إبراهيم عجوة

مقدمات الفكر السياسي المفارق للواقع
انحراف أصبح إستراتيجيا والإستراتيجية أصبحت أداة أيديولوجية

المشهد السياسي الفلسطيني الراهن وصل حد الفنتازيا, مشهد يؤذن بمأزق وليس بأزمة عابرة أو حادة, مشهد يستدعي إعادة النظر الجدية من قبل القوى السياسية الفلسطينية في العامل الثابت في الفكر السياسي الفلسطيني، الذي ما زال يمتد ليعيد إنتاج المشهد المأساوي المتمثل في أوسلو، ولكن هذه المرة على شكل المهزلة القائمة.

يستدعي المشهد إعادة النظر في الفكر السياسي الذي بدأت جذوره بعيد حرب أكتوبر ليصل إلى أوسلو، وها هو يتكرر رغم تغير ميزان القوى السياسي وتبدل الوجوه والأيديولوجيات.

"
لا يضير أي شعب أن يخوض صراعاً داخلياً حتى لو كان دامياً إذا انقسم على برنامج وطني لأن الصراع حينها لا يكون صراعاً أو حرباً أهلية، وإنما يكون صراعا وطنيا بين قوى وطنية واستطالات احتلال
"
ها هو يعيد إنتاج نفس المقولات والمفاهيم والمقدمات، رغم الفاصل الذي قطع المرحلتين والذي تمثل في انتفاضتي شعبنا في عام 1987م وعام 2000م.

على القوى السياسية الفلسطينية أن تشهد إحدى نهايتين: إما أفولها أو تجاوزها للثابت الممتد والمدمر في الفكر السياسي الفلسطيني. وأنا أقول أفولها لا أدعو قطعاً إلى اليأس، فالشعب الفلسطيني تجاوز مرحلة الطفولة السياسية، وعبث الشعار المترافق مع بؤس الممارسة.

تجاوز مرحلة الخوف عليه إلى مرحلة الخوف منه. فالمشهد الذي نرى ليس مشهد الشعب الفلسطيني، وإنما مشهد خيارات القوى الذي سرعان ما ستقشعه شمس هذا الشعب. شعب فلسطين لن يعجز عن توليد البديل عندما تعجز قواه السياسية وتدخل مأزق خياراتها.

الخشية تكمن في فداحة الثمن الذي سيجد الشعب الفلسطيني نفسه مضطراً لدفعه للخروج من المأزق الذي وضعته فيه قواه السياسية. فداحة الثمن بدأت مؤشراته تلوح في جملة من الظواهر والأسئلة: ما الذي جعل الفلسطيني يقتل أخاه وكلاهما تحت الاحتلال، وكلاهما ينتمي لفصيل يفترض أنه يقاوم الاحتلال؟ ما الذي جعل الفلسطيني يخرج في مسيرات للمطالبة بالرواتب في الوقت الذي كان يجوع لتوفير ثمن قطعة السلاح؟

ما الذي جعل الفلسطيني يستبدل أغنية طل سلاحي من جراحي. أنا يا أخي آمنت بالشعب المضيع والمكبل. ولا يهم المقاتل حين يضحي أن يرى لحظة الانتصار، سأرى لحظة الانتصار سأراها بعيني رفيقي. وغيرها من جميل أغاني الثورة لتصدر عنه مغناة أرسلها لي بعض الأصدقاء من فلسطين تقول: وين الراتب...فش..فش. هالحكومة الرشيدة، خلتنا عالحديدة..إلخ من تفاهة لا يليق بالمقام استكمالها؟

لا يضير أي شعب أن يخوض صراعاً داخلياً حتى لو كان دامياً إذا انقسم على برنامج وطني لأن الصراع حينها لا يكون صراعاً أو حرباً أهلية، وإنما يكون صراعا وطنيا بين قوى وطنية واستطالات احتلال.

السؤال المطروح هل يدور الصراع الداخلي بين أبرز قوى شعبنا السياسية على برنامج التحرير وآلياته أم على برنامج التسوية ومنتجاته.

مقدمات الفكر السياسي المفارق للواقع
بعد أن استطاع المعسكر الغربي سد الأفق أمام معركة التحرر القومي العربي ومشروع بناء دولة الأمة، واستطاع إجبار حركة التحرر العربي على الانكفاء والاكتفاء بمعركة الاستقلال القطري، التي في الكثير منها كانت شكلية، بدا الوضع الفلسطيني وكأنه المشهد النشاز في هذه الفسيفساء العربية المحيطة.

"
وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام خيارين إما أن يستكملوا معركة التحرر القومي بالاشتباك مع أداة حراسة التجزئة والتفكيك والتخلف للمنطقة العربية والمتمثلة في الكيان الصهيوني، أو خوض معركة استقلال قطري يبحثون لهم فيه عن كيان سياسي شبيه بكيانات سايكس بيكو
"
وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام خيارين إما أن يستكملوا معركة التحرر القومي بالاشتباك مع أداة حراسة التجزئة والتفكيك والتخلف للمنطقة العربية والمتمثلة في الكيان الصهيوني الجاثم على أرضهم، أو خوض معركة استقلال قطري يبحثون لهم فيه عن كيان سياسي شبيه بكيانات سايكس بيكو وتماهياً مع السائد العربي.

وساد الفكر السياسي الفلسطيني في تلك المرحلة إدراك عميق لطبيعة معركته وارتكز على جملة من الثوابت لهذه المعركة تمثلت في:

1- أن حركته تشكل الجبهة الباقية من معركة التحرر القومي، ويشكل الشعب الفلسطيني طليعتها سواء بسبب إدراكه لطبيعة المعركة أم بسبب قدره الجيوبوليتكي أو بسبب كليهما معاً.

2- نظر إلى معركته بصفتها معركة تحرير وطن وبوصف حركة التحرر القومي العربي هي العمق الطبيعي لهذه المعركة.

3- الدولة الفلسطينية هي الكيان السياسي الذي يمكن أن يقوم في بنية عربية سياسية بعد تحرير فلسطين ولا تشكل الدولة مطلباً سياسياً إستراتيجياً أو تكتيكياً.

4- الوطن هو الأساس وهو المكان الطبيعي الذي يعيش عليه الشعب الفلسطيني وإقامة الدولة الديمقراطية على كامل هذا التراب وتحريره يمثل الهدف الإستراتيجي.

5- الأصل في معركته يتمثل في العودة إلى الوطن والبقاء في الوطن والصمود في الوطن وليس إقامة دولة في أي جزء من الوطن لأي كم من الشعب.

6- إنهاء وجود الكيان السياسي الصهيوني المسمى إسرائيل بضرب أسس وجوده من خلال بناء حركة المقاومة الفلسطينية وتحديد أساليبها كحرب شعب طويلة الأمد والصمود والبقاء الفلسطيني على أرضه، والعودة الفلسطينية لللاجئين وعدم الانشغال في بناء الدولة وشكل الدولة.

بدأ العجز والمأزق يدب في صفوف النخبة السياسية التي قادت هذه الحركة. بعض أسباب العجز والمأزق يعود لأسباب لها علاقة بحجم الهجمة الإمبريالية الصهيونية الرجعية العربية، وبعضها يتعلق بإمكانات ووعي هذه النخبة السياسية الفلسطينية وأحياناً ارتباطاتها ببعض المراكز العربية والارتهان لأجنداتها والتأثر بمنتجاتها الأيديولوجية.

ربما يجهل الكثيرون المعركة التي دارت داخل المؤتمر الرابع لحركة فتح عام 1980م، عندما حاول تيار الدولة أن يدخل في برنامج فتح نقطة في الأهداف تشير إلى بناء الدولة الفلسطينية على أي جزء من الأرض التي يتم تحريرها.

تيار الدولة رأى أن هناك ضرورة لانسجام برنامج فتح مع ما كان مطروحاً في منظمة التحرير والمتمثل في الحل المرحلي وأجندة النقاط العشر.

لقد وصل الصراع حد إمكانية تفجر المؤتمر وانقسام الحركة، حيث رأى التيار الرافض لمقولة الدولة إن هذا الطرح يشكل انحرافاً له ما بعده ويشكل المسمار الأول في نعش المقاومة الفلسطينية والمشروع النضالي الفلسطيني.

"
تجاهل الفكر السياسي الفلسطيني "الدولتي" أن الدولة هي أرقى أشكال حق تقرير المصير حيث يمثل فكرة السيادة والحرية والاستقلال، وأن المرء لا يمكن أن يكون حراً في مجتمع محتل، فالاحتلال يصادر أصل الحرية
"
تم الالتفاف على تيار الرفض لمقولة الدولة بمقولة الدولة المقاتلة حيث لم يكن يسمح ميزان القوى الحركي في حينها بأكثر من ذلك.

لقد تجاهل الفكر السياسي الفلسطيني "الدولتي" أن الدولة هي أرقى أشكال حق تقرير المصير، حيث يمثل حق تقرير المصير فكرة السيادة والحرية والاستقلال، وأن استقلال الشعوب وحريتها هو المدخل لاستقلال وحرية أفراد هذه الشعوب وأن المرء لا يمكن أن يكون حراً في مجتمع محتل، فالاحتلال يصادر أصل الحرية.

تجاهل هذا الفكر أن بناء الدولة غير ممكن قبل دحر الاحتلال وقبل استكمال حركة التحرر الوطني الفلسطيني لمشروعها المتمثل في برنامج التحرير.

انحراف أصبح إستراتيجيا والإستراتيجية أصبحت أداة أيديولوجية
من هنا بدأ الفكر السياسي الفلسطيني المهيمن على المقاومة يؤسس لرحلة الشقاء والمتاهة الفلسطينية، وبدأت آليات التمويل الهائلة تتدفق لتعزيز هذا التيار سواء عبر توفير الحشد الشعبي، وتجييش المقاومة وماكينات الإنتاج الأيديولوجي من مثقفين ووسائل إعلام إلى حصار الأصوات المنادية بخطورة النهج وصولاً إلى التمكين لهذا النهج من إعلان الدولة الفلسطينية في مؤتمر الجزائر وتوفير الاعتراف بها قبل أن تبرح هواء القاعة التي أعلنت فيها.

عندما تصبح الدولة هي الهدف يبدأ البحث عن المكان. وهنا بدأت مشاريع التوطين والوطن البديل، وجزء من الوطن تحضر في الجدل السياسي الدائر حول القضية الفلسطينية، ووجد كل طرح من يستجيب له داخل النخبة السياسية المهيمنة على القرار الفلسطيني ومن ينظر له أيضاً. ووجد كذلك من قاومه وقاتل من أجل إسقاطه.

المعركة حول هذه الإستراتيجية شكلت لب الصراع الدائر داخل الحركة الوطنية الفلسطينية والذي قاد إلى الانتفاضة داخل حركة فتح عام 1983م، والذي طال كل الساحة الفلسطينية بعد الاجتياح الصهيوني للبنان وإخراج المقاومة الفلسطينية عام 1982م.

تحول الصراع السياسي بعد تعميم هذا الفكر السياسي إلى صراع على التفاصيل داخل هذه الرؤية، وانشغل العمل السياسي الفلسطيني بهذا الشكل من الصراع ليتم تغييبه لاحقاً لصالح الصراع الفئوي الضيق، ويتحول الصراع إلى بازار تحضر الإستراتيجية فيه وتستخدم استخداماً لخدمة هذا الصراع البائس ويعاد إنتاج الإستراتيجية على شكل أيديولوجيا في خدمة أشكال الصراع السائدة.

"
شكلت الانتفاضة الفلسطينية الكبرى عام 1987 لحظة تصويب مهمة وإعادة وضع القطار الفلسطيني على سكته الصحيحة، وإعادة إنتاج النضال الفلسطيني بوصفه نضالاً شعبياً داخل الأرض/الوطن وعلى الأرض/الوطن، بمعنى صراع على الوطن وليس على الدولة
"
شكلت الانتفاضة الفلسطينية الكبرى عام 1987م لحظة تصويب مهمة وإعادة وضع القطار الفلسطيني على سكته الصحيحة، وإعادة إنتاج النضال الفلسطيني بوصفه نضالاً شعبياً داخل الأرض/الوطن وعلى الأرض/الوطن، بمعنى صراع على الوطن وليس على الدولة.

حدث هذا قبل أن يعاد إلقاء القبض على الانتفاضة ويتم تدوير أهدافها لتصبح صراعاً من أجل سلطة جزئية يتنازل عنها الاحتلال لصالح فئة فلسطينية.

سلطة ترفع عن الاحتلال عبء احتلاله دون أن تقتلع الاحتلال ذاته. وانقسمت الرؤية السياسية الفلسطينية بين من يريد من هذه الانتفاضة أن تحرر كامل التراب الفلسطيني وبين من يريد لها أن تعيد إنتاج القوى السياسية السائدة وإن في مشاريع تهدر جوهر الحق الفلسطيني.

أدى ذلك فيما أدى إليه إلى تحويل الانتفاضة من آلية استنزاف للعدو إلى آلية استنزاف للشعب الفلسطيني، ومن مقدمات نصر يستهدف اقتلاع الاحتلال إلى مقدمات صراع على فتات سلطة مسموم ألقى به الاحتلال لتخفيف العبء عنه.

إذا كانت الدولة الفلسطينية كإستراتيجية قد شكلت انحرافاً حقيقياً عن جوهر الصراع بكل أبعاده فماذا يمكن أن تشكل السلطة؟ إذا قادنا الانحراف من برنامج التحرير إلى برنامج الدولة إلى ما نحن عليه اليوم فإلى أين سيقودنا الصراع على ما هو دون الدولة وهو سلطة الحكم الذاتي الذي أفرزته أوسلو؟

أظن أن ما نحن فيه اليوم يشكل رأس جبل الجليد من الكوارث الذي سيجد شعبنا نفسه غارقاً فيه، والذي تتحمل كل القوى السياسية السائدة المسؤولية التاريخية إزاءه، ما لم تقرر هذه القوى النأي بنفسها عن مشروع السلطة والبدء ببرنامج سياسي فلسطيني يستهدف الحق في الأرض/الوطن والحق في العودة إلى الأرض/الوطن قبل الحق في السيادة عليها سواء عبر السلطة أو عبر الدولة.

وأيضا البدء بتصويب للمفاهيم وتصويب للفكر السياسي المهيمن على الحركة السياسية الفلسطينية والابتعاد عن الاستخدام الرخيص للشعب وللدم في بازارات الفئوية الضيقة، وتصويب آليات العمل بما يتناسب ودقة الأهداف. فتحقيق الأهداف لا ينفصل عن آليات التحقيق.

القوى السياسية الفلسطينية بحاجة إلى تغيير المقدمات والمنطلقات التي أفضت إلى هذا المأزق، فلا يجوز أن تضلل الشعب بإمكانية أن تقود السلطة أو وهم الدولة إلى التحرير ولو الجزئي للأرض الفلسطينية، أو إلى خلاص الشعب الفلسطيني.

السلطة في ظل الاحتلال وحتى الدولة تحت هيمنة الاحتلال وهيمنة الجيوبوليتيك الخاص تصبح عبئاً يدفع ثمنه الشعب مقابل الحفاظ على الدولة، وتدفع الدولة ثمنه من سيادتها مقابل بقاء الكيان الذي يصبح كياناً شكلياً بلا سيادة وبلا مقومات أين منه حتى الاحتلال؟

الدولة أي دولة إذا لم تستطع الإجابة على الأسئلة الأساسية للشعب الذي يشكلها وبوصفها أرقى شكل من أشكال تقرير مصير هذا الشعب فإنها تكون في أحسن أحوالها دولة وظيفية قابلة للإيجار في سوق الأجندات المركزية الإقليمية والدولية ولو على حساب من تسميهم شعبها.

"
كيف ستجيب دولتنا العتيدة أو سلطتنا "الوطنية" على أسئلة تقرير المصير للشعب الفلسطيني ومن هو الشعب الفلسطيني وما هي حدود أرضه وما هي علاقة أجزائه ببعضها؟ كيف ستجيب وهي لليوم لا تستطيع حتى الإجابة عن قوت المواطن اليومي؟
"
كيف ستجيب دولتنا العتيدة أو سلطتنا "الوطنية" على أسئلة تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ومن هو الشعب الفلسطيني، وما هي حدود أرضه وما هي علاقة أجزائه ببعضها، وما هي الوحدة الجغرافية والديمغرافية التي تضمه؟ كيف ستجيب وهي لليوم لا تستطيع حتى الإجابة عن قوت المواطن اليومي؟

المهمة تقع اليوم على النخب السياسية داخل الوطن المحتل، التي غادرت وهم السلطة أو التي لم تدخلها بعد، وبعد حصاد هذه التجربة المريرة، وتتلخص هذه المهمة في إعادة تجليس الفكر السياسي الفلسطيني على قاعدته بعد أن قلبته نخب سياسية سابقة على رأسه.

أما الشعب الفلسطيني خارج الوطن فالمأمول منه أن لا يقف متفرجاً على مباراة السلطة في داخل الوطن، بل مأمول منه أيضاً أن يساهم في محاصرة هذا النهج وأن يأخذ زمام مبادرة للصراع على برنامج العودة بكل ما يتطلبه ذلك من آليات ووسائل، بما يسمح بإعادة بناء أسس الصراع من أجل التحرير وليس من أجل الدولة.

أما نخب الشعب الفلسطيني داخل حدود الـ 48 فعليها تجاوز رطانة المواطنة الإسرائيلية المستحيلة، والحقوق المتساوية غير الممكنة إلى الحق الأساس وهو حق الإنسان الذي هو جزء من شعب في تقرير مصيره فوق أرض وطنه التي لم يغادرها بعد.

إنه برنامج وحدة الأرض الفلسطينية ووحدة الشعب الفلسطيني ووحدة القضية الفلسطينية، وليس برنامج دولتين لشعبين، هو في حقيقته دولة واحدة مهيمنة هي الكيان الصهيوني وسلطة مدنية لجزء من شعب منفي داخل وطنه وخارجه.
ــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة