عاطف عبد الحميد

- استقلال لا مفر منه
- اقتصاد المرحلة الانتقالية
- بين النجاح والفشل

"حين انهارت السوفياتية عاشت آسيا الوسطى لحظات مدهشة كان أبرزها تلك المشاهد التي أزيحت فيها فجأة أفكار ماركس وصور لينين لتفسح الطريق من جديد لتعاليم محمد صلى الله عليه وسلم، كما تقدم الرؤساء الشيوعيون ليقسموا يمين الرئاسة على القرآن" (ديليب هيرو في كتاب "بين ماركس ومحمد"/1993).

أثار مشهد عشرات الآلاف من الثوار -الذين عسكروا في وسط العاصمة القرغيزية في الأسبوع الأول من الشهر الجاري يطالبون بالحرية وإنهاء الاستبداد وتحسين الأوضاع المعيشية- التساؤل حول حصاد السنوات التي مضت منذ تفكك السوفياتية.

وكنا قد قدمنا في هذه الزاوية عدة تحليلات للأبعاد الدينية والسياسية في آسيا الوسطى، ويبدو مفيدا لو أكملنا الصورة في ذكرى مرور 15 سنة على نيل هذه الدول استقلالها عن الاتحاد السوفياتي.

"
السنوات التي أعقبت الاستقلال أثبتت أن ما كانت تخشاه كزاخستان وأوزبكستان كان له ما يبرره، إذ وقعت هذه الدول بين المطرقة والسندان حين ثارت عليها القوى المعارضة من الداخل، والقوى الخارجية التي غزت أفغانستان سعيا إلى إقامة قواعد عسكرية
"
استقلال لا مفر منه

لم يكن انهيار الاتحاد السوفياتي موتا مفاجئا للنظم الحاكمة في دول آسيا الوسطى فحسب، بل كان موتا غير مرغوب فيه لأغلب تلك النظم التي خشيت المجهول.

ولهذا فقد تباطأت دولة مثل كزاخستان التي انتظر رئيسها نور سلطان نزارباييف إلى آخر لحظة عل الأنفاس تعود إلى الاتحاد السوفياتي من جديد.

فالموقع المهم بالنسبة لموسكو، وما بحوزة كزاخستان من ترسانة نووية، ومحطة إطلاق المركبات الفضائية، والثروة النفطية، وأكثر من ثلث سكانها من السلافيين جعل كزاخستان آخر من أعلن الاستقلال في 16 ديسمبر/كانون الأول 1991، بعد أسبوع كامل من إعلان تفكك الاتحاد السوفياتي رسميا.

كما كانت أوزبكستان من الدول التي شعر رئيسها إسلام كريموف الذي صار رئيسا بعد الاستقلال كنظيره الكزاخي، أن الموقع الحبيس لدولته لا يصنع له موقعا مشجعا إن استقل عن روسيا التي كانت تضمن له مزية الارتباط بقوة عظمى.

وقد أثبتت السنوات الطويلة التي أعقبت الاستقلال أن ما كانت تخشاه كزاخستان وأوزبكستان كان له ما يبرره، فقد وقعت هذه الدول بين المطرقة والسندان، حين ثارت عليها القوى الأيديولوجية من الداخل ساعية إلى إقامة حكم إسلامي، والقوى الخارجية التي غزت أفغانستان وسعت لإقامة القواعد العسكرية.

ولقد أدى هذا إلى تردد موقف الحكومة الأوزبكية بين موسكو وواشنطن، تخاصم هذه تارة وتصالح تلك تارة أخرى، غير أنه منذ عام 2005 – مع اشتداد النقد الأميركي للقبضة الداخلية ضد المعارضة– عادت أوزبكستان من جديد إلى الفلك الروسي.

الوضع في تركمانستان كان لافتا للغاية، لأن الاستقلال الذي أعلن عنه في أكتوبر/تشرين الأول 1991 حمل تغيرات رمزية بدت جد ملفتة.

وكما اعتبر تغيير أسماء الشوارع في كزاخستان من أسماء شيوعية إلى أسماء محلية خطوة معتبرة على طريق تدعيم القومية الكزاخية، غير الرئيس الشيوعي السابق صابر مراد نيازوف لقبه – حين أصبح رئيسا لتركمانستان المستقلة- إلى "تركمانباشي" أي "أبو الشعب التركماني".

وفي الوقت الذي تخلى فيه نيازوف عن الرموز الشيوعية، غازل ملامح قومية أخرى ليست أقل رمزية، حين قرر أعيادا وطنية كيوم العلَم ويوم السجاد ويوم البطيخ.

وإذا نقلنا هنا وجهة النظر الشيوعية، رأينا للسوفياتية بعضا من الحسنات حين قامت بدور القابلة التي استلمت المولود التركماني من حالة شبه قبلية ونصف بدوية تقوم على الرعي وزراعة الواحات قبل الثورة الشيوعية إلى دولة حديثة تعتمد الزراعة والصناعة، واستخراج الخامات المعدنية، وذلك حين انهار الاتحاد السوفياتي في عام 1991.

على الزاوية الأخرى من الخريطة عرفت قرغيزستان مخاضا صعبا بسقوط الاتحاد السوفياتي، ولم تكن تبعات الترويس الثقافي أقل صعوبة، حتى أن الرئيس القرغيزي عسكر أكاييف قد اجتاز اختبار اللغة القرغيزية -كشرط للترشح لمنصب رئيس البلاد في عام 2000- بصعوبة بالغة، كما لم يكن زعيم المعارضة فيلكس كولوف يتحدث لغة وطنه ولا يجيد كتابتها حين اختير نائبا للرئيس القرغيزي مطلع التسعينيات.

وفي الثورة السلمية التي جرت مؤخرا في نوفمبر/تشرين الثاني 2006 خاطب الرئيس كرمان بك بكاييف الشعب معلنا تقليص صلاحيته لصالح البرلمان بلسان روسي مبين وليس بلغة وطنه القرغيزية.

في النصف الأول من التسعينيات حاول الرئيس عسكر أكاييف المرور بقرغيزستان إلى طريق الديمقراطية، قبل أن تسقط بلاده في مشكلات الفساد والاضطراب الذي أدى إلى اشتعال انتفاضة شعبية عرفت بثورة مارس/آذار في عام 2005.

أتت تلك الثورة بالمعارض كرمان بك باكييف الذي كان أكاييف قد أودعه السجن، وكاد الأخير أن يتجرع نفس الكأس في نوفمبر/تشرين الثاني 2006 لولا مرونته الفائقة.

الدولة التي دفعت ثمنا غاليا لسقوط الاتحاد السوفياتي في أوراسيا كانت طاجيكستان التي وقعت في حرب أهلية امتدت من العام التالي للاستقلال 1992 حتى عام 1997 قبل أن تبدأ الأوضاع فيها في الاستقرار منذ عام 2000، ذلك العام الذي يعد بداية لعلاج ما نتج عن الحرب من مشكلات.

"
عند انهيار الاتحاد السوفياتي واجهت دول آسيا الوسطى مشكلة أحادية الاقتصاد، في الوقت الذي كانت فيه معدلات النمو السكاني تتزايد بدرجة شارفت على أن تشكل قنبلة موقوتة
"
اقتصاد المرحلة الانتقالية
تعيش دول آسيا الوسطى مرحلة انتقالية عند المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويصنفها كثير من المتابعين ضمن دول العالم الثالث، إذ خرجت معظمها بقاعدة اقتصادية زراعية شكلت النسبة الأكبر من قوة العمل، وإن لم تسهم بسوى نحو 20% من إجمالي الناتج القومي.

وكانت دول آسيا الوسطى السوفياتية تعتمد على نوع بعينه من السلع للتصدير، فبدت أحادية النظام الاقتصادي، مثل الغاز التركماني، والنفط والمعادن من كزاخستان، والقطن في أوزبكستان وطاجيكستان.

بل إن الأحادية في الاعتماد على موارد بعينها بدت حين انهيار الشيوعية ملفتة للغاية، إذ كانت طاجيكستان تحصل على 40% من دخلها القومي من مصنع واحد هو مصنع "تورسونزاده" للألومنيوم.

كما عرفت بعض جمهوريات آسيا الوسطى بجمهوريات القطن، المحصول النقدي الذي سخر الاتحاد السوفياتي ثلثي الأراضي الزراعية الغنية في هذه البلاد لإنتاجه.

وفي ظل هذه الأحادية لم يُشرك اقتصاد آسيا الوسطى في المركب الاقتصادي السوفياتي بنصيب ذي قيمة، بل ترك متأخرا يقدم فقط المواد الخام، وهي سمة أصيلة في النظم الكولونيالية التقليدية.

وحين انهار الاتحاد السوفياتي واجهت دول آسيا الوسطى مشكلة أحادية الاقتصاد، في الوقت الذي كانت فيه معدلات النمو السكاني تتزايد بدرجة شارفت على أن تشكل قنبلة موقوتة.

فقد أدت المتطلبات المائية الكبيرة لمحصول القطن إلى استنزاف موارد مياه نهري سير داريا (سيحون) وأمور داريا (جيحون) وهما النهران الرئيسان بالمنطقة، مما أدى استنزاف موارد مياه هذين النهرين إلى عدم وصول مياههما إلى بحر آرال ومن ثم انخفاض منسوبه بشكل كبير.

وإذا استمر الوضع فمن المتوقع أن يختفي بحر آرال مع منتصف القرن الحادي والعشرين وما يرتبط بذلك من أخطار بيئية وصحية مع تناقص المياه الصالحة للشرب.

وعقب انهيار الاتحاد السوفياتي صارت زراعة وتصنيع القطن مقسمة بين الدول المستقلة الجديدة، ولم تستطع المصانع الروسية شراء القطن الأوزبكي بأسعاره الجديدة، ففضل القائمون عليها إغلاقها.

وأدى التحول المفاجئ عن زراعة القطن واستبداله بمحاصيل أخرى إلى حالة تشبه الانهيار الاقتصادي وخسائر فادحة في الحصول على العملة الصعبة، إضافة إلى الكساد الذي شهدته المصانع والمراكز التقنية التي كانت قد خصصت لتصنيع القطن.

وأظهرت الإحصاءات أن البون ما زال شاسعا بين رغبة الاندماج في النظام الاقتصادي المعولم وبين استعداد اقتصادات هذه الدول فعليا لمتطلبات الرأسمالية واقتصاد السوق.

وكانت الأسباب متعددة، أهمها هيمنة العلاقات القبلية وروابط الدم على المصالح السياسية والاقتصادية، وانتشار الفساد دون محاسبة، فضلا عن التعامل بمنهج الحلول الوسطى لاقتسام المصالح والنفوذ.

"
من الصعب القول إن 15 سنة من الاستقلال غيرت آسيا الوسطى إلى حياة أفضل، إلا أنها صعدت بفئة من الأذكياء انتهزوا فرصة السوق الحر فشكلوا شريحة الأثرياء الجدد، لكن الأغلبية المهمشة تبقى فقيرة كما هي
"
بين النجاح والفشل
تباينت دول آسيا الوسطى بين الإخفاق والنجاح، فقد حققت كزاخستان خطوات متقدمة على طريق الإصلاح الاقتصادي وتعد نموذجا يحتذي بالمقارنة مع باقي دول الإقليم، وبصفة خاصة في إقرار نظام مالي وضرائبي فعال مع الحفاظ على تماسك العملة المحلية، والسماح للقطاع الخاص بالمشاركة في قطاعات فعالة كقطاع الطاقة، وفتح الأبواب تدريجا للاستثمار الخارجي.

لكن يعيب الاقتصاد اعتماده الأحادي على عائدات النفط في الوقت الذي يتدهور فيه القطاع الزراعي واستمرار قطاعات اجتماعية في تلقي إعانات مالية من منظمات دولية.

وفي قرغيزستان التي ما زالت الثورات تتوالى فيها، تعثر الاقتصاد مرات عديدة خلال السنوات 15 الماضية، رغم الجهود التي بذلت لتبني اقتصاد السوق والتحاقها كأولى دول الاتحاد السوفياتي السابق بمنظمة التجارة العالمية في عام 1998.

لكن القطاع الصناعي ما زال غير قادر على العودة إلى ثلث ما كان ينتجه إبان الفترة الشيوعية.

أما طاجيكستان فتعد واحدة من أكثر الدول التي تضرر اقتصادها خلال السنوات الماضية، وبصفة خاصة خلال فترة الحرب الأهلية (1992-1997)، حين انهار تصدير القطن، المحصول النقدي الرئيس في البلاد، إلى نصف ما كان عليه إبان الشيوعية، وشهد قطاع الحبوب الزراعية تدهورا مماثلا، ولم يخرج القطاع الصناعي من شرنقة اعتماده على المصنع الوحيد للألومنيوم في البلاد الذي انخفض بمعدلات كبيرة بالمثل.

وتزايد اعتماد طاجيكستان على روسيا وأوزبكستان وعلى الإعانات الدولية.

تعد تركمانستان دولة الاقتصاد الأحادي في الإقليم بامتياز، إذ يشكل الغاز الطبيعي المصدر الأساسي للميزانية السنوية، فالدولة تحتل المرتبة الرابعة في احتياطات الغاز على مستوى العالم بعد روسيا والولايات المتحدة وإيران.

ويعيب هذا النوع من الاقتصاد ارتهانه لشركة الغاز الروسية الكبرى "غازبروم" وما لذلك من آثار على التوجهات السياسية للدولة.

ويحتاج الاقتصاد التركماني إلى توجيه الاهتمام أكثر إلى القطاع الزراعي.

ومما يبشر بمستقبل أفضل لتركمانستان بدء الدولة في اتباع سياسة الحياد الإيجابي في التعامل مع الأطراف الكبرى اقتصاديا في الإقليم، وبداية تفكيرها في فتح الباب لاستثمارات أجنبية للحد من هيمنة القطاع الحكومي.

وبالنسبة لأوزبكستان فقد احتلت واحدا من المواقع المتأخرة في اقتصادات آسيا الوسطى بسبب اعتماد اقتصادها قبل سقوط الشيوعية على 57% من عائداته من السلع الزراعية الخام.

وقد استغرقت أوزبكستان السنوات التي تلت الاستقلال في تحويل القطاع الزراعي إلى الحبوب الغذائية وتخفيف الاعتماد على القطن.

ورغم الخطوات التدريجية لإصلاح الاقتصاد فإنها تبدو متأخرة للغاية بالمقارنة بكزاخستان وقرغيزستان وأقرب لطاجيكستان.

ما زالت دول المنطقة مأخوذة بصدمة الاستقلال وسطوة الشيوعيين على السلطة، الأمر الذي يبقي شعوب هذه الدول تعاني تدهور مستوى الرعاية الطبية والتعليمية وتناقص الدخل الفردي ونزيف العقول إلى خارج البلاد، فضلا عن معاناة البيئة من أخطار التلوث الإشعاعي والكيمائي التي تركتها المراكز الحربية والتقنية الروسية بعد الاستقلال دون صيانة ولا رعاية.

وعلى الرغم من أن آسيا الوسطى حين استقلت كانت أفضل من دول العالم الثالث التي حصلت على استقلالها عن القوى الاستعمارية من حيث نسب التعليم التي كانت موزعة على كافة قطاعات الشعب، بينما كانت دول العالم الثالث ذات فئات نخبوية عالية التعليم وسط أغلبية أمية، فإن الإحصاءات تشير إلى تدهور واضح في نسبة التعليم والبحث العلمي بعد أكثر من 15 سنة منذ الاستقلال، وذلك في منطقة يحمل أربعة من رؤساء دولها الخمس درجة الدكتوراه في العلوم، حصلوا عليها في العهد الشيوعي.

المراجعة السابقة لا تغطي سوى جزء من الصورة، وهي صورة متداخلة فيها الأبعاد الدينية والعرقية، ويزيد من تداخلها تردد التقارير الغربية التي ترى في هذه المنطقة أكبر مركز لعبور المخدرات من أفغانستان إلى العالم، استغلالا للبطالة والفقر من ناحية، وانتهازا للفساد الحكومي من ناحية أخرى.

يبدو من الصعب القول إن 15 سنة من الاستقلال قد غيرت آسيا الوسطى إلى حياة أفضل، صحيح أنها صعدت بفئة من الأذكياء الذين انتهزوا فرصة السوق الحر فشكلوا شريحة "الأثرياء الجدد" من رجال الأعمال، لكن الأغلبية المهمشة تبقى فقيرة كما هي لم يتغير في حياتها سوى تنوع قنوات التلفاز وتعدد ألوان الصحف وتغير مسميات الشوارع.
__________________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة