صالح السنوسي

صالح السنوسي

أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بنغازي


في حالة غياب الفعل الجماعي تجد الجماعة نفسها بين أقليتين, تمارس كل منهما العنف باسم الجماعة المستقيلة, أولاهما هي الأقلية الفعالة المعارضة العنيفة التي أنابت نفسها عن الجماعة العاجزة, وثانيتهما هي الأقلية الحاكمة التي تقبض على السلطة وتدعي بدورها شرعية تمثيلها للمجتمع.

فالسلطة العربية هي أقلية بحكم تكوينها الطائفي أو العشائري أو الأسروي أو الجهوي أو النخبوي ولكنها تعطي لنفسها حق تمثيل الجماعة انطلاقا من سيطرتها على مقدرات الدولة وتسخيرها لخدمة بقائها, ولهذا فهي تمارس العنف ضد معارضيها وتضربهم بسيف الدولة وباسم الجماعة العاجزة الفاقدة لروح الفعل الجماعي.

"
وقوف المثقف ضد الأقلية العنيفة الحاكمة تحت ظروف الغياب الكلي لردة فعل المجتمع, هو أشبه بالوقوف أمام قطار مندفع, أما وقوفه في مواجهة الأقلية العنيفة المعارضة فيعد عمليا وقوفا إلى جانب الأقلية الحاكمة, وهذا يزيد من حرجه
"
في مثل هذا الوضع يجد المثقف نفسه مجردا من حماية المجتمع له وفي مواجهة أقليتين عنيفتين فيصبح الخيار بالنسبة له موقفا يتراوح بين الخطورة البالغة والحرج الشديد, لأن الوقوف ضد الأقلية العنيفة الحاكمة تحت ظروف الغياب الكلي لردة فعل المجتمع, هو أشبه بالوقوف أمام قطار مندفع بأقصى سرعته من أجل إزاحة السائق عن دفة القيادة وهذا التصرف إلى جانب عدم جدواه يندر أن تتحمله النفس البشرية.

أما الوقوف في مواجهة الأقلية العنيفة المعارضة, فهو يعد عمليا وقوفا إلى جانب الأقلية الحاكمة, مهما حاول المثقف أن يسوق المبررات ويضع العلامات, التي تحدد المسافة بينه وبين الأقلية الحاكمة, لأن موقفه هذا يعتبر تجريما وإدانة للفعل الذي تقوم به الأقلية المعارضة مما يعني منطقيا شرعنة لكل ما يمكن أن تقوم به الأقلية الحاكمة من عنف ضد الأقلية العنيفة المعارضة, في الوقت الذي تبقى فيه الأقلية الحاكمة بمنأى عن أي عقاب على أفعالها المجرمة وسط مجتمع غالبيته عاجزة عن أي ردة فعل.

ومما يزيد من موقف المثقف حرجا في هذه الحالة هو أن الأقلية الحاكمة لا ترمي من خلال ممارستها للعقاب إلى مكافحة فعل عنيف تقوم به عصابات وقطاع طرق بل تمارس العنف دفاعا عن سياسات وخيارات ترفضها الأغلبية الساحقة من الجماعة, فهي لا تدافع عن الدولة ومؤسساتها فقط بل تدافع في الوقت نفسه عن الرموز السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تمثل هيمنة الغرب على المنطقة والتي تمقتها وترفضها الأغلبية العظمى من الجماعة الوطنية.

في ظل وضع كهذا تستشكل الأمور وتختلط الحدود بين الأشياء, فيبدو موقف المثقف, الذي يدين أفعال الأقلية العنيفة المعارضة أقرب إلى الدفاع عن التحالف بين الغرب والأقلية الحاكمة, منه إلى التعبير عن قضايا ومطالب وتطلعات الجماعة الوطنية.

فالأقلية الحاكمة لا تكتفي من المثقف بإدانته فقط للفعل الذي تقوم به الأقلية العنيفة المعارضة, بل ينبغي عليه أيضا أن يمتنع عن التعبير عن وجهة نظره المؤيدة لبعض القضايا التي تتبناها الأقلية العنيفة وهي التي تكون في الغالب قضايا ومطالب الأغلبية.

لقد أدى الصراع بين الأقليتين في ظل غياب الفعل الجماعي إلى انقسام المثقفين إلى فئتين كل منهما في وضع لا تحسد عليه.

"
الأقلية الحاكمة لا تكتفي من المثقف بإدانته فقط للفعل الذي تقوم به الأقلية العنيفة المعارضة, بل ينبغي عليه أيضا أن يمتنع عن التعبير عن وجهة نظره المؤيدة لبعض القضايا التي تتبناها الأقلية العنيفة وهي التي تكون في الغالب قضايا ومطالب الأغلبية
"
الفئة الأولى تمثل الأغلبية وهي التي انخرطت مع السلطة وراهنت على الأقلية الأقوى ورأت أنه منطقي وعقلاني وواقعي أن تتعامل مع سياسات الأقلية الحاكمة, باعتبارها الخيار الممكن في ظل واقع يفتقد للفعل الجماعي, وتتحكم فيه أقلية قوية حاكمة, تسد كل المنافذ ولا تنازعها أية قوة أخرى, ما عدا أقلية عنيفة ضعيفة ولذا فقد وجد هؤلاء أنفسهم في خندق الأقلية الحاكمة وجندا من جنودها في الحرب التي تشنها هي والغرب ضد الأقلية العنيفة المعارضة.

ومما زاد في صعوبة موقفهم هو أنهم يستطيعون أن يعلنوا عن عدائهم القوي والصريح للأقلية العنيفة المعارضة وينددوا ويدينوا دون تحفظ بما تقوم به من أعمال, في الوقت الذي لا يمكنهم فيه الذهاب إلى ذلك الحد من الإدانة والتنديد بسياسات ومواقف الأقلية الحاكمة التي ترفضها الأغلبية وتتخذ منها الأقلية العنيفة المعارضة أسبابا وحججا مقنعة لتبرير أفعالها العنيفة.

لقد وجدت هذه الفئة من المثقفين نفسها في عداء شديد وصريح مع الأقلية العنيفة المعارضة وبالتالي أصبح بعضهم مستهدفا بأفعالها, لأنها تعتبرهم سلاحا من أسلحة الأقلية الحاكمة التي تضربهم به وأداة من أدواتها التي تزين سياساتها ومواقفها, فأدى هذا الاستهداف ببعض هؤلاء إلى قبول حماية الأقلية الحاكمة لهم , فترتب على ذلك ازدياد تبعيتهم لها وضعف مواقفهم في مواجهتها, كما بدا هؤلاء وكأنهم يلوذون بحماية أقلية قوية تسيطر على الإقليم بالوسائل المادية والعنف اللاشرعي المنظم, وليس بسلطة أتت بها الإرادة العامة الحرة لأغلبية المجتمع.

والفرق بين الحالتين ليس مجرد مسألة إجرائية, فثمن الحماية في الحالة الأولى يكون لمصلحة الأقلية الحاكمة وليس بالضرورة لمصلحة الوطن بينما في الحالة الثانية, أي السلطة التي انتخبتها أغلبية الجماعة بحرية فإن الحماية التي توفرها تعد من وظائفها وواجباتها التي فوضتها الجماعة للقيام بها دون مقابل تجاه كل المواطنين الأحرار.

لعل الكثيرين من هؤلاء المثقفين, ما كانوا ليختاروا الوقوف في صف الأقلية الحاكمة, لو أن الجماعة ليست مستقيلة وفعلها الجماعي ليس غائبا, فهذا الوضع لم يترك خيارات أخرى في نظر هؤلاء, سوى التعامل مع الأقلية الحاكمة على ضوء عجز الجماعة وعدم فاعليتها بالتالي فقد تعاملوا مع السلطة أما من منطلق محاولة الإصلاح من الداخل أو من منطلق البحث عن المزايا والمكانة التي يمكن الحصول عليها مقابل الانخراط مع السلطة.

"
لعل الكثيرين من المثقفين ما كانوا ليختاروا الوقوف في صف الأقلية الحاكمة لو أن الجماعة ليست مستقيلة وفعلها الجماعي ليس غائبا,  فقد تعاملوا مع السلطة إما من منطلق محاولة الإصلاح من الداخل أو من منطلق البحث عن المزايا
"
الفئة الثانية وتمثل الأقلية الملتزمة من المثقفين التي رفضت الانخراط مع الأقلية العنيفة الحاكمة, فوجدت نفسها في ظل غياب الفعل الجماعي في موقف لا يخلو من غرابة ويتميز بكثير من الخطورة فانقسمت بدورها إلى طائفتين.

الطائفة الأولى رفضت الانخراط والتزمت الصمت ورأت في موقفها الرافض والصامت هو أقصى ما يمكن القيام به في مواجهة سلطة غاشمة في وسط مجتمع يفتقد غالبية أفراده لروح الفعل الجماعي, فالمواجهة مع السلطة –في نظرهم– ليست مجدية ولا تضيف شيئا إلى وعي وإدراك الجماعة لمطالبها ولن تكون سوى إلقاء النفس إلى التهلكة.

أما الطائفة الثانية فلم ترفض الانخراط مع الأقلية الحاكمة فقط, بل اختارت معارضتها علنا والتصدي لسياساتها على أرضية المطالب التي تحوز على اتفاق غالبية الجماعة.

فوجد هؤلاء أنفسهم في مواجهة عسف السلطة التي تعاملهم على أساس أنهم فصيل من الأقلية العنيفة أو حلفاء موضوعيون لها, لأنهم يثيرون الشغب, ويحرضون ضد السلطة ويدافعون عن قضايا معظمها تتبناها الأقلية العنيفة, وهكذا بدا موقف هؤلاء في غاية الغرابة.

فهم من ناحية يدافعون عن قضايا الغالبية العظمى من الجماعة, وهذه الأغلبية تنظر إلى موقفهم بإعجاب دون أن تترجم ذلك إلى أفعال للدفاع عن تلك القضايا, ومن ناحية أخرى يصب موقفهم من السلطة في قناة الأقلية العنيفة, وليس في قناة الفعل الجماعي كما يأملون, ثم يجدون أنفسهم في مواجهة أقلية حاكمة عنيفة باطشة طليقة اليد لا تقيدها الخشية من احتمال أي رد فعل جماعي.

"
المثقفون المنخرطون مع الأقلية العنيفة الحاكمة المبررون لتصرفاتها أصبحوا هم الأكثرية مقارنة بالمثقفين المعارضين, بينما أصبح المعارضون الصامتون هم الأكثرية مقارنة بالمعارضين المجاهرين
"
لقد أدى فقدان روح الفعل الجماعي لدى غالبية أفراد الجماعة المدركين والواعين بمطالبهم إلى تغلغل روح اليأس في نفس المثقفين من جدوى دورهم في المجتمع مما اضطر أغلبيتهم إلى الاعتراف بالواقع الناتج عن غياب الفعل الجماعي وعن تحكم السلطة كحقيقة مطلقة وعن هيمنة الغرب كقانون لا يمكن تجاوزه.

فكانت محصلة ذلك أن المثقفين المنخرطين مع الأقلية العنيفة الحاكمة المبررين لتصرفاتها المعقلنين للواقع الناتج عن تحالفها مع الغرب, أصبحوا هم الأكثرية مقارنة بالمثقفين المعارضين بينما أصبح المعارضون الصامتون هم الأكثرية مقارنة بالمعارضين المجاهرين.

لقد راهنت الأكثرية من المثقفين على الأقلية الأقوى وهو رهان ربما ما كان ليقع أو ليكون واقعيا, لو أن الصراع كان بين الأقلية الحاكمة وأغلبية الجماعة لأن حركة المجتمع متمثلة في الأفعال الجماعية, التي تقوم بها الأغلبية في مواجهة السلطة لا يمكن وصفها بالإرهاب أو بعنف الأقلية, بل ستظهر السلطة كأقلية تمارس العنف والإرهاب ضد المجتمع.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك