عبد الوهاب المسيري

عبد الوهاب المسيري

الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله، مفكر عربي إسلامي


ظهر أفيغدور ليبرمان لاعبا رئيسا على مسرح السياسة الإسرائيلية بعد أن اعتبره رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت طوق نجاته، فمن هو ليبرمان هذا؟ وما رؤيته، وما برنامجه السياسى؟

ولد ليبرمان في مولودوفا (التي تقع بين رومانيا وروسيا). ولا تتوافر معلومات كافية عن الفترة التى قضاها هناك، ولكن من المعروف أنه هاجر إلى إسرائيل عام 1978، وهو بعد في العشرين.

ظهر ليبرمان في الساحة السياسية الإسرائيلية إبان حكومة الليكود عام 1996 حين شغل منصب المدير العام لمكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بعد أن كان قد أمضى عدة سنوات في صفوف حزب الليكود.

وقد عُرف ليبرمان في تلك الفترة بأنه رجل المهمات القذرة والشخصية المثيرة للجدل والأزمات. وقد يعود اختياره لهذا المنصب إلى محاولة اجتذاب الجمهور الروسي الذي كان يعانى صعوبات في الاندماج في المجتمع ومؤسسات الدولة.

"
ظهر ليبرمان في الساحة السياسية الإسرائيلية إبان حكومة الليكود عام 1996 حين شغل منصب المدير العام لمكتب رئيس الوزراء نتنياهو، وقد عرف في تلك الفترة بأنه رجل المهمات القذرة والشخصية المثيرة للجدل والأزمات
"
واضطر ليبرمان إلى الاستقالة بعد سنة واحدة فقط، بسبب ملف جنائي يتعلق بالتهجم على طفل وضربه ضربا مبرحا. (فراس حماد، وكالة الأخبار العراقية، 24/10/ 2006).

وفي أعقاب خلاف بين رئيس حزب الليكود بنيامين نتنياهو رئيس حزب يسرائيل بعليا (الحزب الروسى) ونتان شيرانسكى، أشار نتنياهو على ليبرمان بتشكيل حزب روسى جديد موال لليكود.

وبالفعل أنشأ ليبرمان عام 1999 حزب يسرائيل بيتينو (إسرائيل بيتنا) نسبة إلى حزب روسي كان بزعامة الرئيس الروسي السابق يلتسين يدعى "روسيا بيتنا"، وهي محاولة من ليبرمان لكسب تعاطف المهاجرين الروس (باتريك سيل, ديلي ستار, 27/10/2006).

خاض حزب إسرائيل بيتنا الانتخابات، وطرح برنامجا سياسيا اجتماعيا اقتصاديا دعا فيه إلى استيعاب المهاجرين بشكل كامل، والعمل على صهرهم داخل المجتمع، من أجل إيجاد مجتمع يهودي متكامل.

وقد قام الحزب بالتحريض على فلسطينيي الداخل وفلسطينيي 67 والعرب عامة. وحصل حزبه في انتخابات الكنيست الخامسة عشر عام 1999 على أربعة مقاعد، وفى العام 2003 خاض الانتخابات في قائمة مشتركة مع حزب موليدت تحت إسم "إيحود ليئومى" على 11 مقعدا، وأصبح هذا التحالف بذلك القوة الرابعة في الكنيست من حيث عدد المقاعد. (فراس حماد، وكالة الأخبار العراقية, 24/10/2006).

ولكي نعرف ليبرمان حق المعرفة لا بد من استعراض مواقفه السياسية، وبرنامجه الحزبى ورؤيته. ابتداء يجب الإشارة إلى أن ليبرمان سياسي صبياني على المستوى الشخصي، طفولي على المستوى الجماهيري.

يعيش في الدولة الصهيونية منذ 28 عاما غير أنه لا يزال يتسم بعقلية المهاجر، فهو يحزم حقائبه بسهولة ولا يتمسك بفكرة أو بشخص أو بكرسي، فليس عنده أي صبر على الحلول الجزئية التي سمحت لإسرائيل بالبقاء 58 سنة في منطقة معادية (ناحوم برنباع، يديعوت أحرونوت، 23 /10/2006).

وليبرمان من أشد المعجبين بجابوتنسكى، الذي يرى أنه يجب على المرء أن يكون عبقريا وقاسيا في ذات الوقت، "إذا حاول أعداؤك زعزعة الوضع، فعليك أن تهاجمهم بصورة شمولية وشديدة جدا".

لا توجود حدود أو قيود، عليك تحطيمهم تماما إلى أن يبكوا متوسلين قائلين (أي الأعداء) "كفى" (القدس، 30 /5/2004). والحزب الذي أسسه ليبرمان حزب فاشي متأثر بأفكار جابوتنسكى، ومن هنا كانت دعوته لإقامة نظام رئاسي في إسرائيل.

فأساس النظم الفاشية هو خلق نموذج "الزعيم" الذى يفعل كل ما يرغب بمعزل عن السلطتين التشريعية والقضائية (ميساء أسعد، خاص، 2 /11/2006).

دخول ليبرمان الحكومة يعنى تقبل أجندة اليمين وتحولها لجزء مركزي في الخريطة السياسية. إن التحالف الفاشي بين اليمين الاستيطاني واليمين الليبرمانى يعتبر مسألة بدهية وطبيعيه، فقد نجح اليمين في وضع معادلة قياسية لمن يكون وطنيا، فجعلت درجة الولاء للوطن تقاس بدرجة معاداة العرب، وهذه بلا شك أصداء فكر جابوتنسكى ("الفاشى" على حد قول موسولينى) (تسفى برئيل، هآرتس، 29 /10/2006).

وقد دعا ليبرمان من على منصة الكنيست إلى قصف السد العالي بقنبلة نووية بهدف إغراق الشعب المصري، بحجة أن اتفاقية السلام التي وقعها النظام المصري مع الكيان الصهيوني لم تكن حقيقية، لأن مصر لازالت تدعم المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني، كما طالب كذلك بتدمير طهران.

"
كان ليبرمان يرى أن بقاء عرفات حيا يعتبر من أكبر المؤشرات على ضعف وعجز إسرائيل، ولذا اقترح أن تقوم طائرة بإسقاط قنبلة وزنها طنين على المنطقة التى يعيش فيها عرفات لتهدمها على رأس من فيها وبذلك يتم تدمير مسيرة السلام
"
وكان يرى أن بقاء عرفات حيا يعتبر من أكبر المؤشرات على ضعف وعجز إسرائيل، ولذا اقترح أن تقوم طائرة بإسقاط قنبلة وزنها طنان على المنطقة التى يعيش فيها عرفات لتهدمها على رأس من فيها وبذلك يتم تدمير مسيرة السلام.

وطالب ليبرمان كذلك بتخريب أحياء سكنية في غزة، وترحيل 90% من عرب إسرائيل، وذلك عن طريق طرد الفلسطينيين العرب من منطقة المثلث داخل أراضى 1948 إلى الضفة الغربية وتعزيز عمليات الاستيطان (طارق حسن، الأهرام، 28 /10/2006- القدس، 30 /5/2004- ناحوم برنباع، يديعوت أحرونوت، 23 /10/2006).

ورغم كل هذا الضجيج الإعلامي فإن ليبرمان حسب قول الصحافي إيتان هابر في افتتاحية يديعوت أحرونوت لا يقصد فعلا ما يقول ويثرثر وحسب. ويتفق معه في هذا الرأي ناحوم برنباع الذي يعتبر تصريحات ليبرمان شكلا من أشكال الهذيان اللفظي (المشهد الإسرائيلي، 1 نوفمبر 2006).

ولكن بغض النظر عن كون ليبرمان ثرثارا أم لا، فإنه يظل تعبيرا متبلورا عن التيار العنصرى اليمينى المتطرف، فهو كما وصفه يتسحاق ليئور (هآرتس،1 /11/2006) دودة ضخمة نبتت وترعرت في حقل القثاء هذا "أي في الساحة السياسية الإسرائيلية".

إن ليبرمان شأنه شأن غيره من الزعامات الصهيونية العنصرية مثل مائير كهانا ورحبعام زئيف وكتلة المستوطنين في الكنيست، يقومون بدفع السياسة العنصرية الصريحة (ترانسفير) أو الضمنية (حق إسرائيل في المناطق) تحت مظلة الديمقراطية الإسرائيلية. كهانا اعتاد توظيف الهولوكوست لإقناع الناس ببرنامجه، كما أنه رسخ دعايته العنصرية على أساس النصوص الدينية.

وقد قضت حماقة لبنان على العقيدة المشتركة بين اليسار واليمين على حد سواء، أى قضية الأمن القومي، فقد أصبح واضحا خلال عدة عقود أنه ليس هناك حل عسكري لمشكلة إسرائيل الأمنية.

"
يذهب ليبرمان إلى أن العقبة الأساسية هي مشكلة عرب إسرائيل ولكن مع هذا يمكن تجاوزها عن طريق عزل الفلسطينيين في الضفة والقطاع في كانتونات مفصولة  ومحاطة بالمستعمرات الصهيونية من كل الجهات
"
هنا يظهر الخطاب الكهانى-الليبرمانى الذي يتسم بالمزج بين العنف والوعد الإلهي: نطرد العرب ونحل كل المشاكل من خلال ضربة واحدة ساحقة إلهية، وهكذا تطرح رؤية جديدة لحل العقدة الأمنية.

ومن الملاحظ أنه رغم أن أغلب أعضاء الكنيست في قائمة إسرائيل بيتنا من المهاجرين، فإن بينهم أيضا ممثلين عن الأمن (نائب رئيس الشاباك السابق، إسرائيل حسون، ونائب المفتش العام للشرطة، يتسحاق أهرونوفيتش).

ويتصور ليبرمان أن الاحتكاك القائم بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني هو أساس المشكلة، ولمنع حدوث الصراع يجب الحؤول دون الاحتكاك بينهما.

ومن هنا يدعو إلى تبنى النموذج القبرصي، حيث تم فصل الجزء اليوناني من الجزيرة عن الجزء التركي، ويذهب ليبرمان إلى أن العقبة الأساسية هي مشكلة عرب إسرائيل، ولكن مع هذا يمكن تجاوزها عن طريق عزل الفلسطينيين في الضفة والقطاع في كانتونات مفصولة بعضها عن بعض، ومحاطة بالمستعمرات الصهيونية من كل الجهات، على غرار الكانتونات التي أقامها نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا للمواطنين السود.

كما يمكن تجميع العرب بصورة تتيح فصلهم عن الدولة، وبما أن الجليل هو مكان أغلبية عرب إسرائيل، لا بد من ترحيلهم شمالا، وتضم منطقة المثلث في الجليل الأدنى إلى الضفة الغربية المحتلة، أما يهود كريات شمونة (مع باقى يهود الجليل) فسيحلون محلهم في الجنوب الواسع.

وسيتولى أركادى غايدماك –رفيق ليبرمان- بناء كريات شمونة الجنوبية متيحا المجال أمام يهود الشمال للفرار نهائيا من نقمة صواريخ حسن نصر الله.

وبهذه الطريقة يتم تطبيق النموذج القبرصى على إسرائيل، حيث تكون إسرائيل الشمالية للعرب، وإسرائيل الجنوبية ستكون كلها لليهود، ويتم تطهير الدولة من الشوائب العرقية (ألون ليئال، هآرتس، 6 /11/2006).

ما سر دخول مثل هذا التيار الفاشي العنصري الواضح إلى تحالف وزاري يضم أكبر حزبين في إسرائيل؟ يمكن أن ندرج الأسباب التالية:

1- إن انضمام ليبرمان إلى الحكومة الإسرائيلية لا يعد أكثر من تسديد فواتير داخليه وتلاقي مصالح بين أطراف الساحة السياسية الإسرائيلية، فقد وعد ليبرمان أولمرت بدعم استقراره فى الحكم مقابل ضمه للحكومة، وهذا يأتي بعد أن أصبحت الساحة السياسية الإسرائيلية أحزابا وأشخاصا ضعيفة وعاجزة عن تقديم الحلول الواضحة لجمهورها بدرجة كبيرة، وتحاول مداراة هذا العجز بأصحاب الدعوة الصريحة إلى الحرب والكراهية والعنصرية (طارق حسن، الأهرام، 28 /10/2006).

2- الديمقراطية قادرة على التغلب على كل المصاعب، مثل الحرب والأزمات الاقتصادية، ولكنها لا يمكنها أن تتغلب على عائق واحد هو فقدان ثقة المواطن.

ومصدر الأزمة التي علق فيها المجتمع الإسرائيلي ليست مجرد الفشل في الحرب، بل رفض أصحاب السلطة الاعتراف بأن الهزيمة كانت من فعل أيديهم، ليس النظام هو المذنب، ولكن الأشخاص الذين سقطت منظومة السلطة في أيديهم.

3- يستغل ليبرمان الفراغ الناشئ في أعقاب الانهيار المعنوي للوسط. وبالفعل مع توجه أولمرت إلى ليبرمان فإنه يعلن أن ليس بوسعه قيادة الدولة بنفسه.

أما عمير بيرتس، فقد اعترف بأنه ليست لديه القدرة على رد الحرب بالحرب. أولمرت وبيرتس يعرفان أنهما فقدا ثقة الجمهور، كما يعرفان أن حرب لبنان الثانية أديرت بشكل متسيب, ولكن القيادة السلطوية ترفض الاعتراف بمسؤوليتها, ولذا يتردد الحديث عن قدرة ليبرمان فى أن يجند، إحباطات ومخاوف الطبقة الوسطى الدنيا ويوظفها (زئيف شتيرنهال، هآرتس، 27 /10/2006).

4- التوافق بين أولمرت وليبرمان يعكس التقاء قاتل للمصالح، فما حدث في إسرائيل أن الطغاة الماليين بنوا أنفسهم من خلال نهب ممتلكات الجمهور وأصبحوا محرك السلطة في المجتمع الإسرائيلي، ثم وصل الطغاة إلى مرحلة الصدام مع القيم الديمقراطية، ولذا كان لا بد من تفويض "رجل قوي" يحيد الديمقراطية ويحدد أصول اللعبة الجديدة لصالح أصحاب رأس المال.

"
يقول جدعون ليفى إن ليبرمان يبدو متطرفا بالنسبة للذين يتصنعون البراءة، ولكنه فى واقع الأمر يقوم بما تقوم حكومة إسرائيل بفعله, ولذا فإنه سيزيل القناع عن حكومة إسرائيل وسيظهر أولمرت للفلسطينيين وللعالم أين تتوجه الحكومة الحالية
"
هذا الدور كان من نصيب أرييل شارون وحزب كاديما، وحين فشل أولمرت في تحقيق الأمر فإن هذا ألزمه بضم ليبرمان بزعم أنه الشخص الصحيح ليستمر أولمرت فى منصبه.

وما يلفت النظر في قضية ضم ليبرمان وحزبه لحكومة أولمرت، أن الشارع في الكيان الصهيوني لا يعارض هذه الخطوة بل يرحب بها، رغم إدراكه للطبيعة العنصرية لحزب ليبرمان، فالحقيقة التي تمخضت عنها الحرب الأخيرة على لبنان هي أن المجتمع الصهيوني يتجه بصورة ثابته ومطردة نحو الفاشية، وأن الأحداث الكبرى بما فيها الهزائم العسكرية تسرع من التوجهات الفاشية في هذا المجتمع المصطنع.

أولمرت يعلم أن الوسيلة الوحيدة للخروج من مأزق الحرب على لبنان هو توسيع القاعدة البرلمانية لحكومته بضم أحزاب جديدة إليها، فلم يكن ما تمخضت عنه الحرب الأخيرة مجرد هزيمة عسكرية للكيان الصهيوني, بل هزيمة شاملة تجلت مظاهرها في كل البنى الأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

لقد كشف استطلاع للرأي العام أجرته صحيفة يديعوت أحرونوت (13 /10/2006) أن المجتمع الصهيوني أصبح أكثر يمينية بعد الحرب على لبنان، القضية هنا لا تتعلق بانضمام حزب يميني ذي نزعة فاشية إلى حكومة أولمرت، بل هي تتعلق أساسا بتجمع استيطاني يرحب بهذه النزعة.

يقول جدعون ليفى (هآرتس 15 /10/2006) إن ليبرمان يبدو متطرفا بالنسبة للذين يتصنعون البراءة، ولكنه فى واقع الأمر يقوم بما تقوم حكومة إسرائيل بفعله. ولذا فإنه سيزيل القناع عن حكومة إسرائيل وسيظهر أولمرت للفلسطينيين وللعالم أين تتوجه الحكومة الحالية (ميساء أسعد، خاص، 2 /11/2006).

ثمة سؤال هام يطرح نفسه: هل أفغيدور ليبرمان رئيس حزب إسرائيل بيتنا خارج الإجماع الصهيوني المهيمن؟ وهل هو فعلا خارج فلك حزب كاديما الحاكم الذي مزج بين نهج حزب العمل ونهج الليكود؟

وهل ليبرمان ونهجه أكثر عنصريه من نهج حزب كاديما أو حزب العمل الذي يستند إلى الرؤية الصهيونية للأمن القومي الإسرائيلي وبالهاجس الديموغرافى ورفض أي تسوية؟ هل ليبرمان أكثر عنصرية من النظام الحاكم والدولة، أم أنه وليدهما وتعبير عن إعادة إنتاج عنصريتهما؟ (المشهد الإسرائيلي، 21 /4/2006).

كل الأسئلة السابقة هي أسئلة خطابية، فالإجابة معروفة لكل من يرصد المشهد السياسي الإسرائيلي، وكل ما فعله ليبرمان هو أنه أوضح ما كان متخفياً، وأبرز ما كان كامناً. والله أعلم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك