بشير موسى نافع

يعتبر تجانس الأمة العرقي والديني واحداً من أبرز الأساطير التي أفرزتها فكرة الدولة القومية، التي هي الصورة الأهم للدولة الحديثة. لأن الدولة القومية الحديثة نهضت على أساس السيادة على الأرض والشعب، وتماهي الأمة مع مؤسسة الدولة، فقد استبطن تصور هذه الدولة تجانس الأمة الكامل.

في النموذج الألماني للقومية يفترض وجود أصل عرقي واحد للشعب الألماني كله، وفي النموذج الفرنسي نهضت الدولة بمهمة فرض التجانس اللغوي والثقافي على الشعب مستخدمة كل الوسائل الممكنة.

ولدت الدولة الحديثة منذ منتصف القرن السابع عشر، ولكنها اكتسبت ملامحها المميزة بالتدريج ضمن عملية تاريخية طويلة (وقد يُلاحَظ أن هذه العملية ما زالت مستمرة).

ولكن الفكرة القومية احتاجت مائة عام أخرى لتبدأ في التبلور، ولتجتاح بالتالي الساحة الأوروبية ثم أغلب مناطق العالم. وبغض النظر عن قبول الاتفاق أو التمايز بين مؤسسة الدولة الحديثة والفكرة القومية، فبعد مرور كل هذا الزمن على ولادة دول مستقرة وعميقة الجذور كالدولتين الفرنسية والبريطانية بل كل الدول الأوروبية الغربية الأخرى تقريباً نجد أن فكرة تجانس الأمة هي فكرة لا أساس لها.

"
ولدت الدولة الحديثة منذ منتصف القرن السابع عشر، واحتاجت الفكرة القومية مائة عام أخرى لتبدأ في التبلور، وبغض النظر عن قبول الاتفاق أو التمايز بين مؤسسة الدولة الحديثة والفكرة القومية، نجد أن فكرة تجانس الأمة هي فكرة لا أساس لها
"
ينقسم البريطانيون إلى كاثوليك وبروتستانت، وإلى إنجليز وأسكوتلنديين وويلزيين وإيرلنديين شماليين؛ هذا إن غضضنا النظر عن التنوع العرقي والديني الذي نجم عن هجرات أوروبية وآسيوية وأفريقية وكاريبية.

أما الأمة الفرنسية فتتكون من خليط من الباسك الفرنسيين البريتانيين الكورسيكيين، والكاثوليك وغير الكاثوليك، إضافة إلى أبناء المستعمرات السابقة في شمال وغرب أفريقيا.

وما ينطبق على هاتين الدولتين/الأمتين العريقتين اللتين تركتا الأثر الأوسع والأعمق على ثقافة العالم ورؤية شعوبه لنفسها ينطبق على ألمانيا وروسيا وإيطاليا وبلجيكا وسويسرا وغيرها.

بيد أن أي منطقة من العالم لم تعرف التنوع الإثني والديني كما تعرفه المنطقة العربية الإسلامية. ففي هذا المجال القاري الكبير الممتد من جبال الكرد إلى جبال أطلس يشكل العرب الأكثرية، وتهيمن الثقافة العربية الإسلامية.

ولكن هذا ليس أكثر من جانب واحد من الصورة. فالعرب أنفسهم لا ينتمون إلى أصل إثني واحد، بل إن الكثير منهم تجري في عروقه دماء تعود لهذه المجموعة الإثنية أو تلك ممن استوطن أو هاجر أو مر بهذه المنطقة الوسيطة من العالم القديم.

والعرب بالرغم من الأغلبية الإسلامية السنية في أوساطهم بينهم مسلمون شيعة وعليون ودروز, فضلا عن مسيحيين من كافة الطوائف. وفي جنبات الأكثرية العربية ثمة أكراد وبربر وتركمان وسريان وأشوريون ومصريون أقباط وأفارقة، وغيرهم من المجموعات الإسلامية الأصغر التي استوطنت المنطقة خلال الحقبة العثمانية الطويلة.

وإلى جانب المنطقة العربية تقع دول إسلامية كبرى كإيران وتركيا، لا تقل تنوعاً عن المنطقة العربية. بل إن إيران تعتبر واحدة من أكثر بلدان العالم تنوعاً على الإطلاق، سواء نظرنا إلى الديمغرافيا الإيرانية من جهة الدين والطائفة أو من الجهة الإثنية.

وبالرغم من العنف الثقافي (وأحياناً العنف المجرد) الذي مارسته الدولة التركية الحديثة على شعبها، وترويجها فكرة الأصل التركي الواحد لكل سكان تركيا، فإن دارسي التاريخ والاجتماع التركي يعرفون أن هذه الفكرة هي مجرد إنشاء أسطوري.

فالأمة التركية لا تتشكل من أتراك وأكراد فحسب، بل من موجات من الهجرات الإسلامية الأوروبية، من تتار وشركس وبوسنيين وألبان ويونانيين وغيرهم.

"
المسألة الهامة في تاريخ الاجتماع العربي الإسلامي هي أن ثقافة المنطقة شرعها ووعيها الجمعي، اعترفت دائماً بالتنوع وأخذته في الاعتبار 
"

المسألة الهامة في تاريخ الاجتماع العربي الإسلامي هي أن ثقافة المنطقة شرعها ووعيها الجمعي، اعترفت دائماً بهذا التنوع وأخذته في الاعتبار.

ففيما عدا الجزيرة العربية، حيث يعتقد عموم المسلمين ضرورة بقائها منطقة إسلامية خالصة، لعب التنوع الإثني والديني دوراً كبيراً في التاريخ والسياسة والحضارة العربية الإسلامية.

وبعد فترة قصيرة نسبياً من الهيمنة العربية على الدولة الإسلامية خلال العهد الأموي، أعادت الثورة العباسية الفعالية لقيم المساواة في الاجتماع الإسلامي.

وبالرغم من استمرار الخلافة في البيت العباسي ببغداد زهاء خمسة قرون، لم يجد المسلمون غضاضة في صعود غير العرب إلى قمة السلطة السياسية. بل إن التجربة التاريخية الإسلامية تكاد تكون الوحيدة في التاريخ التي قبلت سلطنة الجند/العبيد، كما هي حالة السلطنة المملوكية.

أما فيما يتعلق بغير المسلمين فمن المؤكد أن الثقافة الإسلامية الفقهية لم تعرف فكرة التسامح، التي هي فكرة أوروبية حديثة تعود إلى رغبة أوروبا في التحرر من الدمار والتعصب الذي عاشته أثناء الحروب الدينية في القرن السابع عشر.

ولكن المؤكد أيضاً أن البنية التشريعية الإسلامية ترتقي إلى ما هو أعلى من فكرة التسامح؛ إذ إن الفقه الإسلامي يؤسس حقاً قانونياً لغير المسلمين في الوجود داخل دار الإسلام؛ وهو بالتالي حق مفترض وليس مجرد قبول بالتعايش يتفضل به تسامح الأكثرية مع الأقلية.

وما إن بدأت الحقبة العثمانية الطويلة، حتى طور المسلمون نظام الملل الذي وفر لكل مجموعة دينية استقلالاً كاملاً لإدارة شؤونها الذاتية.

لا يعني هذا أن أوضاع غير المسلمين كانت دائماً مريحة، ولكن الملاحظ على أية حال أن مظاهر التعصب الإسلامي ضد غير المسلمين أو ظلمهم ارتبطت في أغلب الأحيان إما بحاكم ظالم عموماً (للمسلمين وغيرهم) أو بردود فعل على مظالم طويلة المدى أوقعتها أمم أوروبية غير مسلمة بالمسلمين، كما حدث إبان حقبة إعادة السيطرة الإسبانية المسيحية على شبه الجزيرة الإيبيرية.

فمن وقت لآخر كانت روايات المسلمين المهجرين من إسبانيا إلى مصر وشمال أفريقيا حول ظلم الممالك المسيحية تثير ردود فعل على هذا المستوى أو ذاك ضد غير المسلمين في البلاد الإسلامية.

ولكن نتائج أربعة عشر قرناً من التجربة الإسلامية تظل شاهداً على الإيجابية الإنسانية الفائقة للاجتماع الإسلامي. فمن مصر إلى بلاد الشام، ومن سهول الشمال العراقي إلى ضفاف أسفل دجلة، لا تزال الطوائف والكنائس المسيحية المختلفة مزدهرة، ولا تزال حتى الطوائف من غير أهل الكتاب كالصابئة واليزيدية توجد في الفضاء الجغرافي ذاته الذي توجد فيه منذ قرون.

وقد

"
لعب التنوع الإثني دوراً كبيراً في المحافظة على استمرار التجربة التاريخية الإسلامية، من العرب إلى الفرس، ومن التركمان إلى السلاجقة، ومن العثمانيين إلى القبائل البربرية
"
لعب التنوع الإثني دوراً كبيراً في المحافظة على استمرار التجربة التاريخية الإسلامية، من العرب إلى الفرس، ومن التركمان إلى السلاجقة، ومن العثمانيين إلى القبائل البربرية.

كما لعبت المجموعات الدينية أو الدينية/الإثنية دوراً لا يقل أهمية في صناعة الحضارة وتطور ثقافة بالغة الثراء في المنطقة، منذ انخراط الأقباط في الجهود البحرية الإسلامية المبكرة، إلى تعهد السريان واليهود الترجمة من اليونانية إلى العربية، إلى النشاط اليوناني والأرمني الثقافي والتجاري الواسع خلال الفترة العثمانية، إلى دور المسيحيين العرب المشارقة في الإحياء النهضوي العربي الحديث.

ولكن ظاهرة التنوع في الاجتماع العربي الإسلامي تشهد وضعاً متأزماً منذ أكثر من قرن من الزمان، وقد ازدادت هذه الأزمة تفاقماً خلال السنوات القليلة الأخيرة.

المجتمعات اليهودية التي عاشت قروناً طويلة وسط الاجتماع العربي الإسلامي اختفت أو كادت منذ عقود. وثمة أزمة طائفية سنية شيعية، تمتد من العراق ولبنان وشرق المملكة العربية السعودية إلى بعض من دول الخليج وإيران وباكستان.

وبالرغم من التلاحم الوطني الفلسطيني العميق الجذور هناك تناقص مطرد في الوجود المسيحي داخل حدود فلسطين. وثمة مشكلة قبطية في مصر تتراجع أو تتصاعد حدة تبعاً للظروف السياسية وتوجهات القيادات الكنسية.

القوى الكردية العراقية تعمل على تأسيس وضع هو أقرب إلى الانفصال عن العراق منه إلى الوحدة، بينما تعود مسألة الهوية البربرية من وقت إلى آخر لتثير كثيراً من القلق في الجزائر والمغرب على وجه الخصوص.

بل إن الناظر إلى المشهد العربي الإسلامي الكبير يكاد يرى حالة انفراط كاملة للأسس التي ارتكزت إليها ظاهرة التنوع في تاريخ المنطقة الطويل.

وتعود هذه الأزمة المتفاقمة إلى كثير من الأسباب، منها الآثار البالغة التعقيد التي تركتها المواجهة غير المتكافئة بين المنطقة العربية الإسلامية والقوى الأوروبية الإمبريالية، ومنها الإحساس العميق بالضعف والتهديد الذي عاشته شعوب المنطقة خلال القرنين الماضيين، ومنها محاولة القوى الكبرى المحافظة على مواقعها في المنطقة من خلال العبث بالتنوع الديني أو الطائفي أو الإثني، ومنها مشكلة الدولة الحديثة في المنطقة التي هي بطبيعتها دولة الأكثرية، في وقت بات من الشائع اعتبار أنظمة الذمة أو الملل التقليدية أنظمة متخلفة لا تناسب روح وثقافة العصر.

و

"
التنوع الديني والإثني هو نعمة ونقمة في الوقت نفسه، هو نعمة عندما يصب باتجاه الوحدة والاستقرار والإثراء الثقافي والحضاري، وهو نقمة عندما يستجيب لمحفزات التشظي والانقسام والصراع
"
ما يغيب عن الوعي الجمعي لشعوب المنطقة وثقافتها المعاصرة هو أن الهويات ليست كائنات أصيلة وتاريخية ودائمة بالضرورة، وأنها تولد وتنمو وتختفي أو تتراجع بفعل عوامل تاريخية وظروف موضوعية.

الهويات هي نتاج عملية إنشائية لا وليدة جينات موروثة. في ظروف ما قد يتصاعد الإحساس بالهوية الطائفية أو المذهبية إلى حد الصدام المسلح، وفي أحيان أخرى يغلب الجامع الوطني أو القومي على قوى التشظي والانقسام.

وليس هناك من شك في أن التنوع الديني والإثني هو نعمة ونقمة في الوقت نفسه، هو نعمة عندما يصب في اتجاه الوحدة والاستقرار والإثراء الثقافي والحضاري، وهو نقمة عندما يستجيب لمحفزات التشظي والانقسام والصراع.

وربما بات من الضروري، بالرغم من وقوع المنطقة العربية الإسلامية في قلب اهتمامات وتدافعات القوى العالمية، أن تتحمل قوى الداخل بمثقفيها وعلمائها وأكاديمييها مسؤولية إعادة الاعتبار لثقافة التنوع.

فالتدخلات الخارجية قد لا تنتهي في المدى المنظور، ولكن شعوب هذه المنطقة باقية في بلادها كما وجدت فيها منذ أقدم العصور. ومن أجل أن تستمر الحياة وتزدهر لابد للتنوع من أن يزدهر لا أن يتحول إلى عنصر انفجار وحرب أهلية من وقت إلى آخر.
ــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة