علاء بيومي

خطأ الاختزال
خطأ التضخيم
الفرق بين المحافظين الجدد وصقور واشنطن

من يعتقدون أن هزيمة الجمهوريين في الانتخابات الأميركية الأخيرة تعني نهاية نفوذ المحافظين الجدد وصقور واشنطن مخطئون لأسباب عديدة.

فهم يختزلون المحافظين الجدد في مجموعة صغيرة من الخبراء والسياسيين المحيطين بالإدارة الأميركية تنتهي بإقالتهم أو استقالتهم، كما يقومون في نفس الوقت بتضخيم نفوذ هذه المجموعة المحدودة ونسيان التحالفات السياسية التي اعتمدت عليها في الوصول إلى زمام السلطة ومقاليد الحكم بالولايات المتحدة، أما السبب الثالث فهو أن أصحاب هذا الاعتقاد يقعون في خطأ شائع وهو الخلط بين المحافظين الجدد وصقور واشنطن.

والواضح بالطبع أن صقور واشنطن أقدم بكثير من المحافظين الجدد، كما أنهم باقون سواء بقي المحافظون الجدد أو رحلوا فوجودهم يرتبط بأسباب مختلفة وعديدة يصعب التخلص منها، ولإيضاح الأخطاء التحليلية السياسية السابقة الشائعة والهامة رأينا كتابة المقال الراهن.

خطأ الاختزال

"
من الأخطاء الشائعة عن المحافظين الجدد اختزالهم في مجموعة صغيرة من السياسيين المحيطين بالرئيس بوش، ويعيب هذا الاعتقاد تحديان أولهما أن بعض أهم رموز المحافظين الجدد مازالوا باقين في مناصبهم, وثانيهما أنهم ليسوا ساسة فقط بل كتابا ومفكرين ومثقفين
"
أحد الأخطاء الشائعة عن المحافظين الجدد هو اختزالهم في مجموعة صغيرة من السياسيين المحيطين بإدارة الرئيس الأميركي جورج بوش من أمثال بول ولفويتز وجون بولتون ودوغلاس فايث وإليوت إبرامز وريتشارد بيرل، والكتاب والمثقفين المعروفين المعبرين عن هذا التيار من أمثال ويليام كريستول وتشارلز كروثهمر وماكس بوت.

ويترتب على الاعتقاد الاختزالي السابق تصور البعض أن باستقالة أو إقالة هؤلاء الأشخاص تكون الإدارة الأميركية وسياسة أميركا الخارجية قد تخلصت من نفوذ المحافظين الجدد وصقور واشنطن، ومن ثم الاعتقاد بأن الإدارة الأميركية اقتربت في الوقت الحالي من التخلص من نفوذ المحافظين الجدد بشكل كلي بعد أن تخلصت بالفعل من عدد كبير من أهم رموز المحافظين الجدد خلال العامين الماضيين.

فقد استقال بول ولفويتز من منصب نائب وزير الدفاع الأميركي ليصبح رئيسا للبنك الدولي، كما استقال دوغلاس فايث من منصب مدير السياسات بوزارة الدفاع في أغسطس 2005، واستقال لويس ليبي كبير موظفي مكتب نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني في أكتوبر/تشرين الأول 2005 بعد توجيه تهم إليه في قضية تسريب اسم إحدى عميلات الاستخبارات الأميركية، هذا إضافة إلى ريتشارد بيرل الذي استقال من مجلس سياسات الدفاع الاستشاري التابع لوزارة الدفاع خلال إدارة بوش الأولى.

ويعيب الاعتقاد السابق تحديان، أولهما أن بعض أهم رموز المحافظين الجدد مازالوا باقين في الإدارة الأميركية من أمثال جون بولتون سفير أميركا لدى الأمم المتحدة، وإليوت إبرامز نائب مستشار الأمن القومي الأميركي المسؤول عن الدفع بأجندة بوش لنشر الديمقراطية بالشرق الأوسط.

وثانيهما وهو الأهم أن المحافظين الجدد ليسوا ساسة فقط فخطورتهم تكمن في أنهم كتاب ومفكرون ومثقفون أصحاب فكر متجدد وقدرة لا تنتهي على الجدل، وهذا يعني أن نفوذ المحافظين الجدد صعب التحجيم، فالأفكار لا تقال أو تستقيل، وخلال السنوات الأخيرة ساند المحافظون الجدد بقوة عددا من الأفكار التي اكتسبت رواجا واسعا في واشنطن وعلى رأس هذه الأفكار الإيمان بأن أمام أميركا فرصة غير مسبوقة لإعادة صياغة النظام العالمي نابعة من حالة الفراغ التي يعشها النظام العالمي الراهن بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.

وهو فراغ يجب أن تملأه أميركا –كما ينادي المحافظون الجدد- انطلاقا من الهوية الأميركية ذاتها التي تؤمن بأن الأميركيين شعب خير ديمقراطي غير استعماري يريد مساعدة العالم القديم على اللحاق بالعالم الجديد المتقدم الذي تمثله أميركا.

كما يؤمن المحافظون الجدد بأن الخطر الأساسي الذي يهدد أميركا حاليا هو خطر الإرهاب الذي تقوم به جماعات مسلمة في الأساس يختلف المحافظون الجدد على تسميتها، ولكنهم يتفقون على أن العالم الإسلامي عموما والشرق الأوسط خصوصا هما نقطة انطلاق أميركا في سياستها لإعادة بناء النظام العالمي الراهن.

وكان المحافظون الجدد يؤمنون في الماضي بأنهم قادرون على التدخل العسكري لإعادة بناء الدول كالعراق وأفغانستان وجعلها نموذجا لقدرة أميركا على التدخل وإعادة البناء ومساعدة الأصدقاء والتغيير، وبالطبع أثبتت العراق فشل الفكرة السابقة، كما أثبتت أن المحافظين الجدد مغرورون ومثاليون وغير قادرين على فهم حدود القوة الأميركية.

لكن إدراك الأميركيين لأخطاء المحافظين الجدد وإفراطهم لا يعني تخلص واشنطن من جميع أفكار المحافظين الجدد خاصة فيما يتعلق بالاعتقاد في دور أميركا الدولي المدفوع برسالة أميركا القدرية، وكذلك فيما يتعلق بالتركيز المبالغ فيه على العالم الإسلامي.

وسبب ذلك هو أن ترويج المحافظين الجدد للفكرتين السابقتين تزامن مع إيمان جماعات أميركية أخرى عديدة بنفس الأفكار مثل المسيحيين المتدينين ولوبي إسرائيل بل وبعض الليبراليين الأميركيين، فالنزعة التدخلية في السياسية الخارجية الأميركية والتركيز الأميركي على العالم الإسلامي لهما جذور عديدة بنى عليها المحافظون الجدد تصورات جديدة تناسب عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 ولم يبتدعوها.

خطأ التضخيم

"
لم يكن المحافظون الجدد ليسيطروا على مقاليد صنع السياسة بأميركا دون موافقة ضمنية من القوى السياسية اليمينية وقوى المحافظين التقليديين, كما أن تلك القوى تمتلك أحيانا بعض الأفكار الأكثر تشددا من المحافظين الجدد
"
ويقودنا هذا إلى الحديث عن الخطأ التحليلي الرئيسي الثاني الذي يرتكبه بعض المعنيين بحاضر ومستقبل المحافظين الجدد، وهو الخطأ المتعلق بإغفال التحالف السياسي الذي اعتمد عليه المحافظون الجدد في الوصول إلى السلطة، والكل يعلم هنا أن المحافظين الجدد هم تيار فكري سياسي لا يمتلك قواعد جماهيرية انتخابية حقيقية مثل الجماعات المكونة لقوى المحافظين والجمهوريين في أميركا.

وهذا يعني أن المحافظين الجدد اعتمدوا على قوى أخرى ذات قواعد جماهيرية انتخابية قبلت بأفكارهم لأسباب مختلفة وأعطتهم تفويضا للعمل باسمها على ساحة سياسة الجمهوريين الخارجية خلال السنوات الستة الأخيرة.

ومن المعروف أن الجمهوريين حكموا أميركا خلال السنوات الأخيرة معتمدين على تحالف واسع من القوى السياسية اليمينية مثل الناخبين الإنجليكيين وأثرياء الجنوب الأميركي وقوى المحافظين التقليديين بولايات الجنوب والغرب الأميركي وأخيرا المحافظين الجدد.

وبالطبع لم يكن المحافظون الجدد ليسيطروا على مقاليد صنع السياسة بأميركا دون موافقة ضمنية من هؤلاء، وهنا يلاحظ أن تلك القوى تمتلك أحيانا بعض الأفكار الأكثر تشددا من المحافظين الجدد على ساحة السياسة الخارجية الأميركية.

فعلى سبيل المثال ينطلق المسيحيون المتدينون في رؤيتهم للسياسة الخارجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط والعالم من منطلقات دينية خطيرة تؤمن بأن العالم وأميركا يسيران بسرعة إلى نقطة هاوية صدامية تمثل نهاية العالم من خلال حرب تأتي على الأخضر واليابس ويكون مركزها الشرق الأوسط ويقودها العالم كله ضد أميركا وحلفائها وعلى رأسهم إسرائيل.

وبالطبع لا يثق الإنجليكيون في المنظمات الدولية ولا يؤمنون بقضايا مثل الحد من التسلح أو تخفيض النفقات العسكرية الأميركية، فأميركا بالنسبة لهم تستعد لحرب قادمة طاحنة لا راد لها.

أما النخب الأميركية المحافظة التقليدية فهي انعزالية بطبيعتها لا تثق في المنظمات الدولية أو في العالم الخارجي ولا تؤمن إلا بالقوة الأميركية وزيادتها المستمرة وبناء المزيد منها، وإن كانت تلك القوى أقل نزعة لاتباع سياسة خارجية تدخلية أو للدخول في مغامرات عسكرية غير مقبولة، فنظرة تلك الجماعات التشاؤمية ضد كل ما هو أجني خارجي تجعل المغامرات الدولية بالنسبة لها أمرا غير ضروري لا يستحق التضحية من أجله.

لذا عارض بعض المحافظين التقليديين سياسة المحافظين الجدد التدخلية، ولكن بشكل عام لم تكن معارضة المحافظين التقليديين لسياسة المحافظين الجدد كافية خاصة في ظل تأييد المحافظين المتدينين لتلك السياسة وفي ظل طبيعة اليمين الأميركي الغالبة والتي لا تميل للثقة في المنظمات الدولية أو في العالم الخارجي.

وبدون تلك المشاعر والنزعات القوية الراسخة لم يكن المحافظون الجدد ليتمكنوا من فعل ما فعلوه، كما يمثل بقاء تلك المشاعر والنزعات ضمانة لا يستهان بها لاستمرار سياسات وأفكار المحافظين الجدد حتى بعد زوالهم وهو ما يجعلنا أقل إيمانا بمقولة "نهاية نفوذ المحافظين الجدد".

الفرق بين المحافظين الجدد وصقور واشنطن

"
صفة الصقور بما تعنيه من تشدد وتعنت ولي عنق الحقائق والميل للنزعة التدخلية العسكرية في السياسة الخارجية الأميركية هي صفة يصعب قصرها على المحافظين الجدد, بل يمكن أن تشمل بعض قيادات الحزبين الجمهوري والديمقراطي, وهو ما يعني خطأ الخلط بين الفريقين
"
أما السبب الرئيسي الثالث لاعتقادنا ببقاء المحافظين الجدد فهو إيماننا بخطأ الخلط بين المحافظين الجدد وصقور واشنطن، وهنا يلاحظ أن بعض التحليلات تستخدم مصطلح الصقور للإشارة إلى بعض الشخصيات المتشددة بإدارتي الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش الأولى والثانية وعلى رأسها ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي ودونالد رمسفيلد وزير الدفاع الأميركي المستقيل بالإضافة إلى رموز المحافظين الجدد مثل ولفويتز وفايث وليبي وإبرامز وغيرهم.

والمعروف أن تشيني ورمسفيلد أكثر تأثيرا بدرجة كبيرة من أهم رموز المحافظين الجدد، فكتاب مثل كتاب بوب ودوورد الأخير "حالة إنكار" يركز في الأساس على رمسفيلد ومن خلفه تشيني كأكبر المسؤولين عن أزمة أميركا في العراق ويكاد لا يتناول المحافظين الجدد إلا عابرا.

أضف إلى ذلك أن صفة الصقور بما تعنيه من تشدد وتعنت ولي عنق الحقائق من أجل الإيدلوجيا والميل للنزعة التدخلية العسكرية في السياسة الخارجية الأميركية هي صفة يصعب قصرها على المحافظين الجدد أو على تشيني ورمسفيلد، فهي صفة يمكن أن تشمل العديدين بما في ذلك بعض قيادات الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونغرس وعدد ليس بالقليل من خبراء واشنطن.

وقد يعود ذلك إلى عدة أسباب على رأسها اعتقاد بعض المحلليين أن القوي السياسية الأميركية مالت بشكل عام خلال السنوات الأخيرة لتبني أجندات سياسية متشددة على ساحة السياسة الخارجية وتبني سياسة أميركية داخلية أقل ليبرالية وذلك سعيا من جانب تلك القوى لاجتذاب مزيد من أصوات الجماعات اليمينية الأميركية المتدينة التي صعدت بقوة في السياسة الأميركية منذ السبعينيات وباتت تمثل قوة لا يستهان بها في الساسة الأميركية.

هذا إضافة إلى تأثير الفترة التالية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 وتأثير عوامل أخرى كزيادة الفجوة بين الأثرياء والأغنياء في أميركا وثورة المحافظين الأميركيين على ميراث ثورة الحقوق المدنية على المستويات الحقوقية والاقتصادية وهي عوامل دفعت مجتمعة السياسة الأميركية نحو اليمين وفرضت على السياسيين الأميركيين اتخاذ سياسات متشددة تجاه الخارج الدولي والداخل الأجنبي تحت ضغوط الظروف والجماعات المتشددة.

وهنا يلاحظ أن بعض قيادات الديمقراطيين بالكونغرس كانت تلجأ أحيانا –خلال السنوات الست الأخيرة- للمزايدة على مواقف الجمهوريين المتشددة تجاه قضايا الشرق الأوسط وعلى رأسها الصراع العربي الإسرائيلي للظهور في صورة الحزب الأكثر صرامة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية.

أضف إلى ذلك العامل المتعلق بدور اللوبيات وعلى رأسها اللوبي الموالي لإسرائيل وتأثيره على السياسة الخارجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط، وهنا يلاحظ أن لوبي إسرائيل بمؤسساته وقياداته المختلفة أكثر استمرارا من المحافظين الجدد كما أنه قد يفوقهم أيضا من حيث التنظيم المؤسسي والانتشار في مؤسسات صنع السياسة الخارجية الأميركية المختلفة.

كما يشير بعض المفكرين الأميركيين الليبراليين من أمثال نعوم تشومسكي إلى أن السياسة الأميركية ذاتها بطبيعتها البراغماتية الراسخة ومصالحها المتعددة تقف عائقا هاما أمام التخلص من النزعة الصقورية بالسياسة الأميركية.

حيث يرى هؤلاء أن السياسة الأميركية كانت دوما مدفوعة برغبة النخب الأميركية المسيطرة في الوصول إلى منابع ثروات العالم وأسواقه بشكل مضمون ومستقر حتى ولو أدى ذلك لأن تتبنى أميركا سياسة قصيرة النظر تستخدم القيم كحقوق الإنسان والديمقراطية استخداما براغماتيا محدودا لا يضر بمصالحها المادية البعيدة المدى.
ــــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة