راشد الغنوشي

راشد الغنوشي

زعيم حركة النهضة التونسية

كثيرا ما كانت الحرب المحرك الأعظم للسياسة وللتاريخ عامة، من هنا جاء اهتمام الدول وحرصها على تعظيم قوتها الردعية وجاءت مكانة الجهاد وإعداد القوة في الإسلام للتحقق من قوة الردع "نصرت بالرعب".

في هذا السياق يمكن أن نفهم ما يجري على قدم وساق هذه الأيام -على أثر الحرب الصهيونية الأميركية على لبنان- من مخاض سياسي واصطراع، من أجل ترجمة نتائج الحرب سياسيا من طرف القوى السياسية الأساسية المؤثرة في الساحة، بعد أن فشل الطرف الذي شن الحرب وخسرها (إسرائيل وأميركا) ومن كان في تأييدهما، (قوى لبنانية، وأوروبية وعربية).

"
الزلزال الذي تم في لبنان من وراء انتصار حزب الله منتظر، ولو بعد حين، أن يقلب الموازين في جملة المنطقة فضلا عن الداخل اللبناني إقامة لرافعة سياسية تشد أزر المقاومة
"

فشل هذا الطرف إذن في تحقيق أهدافه المعلنة: العارضة، التي اتخذت ذريعة وهي استعادة الجنديين أم الحقيقية التي تم الاتفاق عليها في أعلى مستويات القيادة الأميركية الصهيونية (سيمور هرش. مجلة نيوركر 14-8-06) والمتمثلة في التدمير الكامل للقوة العسكرية التي يمثلها حزب الله باعتبارها شوكة تقض المضجع الأميركي الصهيوني، تحد من عربدة قوتهما وأطماعهما في فرض السيطرة الكاملة على المنطقة، بما يخضع سوريا وإيران أو يدمرهما ويفرض حل القضية الفلسطينية وفق الإرادة الصهيونية ويكبح جماح الحركة الإسلامية باعتبارها مدا "أصوليا متطرفا" يهدد المصالح الصهيونية الأميركية والتابعين لهما.

بينما احتفل بالنصر في هذه الحرب حزب الله وجملة قوى المقاومة في المنطقة: حركات ودول (حزب الله وحماس، والجهاد، وإيران، وسوريا، والحركة الإسلامية والقومية واليسار الوطني)، كلهم اعتبروا أنفسهم منتصرين بمجرد فشل المعتدي في تحقيق أهدافه بعد حرب الـ33 يوما المجيدة.

وتكفي إطلالة واحدة على مرآة الرأي العام في الكيان الصهيوني -أعني الصحافة- لمشاهدة آثار الهزيمة المدوية التي لحقت بالكيان الصهيوني: عزل قادة عسكريين، ولجان تحقيق، وتقاذف للمسؤولية، لأول مرة نشعر أنهم يألمون كما نألم، لكننا نرجو ما لا يرجون.

ألا يكفي دليلا قاطعا على تلك الهزيمة أن سلاح حزب الله المستهدف ظل يصب حممه على الكيان المغتصب لآخر لحظة في الحرب، وظل أبطاله أبدا في الحرب مرابطين في مواقعهم في القرى الحدودية، وأن الجنديين الأسيرين لم يظهر لهما أثر.

وانحنت إسرائيل أخيرا راغمة لإرادة حزب الله المعلنة منذ اليوم الأول أن التفاوض والتبادل هما الطريق الوحيد لتخليصهما، ألم يبلغ الكمد بالذئب الجريح حد الإعلان أن هذه الحرب ليست السادسة وإنما الأولى؟

سكنت إلى حين الصواريخ والطائرات والبوارج تاركة المجال للصراع السياسي المحتدم لترجمة نتائج هذه الحرب سياسيا، وهو ما يجري اليوم على قدم وساق على الصعيد المحلي اللبناني وعلى صعيد الإقليم وعلى الساحة العالمية، في تصميم على أن يوظف العدو تحالفاته الدولية ونقاط الضعف في المنطقة للنكوص عن دفع ثمن الخسارة سياسيا أو تقليل الثمن.

بل ربما يوظفها ليجني على طاولة التفاوض ما فشل في تحقيقه في الميدان، لاسيما وأن المعركة هنا تجري في قلب العالم، فكل صراع فيه سرعان ما يطفو على السطح ويحتل الصدارة، فإلى أين يتجه الصراع على غنائم الحرب؟

1- على الصعيد اللبناني: حتى قبل أن تجف دماء الضحايا وتلتقط بقية الأشلاء لتوارى في مثواها، وقبل أن يظفر آلاف المشردين بمأوى يحميهم من شتاء على الأبواب، أخذ التماسك حول حزب الله الذي فرضته آلة الحرب الصهيونية المدمرة على كل القوى المناوئة لحزب الله ولسوريا، أخذ ينحل إلى عناصره الأصلية، لدرجة انبعاث خطاب بشير جميل من قبره يعلن أنها ليست حرب لبنان ولا انتصار لبنان، بل حرب إيران وانتصار إيران.

مقابل ذلك لم يملك حزب الله الاستمرار في كظم غيظه مما تعرض له من كيد وخذلان، بينما هو عائد إلى قومه بأعظم تاج، لم تحلم بمثله دول وشعوب مركزية في المنطقة: تمريغ أنف الصهيوني -الذي أذل جيوش المنطقة- في الأوحال.

"
ما جرى في الجنوب اللبناني يمكن أن يتكرر في غزة وفي الضفة، بما فرض مجددا الالتفات الإسرائيلي والأميركي إلى الشريك الفلسطيني الذي طالما كانوا فيه من الزاهدين
"

ما يبدو هو أن هدم البنيان الذي حصل في لبنان سيستقر بعده بنيان سياسي أخذت أساسيات فيه تتداعى، وذلك رغم الجهود المشرفة التي قام بها الثنائي السنيورة-بري في إنقاذ ماء الوجه اللبناني الرسمي خلال الحرب.

ولكن ذلك لم يخف ما يبيت لحزب الله من استغلال محلي للمخطط الدولي في تحييده وتجريده من سلاحه وإبعاده على الأقل نهائيا عن حدود الكيان الصهيوني، تأمينا لحدود هذا الأخير من كل ما يمكن أن يقوم به حزب الله من فعل ردا على عدوان صهيوني على لبنان أو فلسطين أو سوريا أو إيران.

ولكن الزلزال الذي تم في لبنان من وراء انتصار حزب الله منتظر ولو بعد حين أن يقلب الموازين في جملة المنطقة فضلا عن الداخل اللبناني إقامة لرافعة سياسية تشد أزر المقاومة، قد تتشكل من قوى مسيحية (التيار الوطني الحر: ميشيل عون) وأخرى إسلامية شيعية (حزب الله وأمل)، وسنية (الجماعة الإسلامية، سليم الحص..) تترجم الانتصار العسكري سياسيا.

2- على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي: منذ الأيام الأولى من توقف الحرب بدأت أصوات في الدولة العبرية تتناغم معها أصوات في البيت الأبيض وفي أوروبا وفي العالم العربي أي المعسكر المهزوم:

أ- توفيرا لفترة راحة واستشفاء للذئب الإسرائيلي الجريح حتى يعيد ترتيب أوضاعه، وفي هذا السياق تزحف حشود عسكرية على لبنان لمنع حزب الله من تعويض سلاحه ولحماية حدود الكيان الصهيوني ولتحقيق فصل نهائي بين لبنان وفلسطين المحتلة أي بين المقاومة في البلدين.

ب- تفكيكا للجبهة الفلسطينية خشية أن تتماسك حول المقاومة. ومن هنا جاء تراجع فتح عن خيار حكومة وطنية وجاء الاحتفاء برئيس السلطة الفلسطينية من قبل سيد البيت الأبيض والثناء عليه بأنه رجل السلام، كما جاء قبول مؤسسة الأمن الدولي بالاجتماع تباحثا حول مشروع للسلام في المنطقة منعا للقوى "المتطرفة" من أن تفيد من انتصار حزب الله في الانتصار للمقاومة خيارا وحيدا في مواجهة الكيان الصهيوني.. المواجهة التي قد تغري نهاية بمواجهة الأنظمة المتحالفة معه سرا أو جهرا.

ج- لقد فتحت صواريخ حزب الله التي ضربت لأول مرة العمق الإسرائيلي بشدة حتى فرضت حصارا على ثلث الكيان المحتل ثغرة هائلة هزت قوة الردع الإسرائيلي، بما كشف فجاجة إستراتيجية حماية الكيان عبر بناء الجدران العازلة والانسحاب المنفرد والانطواء، بزعم انعدام الشريك الفلسطيني.

ما جرى في الجنوب اللبناني يمكن أن يتكرر في غزة وفي الضفة، بما فرض مجددا الالتفات الإسرائيلي والأميركي إلى الشريك الفلسطيني الذي طالما كانوا فيه من الزاهدين.

اليوم هناك سعي من كل الأطراف الخاسرة في الحرب (آنفة الذكر) إلى تحريك عملية السلام وإعادة الاعتبار إلى أبي مازن وفتح وإكسابهما مصداقية عبر الإذن للخليج بضخ الأموال للخروج بالفلسطينيين من الضائقة -إساغة لمر السلام عبر حلوان الرواتب- بما يفرض على حماس ما كانت ترفضه دائما، اعترافا صريحا بإسرائيل، من خلال قبولها بحكومة وحدة وطنية تتسلم فيها فتح المهام السيادية مثل التفاوض أو الإطاحة بها.

النظام العربي المتأمرك بقيادة مصر وحلفائها متهالك على هذا السلام ومستعد لتمويله، للحد من انعكاسات الزلزال اللبناني الذي ضرب المنطقة في وقت يتداعى فيه بنيانها للسقوط.

"
لا يبعد أن تكون إيران بصدد الإقدام على تعديلات مهمة في اتجاه المراجعة والتصحيح، إدراكا أن جماهير السنة التي تخطت البعد الطائفي ووقفت بلا حدود مع حزب الله لن تجد عنها إيران بديلا في مواجهة الأخطار التي تتربص بها
"

3- كان مفهوما أن تحتفي سوريا وإيران بالنصر، إذ تنفست الأولى الصعداء وقد مرت عليها سنة تزيد من الاختناق العصيب.

لقد تأكدت أنها مستهدفة وأن خيار مقاومة المشروع الأميركي في المنطقة أقل كلفة من مسايرته، فأقدمت على فك تحالفاتها الإقليمية لصالح الرهان على قوى المقاومة والممانعة.

وكان يمكن لهذا الخيار الذي أثبت نجاحه أن يمثل منعطفا كبيرا لو واكبته إجراءات تصالحية على الصعيد الداخلي، تعزز الصمود ولا تضيره، فلم التوجس من الإصلاح بعد هذا النصر؟

4- أما إيران فقد جاءت نتائج الحرب شهادة أخرى تعزز دورها الإقليمي المتصاعد وتضع في يدها مزيدا من الأسلحة في صراعها مع الولايات المتحدة وحليفاتها من أجل تجريدها مما هي مصممة عليه من حق امتلاك التقنية النووية دفاعا عن أمنها وتعزيزا لدورها قوة إقليمية عظمى، تمنع الكيان الصهيوني من الانفراد بهذه الصفة.

كان من الطبيعي بعد هذا الانتصار أن يتصلب الموقف الإيراني دفاعا عن حقه وأن تتخلخل الجبهة المقابلة، بما فجر الغضب الأميركي للحد الذي أدى بأميركا للتهديد بفرض حصار منفرد على إيران لحملها على التنازل عن مشروعها النووي سلما أو حربا.

وكان ذلك هدفا صهيونيا أميركيا أوروبيا وعربيا من أهداف الحرب على حزب الله لتفكيك حلقة مهمة مما سمي بالهلال الشيعي، إخفاء لوجهه الآخر: هلال المقاومة، الذي كان على العرب أن لا يتجاهلوه ولا يتآمروا عليه، بل يتحالفوا معه لإيجاد توازن في المنطقة مع الكيان الصهيوني المدعوم بلا حدود من الدولة الأعظم، بل هو ذراعها الطويلة الباطشة، وذلك بدل النظر إليه على أنه تهديد وخطر (أنظر سيد سعيد. الحياة 21-9-2006).

5- تشجيع عوامل التفكك في المنطقة تخذيلا لقوى المقاومة بتأجيج نيران الفتنة الطائفية سنية شيعية، عربية كردية، مسيحية إسلامية. وما يحصل في العراق نموذج، وربما يكون تصريح بابا الفاتيكان المستفز مندرجا في هذا السياق.

6- ما الذي يجب على قوى المقاومة والممانعة فعله إزاء بدايات انطلاق هجمة سياسية أميركية صهيونية بدأت خيوطها تتجمع إثر تعثر وتدهور الهجوم العسكري وتراكم إخفاقاته: لبنان، والعراق وأفغانستان وفلسطين والصومال؟

‌أ- دعم جبهة المقاومة ومنع العدو من استغلال عوامل النزاع الثانوية -طائفية كانت أم عرقية أم سياسية- في تفتيت قوى المقاومة والممانعة أو على الأقل تأجيل تفجير هذه النزاعات.

ب‌- يقتضي ذلك مبادرات لتبريد النيران المتأججة في معسكر المقاومة، على صعيد العراق وعلى كل الصعد.

"
أمام الحركة الإسلامية وقوى المقاومة في المنطقة وفي العالم فرصة كبيرة لتوظيف النصر المبين الذي تحقق لمصلحة الأمة ولقوى التحرر إذا هي أحسنت رؤية الأمور على حقيقتها وأقدمت بشجاعة على القيام بما يجب القيام به من أجل ذلك
"

ج- ‌واضح اشتداد الصراع على الساحة العراقية بين القوى المرتبطة بالخيار الأميركي -ولو موضوعيا- التي تعطي الأولوية للحرب مع الداخل -وهي في المحصلة قوى تخريب- وبين القوى المقاومة للاحتلال.

وواضح أيضا بداية فرز جديد على الساحة دفعت جماعة الصدر إلى الاشتباك مع الاحتلال، إذ قد لا تكون إيران بعيدة عن ذلك، بما يؤكد أن إيران متعددة ومتداخلة الأبعاد: بعد طائفي وآخر إسلامي وثالث قومي ورابع -وهو الأهم- أنها دولة تتصارع فيها قوى ومصالح كثيرة وتسعى لتأمين نفسها.

إن الدور الإيراني -في نظر الكثير من جماهير السنة- بقدر ما هو إسلامي في فلسطين ولبنان ويصب في خانة مصلحة الأمة ووحدتها وصمودها في فلسطين ولبنان، بقدر ما اتسم بالطائفية والسلب في العراق ويغذي الطائفية والتمزق.

ولأن السياسة في إيران كما هي في كل مكان متحركة لا يبعد أن تكون بصدد الإقدام على تعديلات مهمة في اتجاه المراجعة والتصحيح، إدراكا أن جماهير السنة التي تخطت البعد الطائفي ووقفت بلا حدود مع حزب الله لن تجد عنها إيران بديلا في مواجهة الأخطار التي تتربص بها.

غير أن تلك الجماهير تشعر بخيبة أمل مريرة من السياسات الإيرانية في العراق، كاستضعاف السنة وتشجيع عوامل التفكك والفدراليات، مما سيكون نموذجا لتفكيك المنطقة برمتها، وقد لا تنجو منه إيران ذاتها.

د- في الأخير أمام الحركة الإسلامية وقوى المقاومة في المنطقة وفي العالم فرصة كبيرة لتوظيف النصر المبين الذي تحقق لمصلحة الأمة ولقوى التحرر إذا هي أحسنت رؤية الأمور على حقيقتها وأقدمت بشجاعة على القيام بما يجب القيام به من أجل ذلك.

أما إذا تركت الأعداء يمضون إلى مخططاتهم بحرية فنجحوا في تفجير عوامل التفكك في المنطقة وانفردوا بهذا واحتووا ذاك ودمروا الثالث فستعود بنا الذاكرة إلى النتائج الكارثية لحرب رمضان رغم النصر.

إن المنطقة تستقبل مرحلة غاية في الخطورة تفرض أعلى درجات الانتباه والتضامن والعقلانية والتوكل. "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون".

المصدر : الجزيرة

التعليقات