محمد فال ولد المجتبى

ـ خصائص مشتركة ونزعات متعددة
ـ مقاربات نظرية للظاهرة
ـ عوامل نشأة وصعود اليمين المتطرف

الصعود النسبي لليمين المتطرف في الانتخابات البلدية البلجيكية الأخيرة أحيا اهتمام الأوساط السياسية والإعلامية بأحزاب اليمين المتطرف.

والواقع أن هذه الأحزاب لم تعد ظاهرة هامشية في المشهد السياسي الأوروبي، بل إنها أصبحت ذات ثقل شعبي معتبر، وطرفا ثابتا في المعادلات الانتخابية، وفاعلا سياسيا يتزايد تأثيره في صياغة الرأي العام الأوروبي.

وهي اليوم تدفع الطبقة السياسية إلى تبني مواقف واعتماد خيارات تقر الدولة عبرها مطالب الأحزاب المتطرفة رغم الرفض المعلن لخطابها الغوغائي.

"
لا تجرؤ أحزاب اليمين عادة على المطالبة الصريحة بنظام مؤسسي غير ديمقراطي، لكن أبرز قواسمها المشتركة هو نفورها من النظام الديمقراطي وعداؤها للطبقة السياسية التقليدية
"
خصائص مشتركة ونزعات متعددة
أحزاب اليمين المتطرف وافرة العدد، متداخلة الاهتمامات، نزعاتها متعددة وصياغات خطابها متنوعة، وذلك منشأ تعدد تسمياتها وسبب اختلاف المهتمين بتصنيف فئاتها.

لكن مما يتفق عليه الباحثون هو وجود خصائص مشتركة لا يخلو منها واحد من هذه الأحزاب، وأن ثمة فئات رئيسة يمكن تمييزها في إطار اليمين المتطرف.

لا تجرؤ هذه الأحزاب عادة على المطالبة الصريحة بنظام مؤسسي غير ديمقراطي، لكن أبرز قواسمها المشتركة هو نفورها من النظام الديمقراطي، وعداؤها للطبقة السياسية التقليدية، وهو ما يتجلى في حرصها على الانتقاص من شرعية النظم القائمة ونقدها للنظام التمثيلي البرلماني وما تعتبره جدلا فارغا بين الزعماء الطامحين إلى تحقيق مآربهم الشخصية عبر الاشتغال بالسياسة.

كما تشن جميعها حملة شعواء ضد ما تصفه بالحرية المفرطة وضعف هيبة الدولة وتفكيك الكيانات الاجتماعية التقليدية ومعاندة طبائع الأشياء بالإفراط في المساواة.

هذه الخصيصة المشتركة تنضاف إليها ثلاث أخر:
? النزعة اليمينية: إذ رغم أن السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي يمثل الموقف منها معيارا تقليديا للتمييز بين قوى اليمين واليسار، لا تمثل محور اهتمام الجيل الحالي من أحزاب اليمين المتطرف.
فإن مواقفها في هذا الميدان تميل غالبا إلى تبنى خيارات نيوليبرالية تعارض أي دور للدولة في إعادة توزيع الثروة أو توجيه دفة الاقتصاد، كما تتجلى نزعتها اليمينية عبر صراعها مع قوى اليسار شيوعية واشتراكية.

لكن أبرز ملامح يمينيتها يبقى اهتمامها المفرط بموضوع احترام القانون وحفظ النظام، وهو موضوع مفضل لدى أحزاب اليمين التقليدي، لكنه في هذه الحالة يطرح بإلحاح أكبر وعبر خطاب أكثر راديكالية.

? الخطاب الوطني: الذي يتجاوز أحيانا الاهتمام بالبلد الذي ينشط فيه الحزب إلى صياغة مطالب توسعية إمبريالية أو جهوية.

وينطلق مفهوم الوطنية هنا من منظور عرقي -عنصري أحيانا- يميل إلى إقامة فكرة المواطنة على أساس القرابة الدموية.

كما يمتاز الخطاب الوطني لدى هذه الأحزاب بصياغته العدوانية ونزعته الإقصائية التي تكشف طبيعته الشوفينية واعتماده على فكرة الانتقاء التاريخي.

? وجود قيادة قوية وكارزمية غالبا: مما يدفع هذه الأحزاب إلى اعتماد بنى تنظيمية تكرس مركزية السلطة، وينحو بنشاطاتها منحى شعبويا ديماغوجيا في الشكل والمحتوى؛ وهو ما يظهر في ميلها المفرط إلى الصدام والمواجهة مع القوى السياسية التقليدية، وسعيها لاستغلال مشاعر القلق وعدم الرضا لدى المواطن العادي.

وإذا كانت هذه الخصائص تمثل قواسم مشتركة بين قوى أحزاب اليمين المتطرف، فإن بالإمكان تصنيف أحزابه إلى فئات تطغى على كل منها خصائص معينة تميزها عن البقية:

? أحزاب الفاشية الجديدة: كالحزب القومي الديمقراطي بألمانيا والحركة الاجتماعية الإيطالية سابقا (تسمى الآن التحالف الوطني).

وأهم ما يميز هذه الفئة تبنيها لتراث الأحزاب الفاشية العتيدة وارتباطها المعلن بالفاشية كمرجعية أيديولوجية.

ورغم أن هذه الأحزاب تراجعت كثيرا ولم يعد لها كبير شأن فإنها سبق أن حققت نجاحا انتخابيا مقدرا واعتبرت لبعض الوقت مثالا لصعود اليمين المتطرف.

? الأحزاب الشعبوية: وتتميز بابتعادها عن الشعارات الفاشية ورفعها مطالب ترتبط بفكرة التقدم، إضافة إلى محاربتها لتدخل الدولة في المجال الاقتصادي ودفاعها عن السياسات النيوليبرالية وانتقادها للتضخم البيروقراطي وتكاليف دولة الرفاه.

وأبرز أحزاب اليمين الراديكالي الشعبوية -كما يصفها البعض- التي تتبنى هذه المواقف، هي أحزاب التقدم في كل من النرويج والدانمارك وسويسرا.

? أحزاب الكراهية: وهي حاليا أكثر أحزاب اليمين المتطرف نجاحا على المستوى الانتخابي، وتمثلها بامتياز الجبهة الوطنية بفرنسا، والحزب الليبرالي النمساوي فضلا عن الحزب الفلاماني البلجيكي الفائز أخيرا.

ولا تتبنى هذه الأحزاب التي تستعير بعض مظاهر الخطاب الفاشي، مواقف أيديولوجية محددة فيما يتعلق بالشأن الاقتصادي رغم اهتمامها الملحوظ بمستويات الرفاه الاجتماعي.

ويبدو أنها وجدت ضالتها في موضوع الهجرة متخذة من التحريض ضد المهاجرين والأقليات المحور المركزي لإستراتيجيتها الدعائية، وهو ما وجد له صدى لدى قطاعات واسعة من المجتمعات الأوروبية.

"
ظاهرة صعود أحزاب اليمين مستعصية على التأطير النظري المغلق، ومن ثم فإن فهمها واستيعاب أبعادها المختلفة يتطلب مقاربة أكثر تكاملا
"
مقاربات نظرية للظاهرة
حظيت أحزاب اليمين المتطرف الأوربي باهتمام بالغ خلال السنوات الأخيرة، وسعى بعض الباحثين إلى تطوير مقاربات نظرية تحاول تفسير الظاهرة وتيسير فهمها.

ومن أبرز هذه النظريات:
? نظرية الحرمان النسبي: وتميل إلى تفسير صعود اليمين المتطرف برغبة فئات محددة في الاحتجاج على ما تعتبره ضررا لاحقا بها جراء تحولات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

ومن ثم فإن النجاح الانتخابي للأحزاب المتطرفة يعود إلى التصويت الاحتجاجي للفئات المذكورة أكثر مما يعبر عن قبول شعبي للظاهرة.

وهذا التفسير لا يخلو من وجاهة، لكنه يصطدم بحقائق مثل كون تشابه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في عدد من البلدان لم يؤد إلى نفس النتائج السياسية، ومثل التنوع الملحوظ في الخلفيات الاجتماعية لناشطي أحزاب اليمين المتطرف وناخبيها، ناهيك عن أن هذه الأحزاب أصبحت تتمتع -كما هو الحال في فرنسا- بقاعدة انتخابية مستقرة ومتنامية باطراد.

? نظرية السياسة الجديدة: ويرى أصحابها أن الأحزاب التقليدية لم تعد مؤهلة للاستجابة للمشكلات التي تطرحها المجتمعات الحالية، وأن المناخ السياسي يميل بالتدريج إلى إضعاف الروابط الحزبية التقليدية.

ويؤكد هؤلاء أن تراجع الثقة في الممارسة السياسية من شأنه أن يزيد فرص ظهور خيارات سياسية غير عادية، خاصة أن تغير القيم في المجتمعات المعاصرة تجاوز قدرة الخيارات التقليدية على مواكبة التحولات الاجتماعية واستيعابها.

مقتضى هذه المقاربة أن اليمين المتطرف ليس سوى ابن طبيعي للمجتمع الأوروبي الراهن، مثلما أن أحزاب الخضر اعتبرت حين ظهورها ابنا شرعيا لهذا المجتمع.

لكن نظريات السياسة الجديدة -وإن وفقت في رصد تأثير التحولات القيمية والبنيوية داخل المجتمع على الحياة السياسية- لا تقدم توضيحات كافية حول متى يحدث هذا التغيير ولا كيف تتغير تفضيلات الناخبين أو في أي اتجاه تتحول.

? نظرية الطلب الاجتماعي: وفحوى هذه النظرية، القريبة من سابقتها والمكملة لها، أن نجاح اليمين المتطرف الانتخابي يعكس مصادفة خطابه لأهواء قطاعات اجتماعية عريضة عرفت خلال العقود الأخيرة انتشارا متزايدا لمشاعر التعصب العرقي والثقافي وكراهية الأجانب والضجر من قيم الحرية والمساواة والتضامن.

غير أن مشكلة هذه النظرية -مثل سابقتيها- أنها لا تقدم تفسيرا مقنعا لتفاوت مستويات النجاح الانتخابي لليمين المتطرف حسب البلدان، رغم تشابه أوضاعها وتجانس شعوبها من حيث المشاعر وأنماط السلوك والتوجهات الاجتماعية...

وكل ذلك يفيد بأن الظاهرة مستعصية على التأطير النظري المغلق، ومن ثم فإن فهمها واستيعاب أبعادها المختلفة يتطلب مقاربة أكثر تكاملا.

"
الصعود المسجل الآن لا يمثل نجاحا لأحزاب اليمين هذه بقدر ما يعتبر فشلا لطبقة سياسية أصابها الترهل ونال منها الفساد، وعرضا لمأساة مجتمعات أوهنتها الشيخوخة وتعرضت لأزمة قيم
"
عوامل نشأة وصعود اليمين المتطرف
سنستعرض سريعا المتغيرات المتعلقة بظهور أحزاب اليمين المتطرف ونجاحها على المسرح السياسي في أوروبا، بعد تصنيف هذه المتغيرات إلى أربع مجموعات.

? المتغيرات المجتمعية: وأهمها تلك المتعلقة بوجود اهتمام طارئ بمسائل محددة لا يغطيها خطاب الأحزاب التقليدية أو لا يوليها العناية الكافية من وجهة نظر البعض.

عندها يتحول الموضوع إلى محور استقطاب تتكون حوله تدريجيا فئة من الناخبين تبحث عن صوت سياسي جديد يتفاعل مع اهتماماتها ويعبر عن مطالبها.

في هذا السياق يلاحظ أن هذه الأحزاب استغلت تحول ظاهرة الهجرة إلى شاغل لقطاعات اجتماعية أصبحت ترى فيها مشكلة تقصر الأحزاب التقليدية في العناية بها، فاتخذتها موضوعا للدعاية السياسية على نحو أدى إلى النتائج الانتخابية المعروفة.

هناك عامل مجتمعي آخر هو توسع كتلة الناخبين وحصول فئات اجتماعية جديدة على حق التصويت، وهو ما يعضده كون نسبة مرتفعة من ناخبي اليمين المتطرف تنتمي إلى فئة الشباب حديثي السن.

? المتغيرات المؤسسية: وتتعلق بالظروف التي تيسر (أو تعوق) الاعتراف القانوني بهذه الأحزاب وتقدمها على الساحة السياسية.

ومن أكثرها تأثيرا طبيعة النظام الانتخابي وما يتضمنه من صيغ لحساب المعدلات والحصص الانتخابية وشروط التمثيل البرلماني للأحزاب.

منها أيضا الشروط الدستورية والقانونية والقيود البيروقراطية على الاعتراف بالأحزاب سواء عند إنشائها أو أثناء نشاطها، مثل اشتراط حد أدنى من التوقيعات وتقديم ضمانات مالية.

ويمثل التمويل عائقا مهما خاصة في البلدان التي تعتني بالتدقيق في مصادر تمويل الأحزاب ولا تقدم دعما ماليا إلا على أساس النتائج الانتخابية.

ومن هذه المتغيرات كذلك حظوظ الأحزاب الناشئة في اجتذاب وسائل الإعلام والحصول على تغطية مناسبة تضمن لها لفت انتباه القطاعات الاجتماعية المستهدفة بخطابها.

? المتغيرات السياسية: كوجود حزب مسيطر لا تبدو إزاءه بقية الأحزاب منافسا وبديلا سياسيا جديا، مما يدفع الناخبين المتذمرين إلى البحث عن خيارات بديلة.

ومنها كذلك طبيعة رد فعل الأحزاب الأصلية على ظهور خطاب الأحزاب المتطرفة، حيث تجد الأولى نفسها عادة في مأزق بين مخاوف الابتعاد عن الناخب العادي وإغراءات منافسة الأحزاب المتطرفة على جمهورها.

ولعل أهم المتغيرات السياسية هو مستوى الاستقطاب الأيديولوجي داخل الطبقة السياسية، فكلما تقاربت رؤى الأحزاب التقليدية واتجهت إلى الالتقاء في منطقة الوسط سعت الأحزاب الجديدة لاحتلال الفراغات المهجورة على أطراف الخريطة السياسية، والعكس صحيح.

? المتغيرات المتعلقة بالقدرات التعبوية: ومنها -وهي سمة مشتركة بين هذه الأحزاب، كما قدمنا- وجود زعيم كارزمي ذي مؤهلات تهيئه ليحتل موقعا على الساحة السياسية، كما حصل مع لوبان في فرنسا وهايدر في النمسا وجانمات في هولندا وديلن في بلجيكا...

يضاف إلى ذلك مدى قدرة الحزب على اجتذاب مصادر للتمويل تغطي تكاليف أنشطته، فضلا عن طبيعة البنية التنظيمية التي يختارها الحزب، حيث يلاحظ أن معظم الأحزاب التي حققت بعض النجاح بدأت بتكوين نواة صلبة على مستوى جهوي أو فئوي مثلت نموذجا لنجاحها ونقطة ارتكاز لانتشارها اللاحق.

رغم النجاح النسبي لأحزاب اليمين المتطرف شعبيا، ورسوخ قدم بعضها سياسيا، وتأثيرها بشكل مباشر أو غير مباشر في صناعة الرأي العام وصياغة القرار السياسي في أكثر من بلد، فليس من المؤكد أنها ستزداد تجذرا اجتماعيا أو تقدما على الصعيد السياسي؛ فالموجة الحالية هي ثالث موجات التطرف التي انحسر مدها في أغلب الحالات.

والصعود المسجل الآن لا يمثل نجاحا لهذه الأحزاب بقدر ما يعتبر فشلا لطبقة سياسية أصابها الترهل ونال منها الفساد، وعرضا لمأساة مجتمعات أوهنتها الشيخوخة وتعرضت لأزمة قيم.
__________________
كاتب موريتاني

المصدر : الجزيرة