محمد أبو رمان

السياسة في الإسلام
الدولة الإسلامية
البحث عن مساحة مشتركة
بين العلمانية المؤمنة والديمقراطية الدينية

في معرض تعليقه على الانتخابات الرئاسية الإيرانية التاسعة الأخيرة عام 2005 استعمل محمد خاتمي مصطلح "الديمقراطية الدينية". هذا المصطلح يثير العديد من الإشكاليات والنقاش حول مشروعيته ومفرداتها؟ وإلى أي مدى يمكن لأحد النموذجين أن يقدم تنازلا للآخر؟ وعن أي إسلام وأي ديمقراطية نتحدث؟

على الصعيد العملي تتعدد التجارب الإسلامية المعاصرة بما لا يسمح لنا بإقامة تصور موحد يحدد طبيعة العلاقة: فهناك فارق كبير بين النظم السياسية التي تدعي الالتزام بالشريعة (صيغة طالبان، إيران، تجربة العدالة والتنمية في تركيا، التجربة السودانية، السعودية) الأمر الذي يعني أننا أمام قضية جدلية خلافية وخطابات إسلامية متباينة يحمل كل منها تأويلا للصيغة السياسية للإسلام: هل هو نظام حكم شمولي يحدد الكليات والتفاصيل أم نظام حكم فضفاض يترك للناس خياراتهم السياسية والاقتصادية؟..الخ.

السياسة في الإسلام

"
لا يمكن أن نقول إن الخلافة الراشدة قد حددت شكل نظام الحكم وتفصيلاته، وإن كانت خلافة عمر بن الخطاب بالتحديد شهدت مرونة كبيرة في فهم الإسلام وتطبيقه، وهي حالة يمكن أن تمثل مقياسا كبيرا في التعامل مع البعد السياسي في الإسلام اليوم
"
الإسلام لم يحدد نمطا معينا للحكم السياسي، فلا توجد نصوص شرعية تفصل شكل نظام الحكم في الإسلام وكيفية اختيار الحاكم وإدارة الأزمة الداخلية والخارجية، وإنما حدد الإسلام جملة من القيم والمعايير تتسم بطابع أخلاقي عام تتوافق مع القانون الإنساني، ووضع تشريعات عدة تضبط الممارسة الاجتماعية العامة. وهذه الملحوظة يتفق عليها شوامخ الفكر الأصولي الإسلامي.

وكلمة "المصالح" ومشتقاتها هي أقرب المعاني التي تقترن بمصطلح السياسة في الخطاب الإسلامي، فابن منظور يعرف السياسة بأنها "القيام على الأمر بما يصلحه"، وهو ما يمكن أن نقيس عليه ونستخلص منه تعريف العز بن عبد السلام في كتابه القيم ( قواعد الأحكام في مصالح الأنام) بأن مدار الشريعة -بما في ذلك السياسة- دفع المفاسد وأسبابها وجلب المصالح وأسبابها، بل يذهب العز بن عبد السلام إلى القول " أما مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها فمعروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات".

أمّا نموذج "الخلافة الراشدة" فهو في الأصل نموذج تاريخي ساد لدى المسلمين بعد وفاة الرسول –صلى الله عليه وسلم- وهو في تصور العقل المسلم -على مر الخبرة الإسلامية قديما وحديثا- عبارة عن قيم عليا تحكم الممارسة السياسية دون وجود آليات محددة.

فالخلافة في الخطاب الإسلامي هي العدل والمساواة أمام الشرع ومكافحة الفساد السياسي وحرمة المال العام والاقتراب من التجربة النبوية في الممارسة السياسية، وهي التجربة التي لم تحدد نظاما معينا للحكم، ويمكن أن تفهم على أنها حكم ديمقراطي مدني سياسي (كما يقول عبد الإله بلقزيز في كتابه دور الحركة الإسلامية في صوغ المجال السياسي..) أو بخلاف ذلك كما هو الحال لدى تيارات واتجاهات إسلامية عدة.

ما يعنينا هنا أننا لا يمكن أن نقول إن التجربة الراشدة قد حددت شكل نظام الحكم وتفصيلاته، وإن كانت خلافة عمر بن الخطاب بالتحديد شهدت مرونة كبيرة في فهم الإسلام وتطبيقه، وهي حالة يمكن أن تمثل مقياسا كبيرا في التعامل مع البعد السياسي في الإسلام اليوم.

وشهدت الممارسة السياسية الإسلامية بعد الخلافة الراشدة، وبشكل أدق بعد خلافة أبو بكر وعمر، تنحيا عن الصفة الإسلامية الدقيقة للحكم، فلا يعد الحكم الأموي والعباسي صبغة إسلامية للحكم بالمعنى الدقيق، فهو ممارسة نسبية طبقت الإسلام في جوانب وأخلت به في جوانب أخرى، واتخذ طابعا خلافيا أدى إلى حرب أهلية بين المسلمين مازالت قائمة إلى اليوم.

الدولة الإسلامية

"
يتمثل الاختلاف بين صيغة "الديمقراطية الليبرالية" وبين النسق السياسي الإسلامي اليوم في مسألة تطبيق الشريعة بشقين: الأول مرتبط بقضايا الحريات العامة والشخصية أما الشق الثاني فيتمثل في تطبيق الحدود
"
إذا كان الإسلام لم يحدد صيغة مفصلة معرّفة للدولة ونظام الحكم، فكيف إذن نعرّف الدولة الإسلامية؟ إجابة "التيار الإسلامي" على هذا السؤال تتلخص في تطبيق الشريعة الإسلامية، وجزء كبير منه يجعل الجواب في شطرين: الأول الوصول عن طريق الاختيار والشورى (مقبول شعبيا) والثاني تطبيق الشريعة (مقبول شرعيا)، وهذا الجواب يعبر عنه عدد من الأكاديميين الإسلاميين بمصطلحي: شرعية إسناد السلطة وشرعية ممارستها.

يتمثل الاختلاف والنقاش الواسع بين صيغة "الديمقراطية الليبرالية" وبين النسق السياسي الإسلامي اليوم في مسألة تطبيق الشريعة (أو ممارسة السلطة) –في الأغلب الأعم- بشقين: الأول مرتبط بقضايا الحريات العامة والشخصية وحرية التدين والتعددية الفكرية والسياسية والدينية والفنون والآداب وطبيعة السلطة الدينية، والنظام الربوي العالمي،..الخ، وهي قضايا قد تبدو مقلقة للتيارات الأخرى وتدفع للتساؤل حول مدى احترام الممارسة السياسية الإسلامية لمساحة الاختلاف مع الآخر داخليا وخارجيا.

أما الشق الثاني فيتمثل في تطبيق الحدود من حيث الإقرار ابتداء بتشريع قوانين تطبق الحدود (قطع يد السارق، رجم الزاني، الجلد،..) وهي قضايا يحاول التيار الإسلامي الابتعاد عنها قدر المستطاع، وتأخذ صيغة النقاش فيها طابعا حذرا وأحيانا كثيرة التفافيا.

البحث عن مساحة مشتركة
في التعامل مع الإشكالية السابقة ثمة مقاربات للواقع العربي والإسلامي الراهن تقوم على إعادة تعريف كل من العلمانية والمجال السياسي الإسلامي وتحديد مدلولاتهما؛ فالعلمانية ليست كلها ذات طابع واحد، فهناك العلمانية "اللائكية" اللا دينية –كما هو الحال في نموذج الأتارتوركية- وهناك العلمانية المحايدة الجزئية.

في هذا السياق يقدم أحمد محمد سالم رؤية متميزة في مقاله "مقاربة بين الإسلام والعلمانية" (مجلة الديمقراطية، أبريل/نيسان 2004) إذ يعرف العلمانية بأنها "تحول السلطة من المؤسسات الدينية إلى المؤسسات المدنية" كما أنها ببساطة "إعادة الاعتبار للرجل العادي بمشاركته في الحياة وإدارتها بعيدا عن السلطة الدينية".

وهذا التعريف يقودنا إلى المجال السياسي في الإسلام.. هل يوجد سلطة دينية فيه؟ الجواب يقدمه بصراحة ووضوح شديد الإمام محمد عبده إذ يقول "ليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير"، وهذا الجواب الواضح -في نفي أي صفة كهنوتية عن البعد السياسي في الإسلام- ينسجم مع تعريف الإمام للسلطة السياسية في الإسلام بأنها "سلطة مدنية ذات وظائف دينية"، فالسلطة في الإسلام تقوم على أسس مدنية وسياسية عقلانية مبنية على تقدير المصالح واجتهاد العقل البشري في مساحة واسعة "منطقة العفو التشريعي"، إذ أنّ القضايا التي يوجد فيها نص قطعي الدلالة قطعي الثبوت محدودة جدا.

"
هناك مجال واسع مشترك بين البعد السياسي للعلمانية المحايدة وبين الإسلام، فالنسقان متفقان على مدنية السلطة وعقلانيتها وعلى الحرية في الاجتهاد في منطقة واسعة وكبيرة من مجالات الحياة
"
هناك مجال واسع مشترك كبير بين البعد السياسي للعلمانية المحايدة وبين الإسلام، فالنسقان متفقان على مدنية السلطة وعقلانيتها وعلى الحرية في الاجتهاد في منطقة واسعة وكبيرة من مجالات الحياة.

أمّا إشكالية الحريات والتعددية والمواطنة والفنون والعقوبات والحدود بين العلمانية والإسلام، فابتداء هناك اتفاق كامل بين ألوان الطيف الإسلامي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار على أن واقع المسلمين اليوم ليس إسلاميا 100% وأن هناك عددا كبيرا من المسلمين بعيدون عن أحكام الإسلام وتعاليمه وجزء منهم لايزال من "المؤلفة قلوبهم" كما أن هناك نسبة كبيرة من الأقليات غير المسلمة في البلاد الإسلامية.

وهنا تبرز إشكالية كبرى في تطبيق الشريعة الإسلامية بالمعنى المطلق الإلزامي، فالإسلام في الأصل يقوم على "الاختيار" و"عدم الإكراه" في العقيدة، وحتى الدولة الإسلامية (نموذج المدينة) فقد قامت على أساس عقد سياسي بين الرسول وبين السكان بمن فيهم اليهود واستند إلى حالة من التوافق التام بين السكان، فكيف نوفق بين هذا وبين تطبيق الشريعة على كل الناس وإلزامهم بالأحكام الشرعية بمن فيهم غير المسلم والمتشكك وغير الإسلاميين (شيوعيون، ملحدون، ..)؟

لو فرضنا أن التيار الإسلامي وصل إلى السلطة اليوم بأغلبية نسبية فليس من المصلحة أن يطبق الشريعة على كل الناس لوجود أقليات أخرى ترفض الحكم الإسلامي ولا توافق على الأحكام الشرعية.

وهنا نقف أمام مسألة أخرى وهي أنه لا اجتهاد مع النص، وأنه لا يجوز تبديل الأحكام الإسلامية في التشريعات، وهذا صحيح، فلا يجوز تغيير الأحكام داخل التشريعات الإسلامية؛ فإذا حرم الإسلام الخمر فلا يجوز القول إن الإسلام يبيحها، لكن هذا شيء وإلزام النصراني وغير المسلم بهذا الحكم شيء آخر مختلف تماما.

فلا يجوز تبديل الأحكام الشرعية والتقول على الله، لكن يجوز التوافق مع الأطراف الأخرى في المجتمع –غير التيار الإسلامي- على صيغة وعقد سياسي ينصر المظلوم ويقيم العدل ويحقق مقاصد تتقاطع فيها الشريعة مع القانون الإنساني العام، أو ما يسميه فهمي هويدي "إقامة حلف الفضول" مع الأطراف السياسية الأخرى.

هذا الخطاب الإسلامي يكفل خلال المرحلة الحالية والقادمة المنظورة عدم تحول الإسلام السياسي إلى "فوبيا" وحكم شمولي يقيد الناس، بل يبقي التيار الإسلامي في دائرة التحدي والمدافعة ومحاولة إقناع الناس بالإسلام من خلال الكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، ويكفل التقليل من ظاهرة النفاق و"الإسلام بالإكراه". فمشاركة حركة إسلامية أو وصولها إلى الحكم لا يعني قطع أيدي الناس وجلدهم ومحاربة الفنون وإلزام المرأة بلباس معين...الخ.

بين العلمانية المؤمنة والديمقراطية الدينية
كي تتضح الملاحظات السابقة أكثر يمكن إسقاطها على نماذج سياسية حالية في الممارسة الإسلامية، فالنموذج الإيراني (التطبيق الإلزامي الشمولي) يدخل اليوم في مأزق كبير، وكثير من التقارير والمعلومات تفيد بتوجه متزايد لدى جيل الشباب في محاكاة الحضارة والثقافة الأميركية والابتعاد عن التدين، حتى الحجاب أصبح كثير من الفتيات يحاولن الإفلات منه من خلال طرق التفافية عديدة.

"
ما هي صيغة العلاقة الممكنة بين الإسلام والديمقراطية؟ الجواب هي العلاقة المبنية على القبول بمدنية السلطة والتعددية الدينية والفكرية والسياسية وحقوق الأقليات والحريات العامة والخاصة ضمن السياق الاجتماعي العام المقبول
"
في المقابل هناك الحالة التركية، فعلى الرغم من الحصار الذي يمارسه العسكر وضغوط العلمانية اللادينية هناك، فإن التيار الإسلامي يشق طريقه في المجتمع باقتدار، ويحظى بتأييد الشباب، ولم يؤد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة إلى إدخال المجتمع قسريا إلى مظلة الشرعية الإسلامية.

وما دمنا في النموذج التركي وعند حزب العدالة والتنمية، فقد أعاد الحزب –في برنامجه الانتخابي- تعريف العلمانية بأنها الحرية الدينية ومدنية السلطة والسماح بالتعددية، وهو تعريف يسمح بقبول النموذج الإسلامي في السياق الاجتماعي وصولا إلى السياسي، وقد أعلن أردوغان أنه يؤمن بالقرآن ويضعه في قلبه على الرغم من عدم ممانعته للعلمانية.

وبالعودة إلى السؤال الرئيس: ما هي صيغة العلاقة الممكنة بين الإسلام والديمقراطية؟ الجواب؛ هي العلاقة المبنية على القبول بمدنية السلطة والتعددية الدينية والفكرية والسياسية وحقوق الأقليات والحريات العامة والخاصة ضمن السياق الاجتماعي العام المقبول، وهذا لا يمنع من وجود قواعد وضوابط أخلاقية لها طابع إسلامي مرن للحريات الشخصية والعامة والفنون وحقوق الإنسان..الخ (هناك الكثير من الحركات الدينية في أوروبا وأميركا تدعو إلى الحفاظ على قيم وأخلاق المجتمع، التيار اليميني في أميركا وقف بقوة ضد زواج المثليين والإجهاض).

وهنا تتمثل الوظيفة الرئيسة للدين بتعزيز مبدأ المواطنة والمسؤولية المدنية والأخلاقية والحفاظ على الأخلاق العامة وحماية الأسرة من الضياع وصون المجتمع من الانهيار، لكن وفق رؤية إسلامية تنقل المركزية من السلطة السياسية وإكراهاتها إلى السلطة الاجتماعية.

وذلك من خلال دور المنظمات الأهلية ومؤسسات التربية والتعليم والمساجد والمراكز الإعلامية، والعمل الطوعي وهي خطوة تنسجم مع نقل المسؤولية السياسية والاجتماعية والنهضوية من السلطة السياسية إلى الأمة والجماعة والأفراد.
ـــــــــــــ
كاتب أردني

المصدر : الجزيرة