توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية

 

تناقلت وسائل الإعلام مؤخراً أنباء إحالة الحكومة الأردنية عدداً من "قضايا الفساد" إلى القضاء. وخبر كهذا لابد يحسب لهذه الحكومة.. ولكن إلى متى؟؟

فالشائعة أيضاً خبر, ولكنها كالطلقة في الهواء يقصد منها إحداث الصوت وليس إصابة الهدف, ومع ذلك تخدم مؤقتاً في تنفيس حالة الغضب والغليان الشعبي, على فرض أن الشعب ما زال يصدق الحكومة, أية حكومة.. أو هي دوي للإستهلاك الخارجي يخدم في الاستقواء على الأصوات الغاضبة في الداخل التي تعلو بتزايد مطالبة بالحساب.. وهو ما يذكرنا بعنوان كتاب شتاينبك "الصخب والغضب".

الأول (الصخب) عائم ومتعدد وملتبس المصادر, أما الثاني (الغضب) فأصيل عميق الجذور وفاعل في صمته أكثر مما هو في صراخه.. فأين يقع إعلان الحكومة الأردنية من كل هذا؟؟

"
"الصخب" عائم ومتعدد وملتبس المصادر, أما "الغضب" فأصيل عميق الجذور وفاعل في صمته أكثر مما هو في صراخه.. فأين يقع إعلان الحكومة الأردنية إحالة عدد من قضايا الفساد إلى القضاء من كل هذا؟؟
"
بداية تجدر الإشارة إلى أن القضايا المحالة للقضاء من قبل الحكومة الحالية هي أربع:

أولا, قضية اتحاد الجمعيات الخيرية (اليانصيب الخيري). وتفاقم الفساد في هذا الجسم "التطوعي" إنما يبين ما وصل إليه إهمال سلسلة الحكومات المتعاقبة لما يقارب الأربعة عقود لكل ما له علاقة بالفقر والفقراء حتى في إطار مبدأ "الإحسان "هذا, بينما كان يجري نبش منهجي صريح وتجسّسي على ملفات الجمعيات الأخرى كالثقافية والنسائية والشبابية, لمنع أن يكون لأي من أنشطتها بعد سياسي.. هذا مع أنه في العالم الديمقراطي تعتبر منظمات المجتمع المدني كلها من أعمدة العمل السياسي, يقصدها المرشحون السياسيون علنا!!

والقضية الثانية هي قضية "جمعية المركز الإسلامي". وهذه الجمعية تتبع الإخوان المسلمين وهي أقدم من اتحاد الجمعيات الخيرية, ومعروف أنها ذراع الإخوان المالي في نشر حركتهم.

ولكن أنشطة ذلك المركز بقيت مستثناة من النبش الحكومي طالما كان التحالف التاريخي قائماً ما بين الإخوان والحكم, لدرجة أن تنظيم الإخوان سُمح له وحده بالعمل العلني منذ قيام الإمارة, وحتى خلال عقود من الأحكام العرفية ومنع الأحزاب بدأت عام 57 بحل البرلمان وعزل حكومة حزب الأغلبية واعتقال معظم أعضائهما وسوقهم لسجن الجفر الصحراوي.. ذات السجن الذي أعيد فتحه مؤخراً وسيق إليه هذه المرة اثنان من نواب الإخوان المسلمين, في تتويج لنهاية شهر عسل امتد لأكثر من ستين عاماً لينتهى بما يشبه الطلاق العاصف.. وإن كنا لا نسارع للجزم بأنه طلاق بائن!!

والقضية الثالثة هي قضية الماغنيسيا التي كلفت الخزينة ما يزيد على مائة وخمسين مليون دينار (باعتراف الحكومة), وبأكثر من ثلاثمائة مليون حسب تقديرات المعارضة والصحافة, في مشروع مختلق "غير ذي جدوى" باعتراف استدراكي لذات الحكومة التي أنشأته وأحالت عطاءاته لشركة لم تتأهل مرتين "لعدم مقدرتها المالية والفنية" بإعادة فتح العطاء ليرسى على ائتلاف تقوده تلك الشركة ووكيلها ابن رئيس الوزراء حينها.

وقد أثيرت قضية الماغنيسيا في البرلمان الحالي بعد إقالة تلك الحكومة, ولكن بضعف ووجل جعل البرلمان -الذي انتخب في عهد تلك الحكومة وبإشرافها وبحسب قانون انتخاب مؤقت وضعته تلك الحكومة بعد أن حلت البرلمان السابق- يقبل بإحالتها للجنة تشكلها الحكومة التي تلت أي التنازل عن حق البرلمان الدستوري في محاسبة الحكومة, لتصبح الحكومة هي من تحاسب الحكومة!

"
قضية الماغنيسيا كلفت الخزينة ما يزيد على 150 مليون دينار (باعتراف الحكومة), وبأكثر من 300 مليون حسب تقديرات المعارضة والصحافة, في مشروع مختلق "غير ذي جدوى" باعتراف استدراكي للحكومة
"
وتقرير اللجنة الحكومية الذي نشر في الصحافة, يثبت الفساد بكل البينات التي محصها (هي غير ما أغفله كعلاقات القرابة والشراكة والتوزير السابق واللاحق لبعض المصوتين لصالح إحالة العطاء) ولكن اللجنة بنت التبرئة على مجرد سؤال من شارك في العملية إن فعل هذا بضغط حكومي أو لمنفعة خاصة, واعتبار إجابتهم بالنفي دليل غياب أية "شبهة للفساد"!!

وهذا ما أدى لتزايد الضغط الشعبي في طلب فتح ملف هذة القضية بالذات, وهو ما تبناه عدد من النواب, لهذا عادت هذه الحكومة وأحالت ملف القضية للنائب العام باعتبار ان هنالك "شبهة فساد" -حسب تصريح الناطق الرسمي للحكومة- ولكن ليس إلى مجلس النواب, أي أن الحكومة تقول إن "الشبهة" لا تطال أيا من الوزراء!!

أما القضية الرابعة والحدث مثار الخبر المدوي, فهي قضية شراء لودرات وكابسات قمامة "سكراب" لصالح وزارة البلديات على أنها جديدة, بـ 4.5 ملايين دينار.

أي أنها قضية صغيرة جداً بالمقارنة مع قضايا عديدة من حجم الماغنيسيا. ولكن الفرق هذه المرة أن اسم وزير البلديات الأسبق ذكر, كون التهم المتعلقة به أحيلت لمجلس النواب ليحقق فيها, ولكن لم يذكر ولم تتم الإشارة إلى رئيس الحكومة حينها, وهي ذاتها المتورطة في قضية الماغنيسيا.

ولكن الوزير المتهم أعلن أن قرار الشراء وكافة تفاصيل الصفقة اتخذت في مجلس الوزراء, وطالب بمحاكمة علنية "ليعرف الجميع من هو الفاسد والمفسد" والطريف أن تولي تلك الحكومة هذه الصفقة بديلة عن البلديات جاء نتيجة قيامها (أي الحكومة) بحل المجالس البلدية المنتخبة وتعيينها لمجالس من عندها, بحجة إصلاح أحوال البلديات المالية المتردي نتيجة ما قيل إنه فساد وعدم أهلية الإدارة المنتخبة وممارستها للمحسوبية (أعلن ديوان المحاسبة لاحقاً فشل التجربة وزيادة مديونية البلديات وترهلها الإداري بزيادة موظفيها من المحاسيب في ظل الإدارة الحكومية) وخصصت الحكومة مبلغ خمسة ملايين دينار "معونة" حكومية مستعجلة للبلديات لمشروع "النظافة" أكثر من أربعة منها أنفقت على صفقة شراء اللودرات والكابسات والكانسات هذه!

"
النائب ليث شبيلات اعتقل يوم انتهاء الدورة البرلمانية التي استجوبت وزراء الفساد, وحوكم بتهمة أمنيّة لم يصدقها الشارع, وحكم بالحبس فترة تكفي لألا يترشح للنيابة بعدها, وهو ذاته ما جرى لي حين كشفت ملفات فساد سابقة
"
وسبب آخر للضجة التي رافقت قضية صغيرة كهذه, وهو أن هذه هي المرة الثانية فقط التي يتولى فيها النواب المحاسبة منذ عودة الحياة النيابية في الأردن عام 89, ورغم ما يجمع عليه الشارع والصحافة وأغلبية النواب وحتى حكومات, من أن الفساد تجذر بحيث أصبحت له "مؤسسة" في الأردن.. وهو ما ذكر الشارع بمجريات المرة السابقة!!

ففي المرة السابقة, لم تتم الإحالة من الحكومة, بل جاءت بمبادرة من أول مجلس نواب انتخب بعد انتفاضة نيسان على الفساد وغياب الديمقراطية, في جهد قاده النائب ليث شبيلات.

ومع أن رئيس الحكومة التي اتهمت بالفساد وعددا من وزرائها مثلوا أمام اللجنة النيابية, كما مثلوا كشهود أمام الادعاء العام النظامي في التحقيق بالتهم المنسوبة للموظفين الأقل من رتبة وزير, فإن النائب شبيلات هو الذي اعتقل يوم انتهاء الدورة البرلمانية, وبالتالي زوال الحصانة عنه, وحوكم بتهمة أمنيّة لم يصدقها الشارع, وحكم بالحبس فترة تكفي لألا يترشح للنيابة بعدها, وهو ذات ما جرى لي حين كشفت ملفات فساد هي الآن, وبتصاعد خلال السنوات الأربع الماضية, مدار حديث علني لكل الصحافة وللجسم القانوني وللنقابات وكافة المطالبين بالإصلاح وحتى الشارع العادي الذي فاض كيله.

ولكن لا السجون الجديدة ولا توسيعات السجون التي تعلنها الدولة باعتبارها عمليات "إصلاح" كلما صدر تقرير سلبي بحقها في مجال حقوق الإنسان, تكفي لكل هولاء، ثم إن موقع النيابة, وليس غيرها, هو المستهدف بأولوية لأن النواب وحدهم يملكون حق محاسبة الوزراء, كمدعين عامين يقررون الإحالة للمحاكمة أو عدمها, وليس الادعاء العام في المحاكم النظامية!!

أما من يقوم بدور القاضي فهم المجلس العالي لتفسير الدستور الذي يتكون من أقدم خمسة قضاة تمييز, إضافة إلى أربعة أعيان منهم رئيس مجلس الأعيان, الذي يترأس جلسات المجلس العالي بعد تعديل للدستور جرى في الثمانينيات (تعتبر فترة استقواء السلطة التنفيذية حتى على الدستور, وانتهت عام 89 بانتفاضة نيسان ) مع أنه ليس قاضياً وقد لا يكون قانونيا حتى بعد أن كان النص الأصلي بأن يترأسها رئيس محكمة التمييز.

ويصدر المجلس العالي أحكامه بأغلبية ستة أعضاء, مما يجعل الإدانة شبه مستحيلة إلا في دولة "اليوتوبيا". والطريف أن الأعضاء الأربعة من الأعيان أتوا بالتزكية هذه المرة, وكلهم (لحين استبدال الدكتور عبد السلام المجالي الذي كان خارج البلاد يعين آخر للإسراع في البت في تقديم تفسير للحكومة يتعلق بسقوط عضوية النائبين الإسلاميين) رؤساء وزراء سابقين, ومنهم رئيسا الوزراء المذكورين أعلاه!

"
حين توفى الله بعض أبطال الحكومة الطلقاء بكل المعاني, بما فيها إطلاق اليد, نعاهم كبار رجال ومؤسسات دولة باعتبارهم "أصحاب فضل على الاقتصاد الأردني" والبعض الآخر ينتظر وما بدلوا تبديلا!!
"
السؤال الذي يطرحة الأردنيون لا يتعلق بالإحالة, سواء للقضاء أو لمجلس النواب, بل بالنتيجة: هل هنالك أية فرص لأية محاسبة؟؟ وهو ذات السؤال المطروح حول كابسات ولودرات البلديات, هو عن قدرة أي من تلك الجهات المختصة على تنظيف البلد من الفساد أو خفض منسوبه على الأقل, وهو أيضاً سؤال عما إذا كانت كلفة تلك الأجهزة "الباهظة" المتأتية من جيب المواطن تساوي ناتج عملها وفي بلد أنفق الكثير ليتفوق في نظافة شوارعه, يتساءل الناس إن كانت نظافة اليد لا تعتبر بذات الأولوية!!

لا نملك الإجابة. ولكن ما لدينا يقول إن رئيس الوزراء الحالي لم تلاحقه شبهة فساد.. كل ما يلاحقه هو شائعات عن قرب تغيير وزاري يعتقد الشارع الذي أصابه اليأس نتيجة سلسلة من الأسباب والخبرات الموجبة, أن إحالات قضايا الفساد هي مجرد محاولة لإطالة عمر الحكومة.

ويتساءل الناس: ماذا لو تغيرت الحكومة؟؟ وبالمقابل: ماذا لو بقيت وقررت, كسابقاتها, منع الصحافة وتلك القلة من النواب من الحديث عن هذه الملفات بحجة أنها "منظورة أمام القضاء" كما جرى لملفات كبرى سابقة مثل "الغزل والنسيج" والتي بعض أوجه فسادها متطابقة مع ما يتداول الآن (تسهيلات بنكية بلا ضمانات, إفلاس بنوك ومؤسسات مالية, شراء معدات سكراب على أنها جديدة, إرساء عطاءات دون تأهيل ولا محاسبة.. إلخ) والتي رغم إحالتها للقضاء بضغط شعبي, جمدت هناك لأكثر من عشر سنوات حتى اللحظة, بضغط على الادعاء العام من مراكز قوى عليا زخرت بأنبائه حتى الصحافة المقيدة!

ومؤخراً حين توفى الله بعض أبطالها الطلقاء بكل المعاني, بما فيها إطلاق اليد, نعاهم كبار رجال ومؤسسات دولة باعتبارهم "أصحاب فضل على الاقتصاد الأردني" والبعض الآخر ينتظر, وما بدلوا تبديلا!

المصدر : الجزيرة

التعليقات