الديمقراطي، وما دام أكثر المشاركين مسكونا بهاجس تحضير مسبق لرؤيته وأجوبته وتصوراته عن خوض تفاعل جدي وحوار مثمر مع الآخر.

فكم من البيانات والتوصيات صدرت تكرر الصيغ العمومية نفسها، التي لا تزال تبتعد عن قراءة دقيقة لخصوصية كل مجتمع وطابع المهام التي تعترضه وطرائق العمل على تغييره، ما يشجع على التساؤل عن الهدف الحقيقي لهذه المؤتمرات، وإلى أي حد ترمي فعلا إلى تحقيق ما تعلنه من شعارات؟

وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا تغيب الخطوات العملية التي تقود إلى الهدف، وأين الآليات الملموسة لوضع ما يصدر من قرارات وتوصيات موضع التنفيذ؟

ثانيا: تأسيسا على ما سبق يصح القول إن غالبية تلك المؤتمرات والمنتديات لا تزال عاجزة عن خلق وابتكار الطرائق الكفيلة بتحقيق الهدف المعلن منها، والنقاش الذي يجري خلالها بين المشاركين هو في العموم نقاش مسقوف لا يؤدي فعلا إلى محصلة.

وغالبا ما تؤثر الجهات الداعية على التوصيات وتضفي على القرارات بعضا من روحها، وأحيانا ثمة نتائج تعد سلفا في مجموعات صغيرة ودوائر معينة كي تجري المصادقة عليها، بينما ما يهم حقيقة من هذه المؤتمرات والمنتديات هو المنفعة والجدوى على الأرض ومدى ما تخلقه من صلات فعلية بين الفعاليات المشاركة لتساعدها على تغيير الواقع الذي تعيشه بلداننا، الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

هنا بالتحديد جوهر المسألة، ذلك أن ما يمكن استخلاصه وقوله ببساطة، ودون جهد في البحث والاستنتاج هو أن غالبية هذه المؤتمرات صارت في معظمها إنما تدور حول ذاتها ولا تنتج روحا حافزة للتغيير.

ولنقل لا يتوفر فيها ما يلزم من الشروط الضرورية لتحقيق تراكم مطلوب من أي نوع, تراكم معرفي وتراكم تحليلي وتراكم تخطيطي، وأساسا تراكم تعبوي في مجال تجميع الجهود والطاقات على قاعدة مشروع للتغيير والنهضة متنوع الأبعاد، متعدد القوى، لكن موحد في وجهته ومساره الديمقراطي العام.

فمرحلة التحول الديمقراطي تحتاج بالفعل إلى التراكم والتهيئة لتوليد قوة دفع متمكنة معرفيا دونها لا يمكن التقدم خطوة جدية إلى الأمام أو الضغط لتحريك حوافز التغيير ونقله من الأدراج والمشاريع الورقية إلى حيز الواقع.

"
المطلوب والمجدي هو العمل على السعي الجاد لتوسيع دوائر القوى والفعاليات المؤمنة بالإصلاحات كي تلعب دورا يشبه اللوبي الضاغط نقدا للسياسات الخارجية التدخلية الضارة بالقيم والأهداف الديمقراطية
"
هذا الخلل يرجع إلى تنوع الجهات الراعية والداعية لهذه المؤتمرات، وضعف أو غياب أي تنسيق وتكامل بين أنشطتها، فيشعر المرء كأن كل مؤتمر يبدأ من الصفر أو من النقطة نفسها التي أثارتها المؤتمرات الأخرى.

وهو يرجع من جهة ثانية إلى تخلف طرائق اختيار المشاركين التي لا تزال تستند في غالبيتها إلى علاقات شخصية أو يطغى فيها حضور الفعاليات الرسمية أو المحسوبة على الأنظمة والحكومات أكثر من المستقلين ونشطاء المجتمع المدني، وتهمل السعي الجاد لكشف جوف المجتمعات والتعامل مع الجماعات والشخصيات التي تمتلك المصداقية الفكرية والنضالية.

كما أنه يعود من جهة ثالثة إلى التردد في تبني أشكال جديدة يمكن عبرها إحداث نقلة نوعية مهمة في العمل الفكري والممارسة بنقل مجرى السجال الإيديولوجي والسياسي والاجتماعي إلى محاور جديدة، وتقديم إجابات شافية عن أسئلة ملحة تشغل بال الكثيرين حول سياق عملية التغيير وشروطها، خاصة لجهة تعزيز التوجهات الاختصاصية التي بدأتها بعض المنتديات، عندما اتجهت لدراسة وتمحيص مسألة واحدة من مسائل الإصلاح الديمقراطي، كالفساد ومشاكل الشباب وتمكين المرأة وحرية التعبير وتفعيل المجتمع المدني وهكذا.

ثالثا: من المؤسف أنه رغم الكم الكبير من المؤتمرات التي عقدت تحت عناوين الإصلاح والديمقراطية لم تتمكن النخب المشاركة إلى اليوم من رسم صورة مشتركة لمعالجة إشكاليتين هامتين، العلاقة بين الداخل والخارج في عملية التغيير، ثم حدود الأدوار والمسؤوليات بين السلطات ومنظمات المجتمع المدني.

وهنا يمكن القول إنه لا تزال تتكرر الآراء نفسها والدفوعات نفسها في الموقف من أدوار مختلف الأطراف المعنية بالتحول الديمقراطي، وفي فهم طابع الإصلاحات المستحقة ومحتواها وقواها، وإلى أي درجة هي تمهد لمعالجة مشاكل المجتمع وأمراضه المزمنة بصورة جذرية أو تكون مجرد مناورة لتخفيف مأزق الأنظمة العربية وأزماتها الراهنة أو تنحو نحو تشكيل امتداد لمشروع خارجي غرضه تعزيز السيطرة على المنطقة.

صحيح أن ثمة مشتركا خرجت به معظم هذه المؤتمرات وهو رفض الديمقراطية التي تفرض من الخارج، واتفقت على ضرورة احترام خصوصيات كل بلد وأخذ التباينات في الظروف والشروط بين دولة وأخرى بما في ذلك تقدير مدى استعدادها للإصلاحات الديمقراطية، وأي رزمة من الإصلاحات هي الملحة لديها.

لكن الصحيح أيضا أنه لا يمكن نصرة الفكر الديمقراطي وتمكينه من الانتشار دون توفر مناخ عالمي أو "خارج" مناسب، وأهم ما فيه الانعكاسات التي تتركها العناصر الإيجابية في النماذج الديمقراطية القائمة وقراءتها نقديا قياسا إلى نموذج يقرن القول بالفعل، ثم تأثير الحل العادل للصراع العربي الإسرائيلي، وإعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وأيضا معالجة واقع الاحتلال الأميركي للعراق والنتائج السلبية التي خلفها.

وعلى هذا الصعيد تجدر الإشارة إلى وجود خلل عند النخب الإصلاحية المشاركة في هذه المؤتمرات ناجم إما عن تشوش في الرؤية وإما عن عدم جدية وتردد أو استمراء للدوران في حلقة مفرغة، عندما تحصر حواراتها حول أدوار السياسات الخارجية في قضية الإصلاح فقط على أهميتها وتحاول أن تتفق أو تختلف حولها.

بينما المطلوب والمجدي هو العمل في مكان آخر أيضا، في السعي الجاد لتوسيع دوائر القوى والفعاليات المؤمنة بالإصلاحات، كي تلعب دورا يشبه اللوبي الضاغط نقدا للسياسات الخارجية التدخلية الضارة بالقيم والأهداف الديمقراطية.

ثم في ظل أنظمة دأبت على تغييب السياسة وتعليبها وإضعاف الدور الذي يضطلع به الناس عموما في المجتمعات الصحية يبدو جليا للعيان أن الإصلاح السياسي يتخذ شكل مناورات تتحكم فيها الحكومات القائمة ليس إلا، وهي في مجموعها حكومات غير ديمقراطية تنتمي إلى سلطات أو أنظمة استبدادية في جوهرها، وإن كان بعضها يجري انتخابات ويقيم مؤسسات ويسمح بتأليف أحزاب ويشرع لها بعض النشاط.

ناهيكم عن أن غياب السياسة أو تغييبها ينعكس بضعف دور الأحزاب والمجتمع المدني اللذين دونهما لا يمكن أن يوضع موضع التنفيذ ما تستخلصه هذه المنتديات من برامج وخطط خاصة لجهة العلاقة مع الجمهور الواسع وبناء آليات المتابعة والمراقبة.

وهذا الأمر يتطلب تسخير مختلف الجهود لإجبار السلطات على تقديم تنازلات جدية في صالح هوامش الحريات والنشاط وحركة قوى المجتمع المدني، ليس بعبارات الاستجداء، بل بتشكيل عوامل إحراج وتعرية لسلوك الأنظمة وفضح ذرائعها وحججها الواهية في المماطلة وتأجيل الإصلاحات المستحقة، ربطا بالعمل الدؤوب لإعادة التوازن بين المجتمع والدولة.

ورغم إقرار معظم الحكومات بأهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه الجمعيات المدنية والسياسية كشريك أساسي إلى جوار الدولة في جهود التنمية السياسية والاقتصادية وكجسر يصل البرامج بالجموع الشعبية، لا تزال أزمة الثقة قائمة، ولا تزال توضع العراقيل والمعوقات التي تحول دون تفعيل الأدوار بين الطرفين وتكاملها.

"
أن تلتقي النخب السياسية والثقافية القادمة من منابت أيدولوجية متنوعة ومشارب سياسية مختلفة وتتفاعل، أن تتعارف وتوثق العلاقات وتنقل الأفكار والخبرات وتحاول تقديم الأجوبة ودفع الأمور إلى نهاياتها، فذلك أمر إيجابي بحد ذاته
"
وهنا يتضح عجز تلك المؤتمرات والمنتديات عن تحقيق الجدوى والمنفعة المطلوبة من تقابل نشطاء المجتمع المدني مع نظرائهم الحكوميين، وضعف دورها في إنجاز خطوات جدية تنقل الأمور من حيز القول إلى الفعل ومن التمنيات إلى الواقع.

رابعا: اللافت أن غالبية المشاركين في هذه المؤتمرات والمنتديات المخصصة لتداول الرأي حول الحريات والديمقراطية والإصلاح، لا تزال مترددة في حسم الخيار الذي يقول إن المناقشات والتوصيات لن تكون لها قيمة فعلية إلا بمقدار ما تنتقل من قاعات السجال إلى الشارع.

وبعبارة أخرى العمل على نقل الخلاصات والنتائج إلى الرأي العام وتمكين الناس من حملها والدفاع عنها، على قاعدة الثقة بأن الإصلاحات والتغييرات المجتمعية الكبرى لا بد أن تنتزع انتزاعا من يد التسلط والفساد، وما يعنيه ذلك من أولوية العودة إلى المجتمع لبناء القوى وتجييشها على طريق تعديل توازن القوى لمصلحة التغيير.

وبعبارة أخرى فإن ما يعطي هذه المؤتمرات القيمة والجدوى التي تستحقها، ليس فقط توفر شروط تعارف وتكاتف قوى المجتمع المدني وأنصار الحرية وحقوق الإنسان، أو خلق أطر حوارية لتقوية التيارات الناهضة والراغبة في الإصلاح الديمقراطي والحقوقي، وإنما أيضا وأساسا عندما تسعى لإنجاز مهمة مركزية هي العمل على كسب ثقة الناس بجدوى الديمقراطية وانعكاسات تطبيقها إيجابيا على مصالحهم وحقوقهم.

وينفع هنا كثيرا دراسة وتعميم تجارب ناجحة للتحول من الاستبداد والشمولية إلى الديمقراطية وما حصدته هذه المجتمعات، بعد مرحلة انتقالية ربما كانت صعبة وعسيرة، من فوائد ومكاسب لصالح المجتمع وآفاق تطوره كأمثلة البرتغال وإسبانيا وتجارب دول أوروبا الشرقية وغيرها.

يضاف إلى ذلك أيضا تعميم ما تراكم من خطوات ناجحة حول بعض الإنجازات التخصصية كعمالة الشباب، وتمكين المرأة، وقضايا التعليم، والتكافل الاجتماعي، بما في ذلك قراءة تفصيلية للآليات التي تمت عبرها معالجة بعض الصعوبات والإشكاليات المعوقة للإصلاح!..

نعم، أن تلتقي النخب السياسية والثقافية القادمة من منابت إيديولوجية متنوعة ومشارب سياسية مختلفة وتتفاعل، أن تتعارف وتوثق العلاقات، وتنقل الأفكار والخبرات، وتطرح الأسئلة، وتحاول تقديم الأجوبة ودفع الأمور إلى نهاياتها المنطقية، هو أمر إيجابي بحد ذاته.

وذلك يساعد على خلق روابط التعاون والتعاضد والتآزر بينها ويساعدها أيضا على إنماء روح لافتة في احترام التنوع والاختلاف، ما يشكل ربما بداية موفقة أو نموذجا يبنى عليه كصورة مصغرة لمجتمع التعددية والديمقراطية.

والأهم أن ذلك يشكل أيضا حماية موضوعية للكثير من النشطاء والمثقفين والمفكرين أمام قوى الاستبداد، كي لا يأخذ بعضهم اليأس والإحباط ويستسلم بعضهم الآخر وينحاز صاغرا لهذه الجهة أو تلك للاحتماء بمظلتها، فيخسر المجتمع شجاعتهم وقدرتهم على الإبداع والنشاط المستقل وإسهاماتهم الضرورية في عملية التغيير.
__________________
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة