ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

- سيرة الشيخ مع الخارجين عليه
- النموذج الحركي المتماهي مع السلطة
- مميزات نموذج جاب الله وإشكالاته
- فرص نجاح هذا النموذج

فوجئت الساحة السياسية الجزائرية في السابع من يونيو/حزيران الماضي بقرار إحدى المحاكم الجزائرية القاضي بتجميد نشاط الأمين العام لحزب الإصلاح الوطني الشيخ عبد الله جاب الله وكف يده عن الحزب، بناء على الدعوة المرفوعة ضده من طرف مجموعة من قياداته.

وكان لافتاً بالطبع مجيء القرار عقب أربعة قرارات قضائية أخرى جاءت جميعاً لصالح جاب الله وضد الخارجين عليه.

من المفيد القول ابتداء إن استقلالية القضاء في العالم العربي هي أقرب إلى الوهم منها إلى الحقيقة، لاسيما حين تكون القضية ذات صلة بالسياسة والحكم.

لكن قضية جاب الله كانت مفضوحة إلى حد كبير، إذ كيف تخطئ أربعة قرارات سابقة ويصيب القرار الأخير لولا أن الموقف السياسي قد تغير وصار المطلوب هو الإطاحة بالرجل والانتصار للخارجين عليه، وصولاً إلى تفكيك الحزب وإخراجه من اللعبة السياسية، أقله إلى حين من الدهر يمكن بعده تغيير القرار تبعاً للمعطيات السياسية الجديدة.

"
الشورى في الحركات الإٍسلامية تبدو مضللة إلى حد كبير، لأن انتخابات أعضاء مجلس الشورى لا تتم تبعاً للمواقف السياسية، وإنما تبعاً للأبعاد الشخصية، كما أنه لا يكون العضو ملزماً بآراء القاعدة التي انتخبته
"
سيرة الشيخ مع الخارجين عليه
ليست هذه المرة هي الأولى التي يطاح فيها بالشيخ جاب الله من زعامة حزبه، فقد وقع ذلك قبل سنوات من دون حضور مباشر للمؤسسة السياسية الرسمية، إذ تمت العملية عبر سيطرة خصوم الشيخ على الحزب أو الحركة (النهضة) من خلال مجلس الشورى الذي يشكلون غالبية أعضائه، في حين كانوا هم أنفسهم أعضاء الحزب في البرلمان الذين أرادوا المشاركة في الحكومة خلافاً لرأي الشيخ.

فما كان من الشيخ غير تجاوز الموقف، إيماناً منه بانحياز القواعد إليه، ومن ثم إنشاء حزب جديد (الإصلاح الوطني) ما لبث أن حصل على المرتبة الثالثة في الانتخابات الأخيرة، بعد جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي، وكلاهما من منتجات السلطة، وإن كان للأول نكهته التاريخية المعروفة.

ما يعنينا في تجربة الشيخ جاب الله وخلفيات الانقلاب الأول والثاني عليه هو النموذج الثالث الذي يقدمه ويصر عليه في سياق العمل الإسلامي الحركي في العالم العربي، وهو النموذج الذي يقف بين نموذجين.

أولاهما النموذج العنيف أو الانقلابي، مع تباين التجارب ضمن هذا المربع، وثانيهما النموذج الإسلامي المبالغ في الاعتدال إلى حد التماهي مع لون السلطة، بل تشكيل جبهة حماية لها في مواجهة المد الشعبي، أو لنقل منح الشرعية للعبتها الديمقراطية الزائفة، ليس من خلال المشاركة البرلمانية المعارضة على استحياء فحسب، بل أيضاً من خلال المشاركة في بعض الحالات في السلطة التنفيذية، وفق الشروط الرسمية بالطبع.

نموذج جاب الله هو ذلك الرافض للتماهي مع لون المؤسسة الرسمية، مع معارضة فاعلة من خلال العمل السلمي في الشارع وفي البرلمان، مع ضبط العمل البرلماني على إيقاع الخطاب الخاص بهذا النموذج، وعدم السماح له بجر الحركة نحو اللون الآخر، سواء كان من خلال الصفقات الجانبية (مقايضة الخدمات الحكومية بالتخفيف من الخطاب المعارض على مختلف المستويات)، أو من خلال المشاركة السياسية في الحكومات.

وهي مشاركة ينتج عنها فقدان اللون المعارض برمته، لاسيما أنها غالباً ما تتم من خلال وزارات هامشية، والأسوأ من خلال قيام الحكومات بتحديد أسماء المشاركين، وهم غالباً من اللون المبالغ في المهادنة والحريص على البقاء في السلطة أكثر من حرصه على صورة الحركة وشعبيتها في الشارع.

النموذج الحركي المتماهي مع السلطة
ما من شك أن حركة مجتمع السلم التي أسسها وقادها الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله قد مثلت هذا النموذج المتماهي مع السلطة خير تمثيل، تشبهها إلى حد كبير حركات تنتمي إلى المدرسة الإخوانية في أكثر من بلد عربي وإسلامي.

وعندما انتقل الشيخ إلى جوار ربه لم تغادر الحركة المربع الذي رسمه لها، ووصل الأمر بها حد أن يكون أمينها العام -أو مراقبها العام بحسب التعبير الإخواني- وزير دولة في الحكومة، أي وزيرا بلا حقيبة.

ولنتخيل حركة تقول إنها تستهدف تغيير الأسس المرجعية للمجتمع والدولة، أو تسعى لاستئناف الحياة الإسلامية بحسب التعبير المعروف يصبح قائدها وزيراً بلا وزارة في تلك الدولة!! مع العلم بأن دوائر الحركة قد فوجئت بقرار الرجل بحسب ما نقل عن بعض قياداتها.

كان الشيخ رحمه الله قد خط هذا المسار تبعاً لعلاقة المناكفة بينه وبين قادة جبهة الإنقاذ من دون أن يكون مقبولاً من طرف كوادر الحركة الأقرب إلى خطاب الرفض أو المعارضة.

لكن الكاريزما، وربما السطوة التي كان يتمتع بها كانت كفيلة بتمرير ما يريد، لاسيما بعد أن تخلص من أهم معارضيه، وحول أعضاء مجلس الشورى ومعظمهم من الجيل الشاب، إلى نواب ووزراء.

تواصل هذا المسار بعد الشيخ، بل إن البعض قد اعتبر البقاء عليه جزءا من الوفاء لزعامته، لاسيما بعد رحيله الدرامي بمرض السرطان.

وشيئاً فشيئاً بدأت الحركة تتطبع على هذا الوضع، مع العلم بأن الشورى في الحركات الإٍسلامية تبدو مضللة إلى حد كبير، لأن انتخابات أعضاء مجلس الشورى لا تتم تبعاً للمواقف السياسية، وإنما تبعاً للأبعاد الشخصية.

كما أنه لا يكون العضو ملزماً بآراء القاعدة التي انتخبته، بل إنها لا تكون في أكثر الأحيان على تواصل معه ولا معرفة بالمواقف التي يتخذها.

والخلاصة هي أننا إزاء شورى زائفة، الأمر الذي يتكرر في كثير من الحالات الإخوانية، لعل أكثرها وضوحاً حالة الحزب الإسلامي العراقي الذي تشكل من قواعد أمينة على الخطاب الإسلامي المعروف، لكن قيادة الحزب ومجلس شوراه انحازا في ظل الاحتلال إلى مواقف لا تمت إلى روحية القواعد والأدبيات التي تربت عليها، مثل دخول مجلس الحكم الذي أنشأه الاحتلال والحكومة الانتقالية، فضلاً عن التصويت بنعم على مسودة الدستور.

أعضاء مجلس الشورى في الحالات التي نحن بصددها لا يعبرون عن ضمير القواعد، بقدر ما يعبرون عن هواجسهم هم، وربما قناعاتهم التي تشكلها القيادة عبر تسريبات وضغوط من المؤسسة الرسمية.

وفي العموم فإن الموقف لا يعدو أن يكون حواراً يصل إلى قرار قد يمر من خلال صوت واحد أو أكثر بقليل في كثير من الأحيان.

"
شطب جاب الله يتم كي يقال إن نموذج المعارضة القوية لن يكون مقبولاً وأن ليس ثمة مجال إلا لنموذج حركة مجتمع السلم الذي سيتوقف التسامح معه عندما تنتفي الحاجة إليه بغياب الأكثر راديكالية من الإسلاميين
"
مميزات نموذج جاب الله وإشكالاته
نشير إلى ذلك كله في سياق المقارنة، ومن أجل إبراز أهمية النموذج الآخر الذي نحن بصدده، والذي مثله الشيخ عبد الله جاب الله، أعني نموذج الحركة الإسلامية المتمسكة بالعمل السلمي مع رفض التماهي مع اللون الرسمي، والإصرار على اللون المعارض، من دون وضع فيتو دائم على مسألة المشاركة السياسية.

لكن المشاركة تخضع لميزان حساس يأخذ في الاعتبار الموقف الشعبي ومصالح الجماهير أكثر من مصالح المجموعة المتنفذة في الحزب أو نخبته القيادية.

يشار هنا إلى أن تميز الشيخ بهذا المسار قد تبدى أول ما تبدى من خلال موقفه من الصراع الذي دار بين جبهة الإنقاذ والسلطة منذ مطلع التسعينيات، حين مال إلى موقف وسطي بين الطرفين مع الرفض الدائم لسلوك السلطة والعسكر، في حين انحاز الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله إلى معسكر السلطة والجيش.

وكان نحناح الوحيد الذي لم يوقع على عقد روما عام 1996، بل ساند النظام الذي كان على وشك التداعي، ثم ترشح في انتخابات الرئاسة من أجل منحها الشرعية في ظل مقاطعة جميع الأحزاب الأخرى.

ثمة إشكاليات كثيرة تواجه هذا النموذج، لعل أبرزها حاجته إلى قيادة قوية "كاريزمية" ولديها قابلية للتضحية في آن، بحيث تكون قادرة على ضبط إيقاع المشاركة السياسية بشقيها البرلماني والحكومي ضمن مسار الحركة لا مصالح المشاركين، من دون الالتفات إلى تهم التفرد والدكتاتورية من قبل أناس يريدون الذهاب بعيداً في علاقتهم بالسلطة التي تلوح لهم بسيف المعز وذهبه.

هذا ما وقع بالضبط في التجربة الأولى للشيخ جاب الله، فقد سرقت الحركة (النهضة) منه من قبل أعضاء مجلس الشورى والبرلمان، لكنها ما لبثت أن انتهت إلى حزب هامشي، بينما حاز الشيخ بحركته الجديدة (الإصلاح الوطني)، وبالطبع بعد انحياز القواعد إليه، حاز الرقم الثالث في الانتخابات كما أشير سابقا.

وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه سابقاً من زيف الشورى التي احتج بها مناهضوه، ولو صح أنها حقيقة لما رحلت القواعد باتجاه الحزب الجديد الذي أسسه الشيخ بذات الخطاب الذي دافع عنه في مواجهة الخارجين عليه بقيادة الحبيب آدمي في ذلك الوقت.

الإشكالية الثانية التي تواجه هذا النموذج هي هجمة الدولة والمؤسسة الرسمية عليه، وبالتالي انتصارها الدائم للخارجين عليه أو المشككين في قيادته، كما وقع للشيخ في التجربة الأخيرة.

وحتى لو لم تصل الأمور إلى هذا المستوى، فإن الدولة غالباً ما تواصل إثارة المتاعب للحزب وقيادته عبر النواب والراغبين في المشاركة الوزارية من دون أن يقولوا إنهم يرغبون فيها لأنفسهم.

من خلال لعبة تقديم الخدمات للنواب، ومن خلال المكاسب الشخصية والأسرية وما شابه ذلك، غالباً ما تتمكن السلطة من إيجاد أصوات لها في حركات كهذه، في حين يشرع هؤلاء في إثارة المتاعب وبناء جيوب داخل الحركة، وإذا لم تكن القيادة "كاريزمية" بما يكفي فهي غالباً ما تجد نفسها عاجزة عن مواجهة الموقف.

في التجربة الأخيرة للشيخ جاب الله بدت أصابع السلطة أكثر وضوحاً من المرة الماضية، لأن الخارجين عليه لا يشكلون الغالبية في الحزب أو مجلسه الشوري كما هو حال المرة الماضية، ولعل ذلك هو ما دفعهم نحو اللجوء إلى القضاء، أو بتعبير أدق، الاستقواء بالسلطة من أجل حسم الصراع.

وفي حين أن السلطة مالت إلى الحياد في البداية، فإن حسابات سياسية جديدة قد دفعت نحو موقف مغاير، ربما بسبب مساومات تتعلق بمحاولات الرئيس بوتفليقة الإمساك بالوضع الجزائري على نحو شامل خلال المرحلة المقبلة.

وللتنبيه فإن السلطة لم تكن غائبة في المرة الماضية، لأنها هي ذاتها التي استقطبت برلمانيي الحركة وأقنعتهم بالمشاركة في الحكومة على غرار حركة مجتمع السلم.

نشير هنا إلى أن عودة بعض قادة جبهة الإنقاذ من الخارج وعلى رأسهم رابح كبير ينطوي على محاولة لتأسيس حزب جديد بذات الروحية التي تسير عليها حركة مجتمع السلم، ولعل ذلك قد ساهم في التسريع بقرار شطب جاب الله.

ويتم ذلك بالطبع كي يقال إن نموذج المعارضة القوية لن يكون مقبولاً وليس ثمة مجال إلا لنموج حركة مجتمع السلم، وذلك مؤقت أيضاً وسيتوقف التسامح معه لاحقاً عندما تنتفي الحاجة إليه بغياب الأكثر راديكالية من الإسلاميين.

"
نموذج جاب الله هو الأقدر على حصد المكاسب الشعبية، بصرف النظر عن القدرة على ترجمتها سياسياً في المدى القريب بسبب موقف السلطة
"
فرص نجاح هذا النموذج

لا يعني ذلك كله أن هذا المسار محكوم عليه بالفشل، إذ إنه الأقدر على حصد المكاسب الشعبية، بصرف النظر عن القدرة على ترجمتها سياسياً في المدى القريب بسبب موقف السلطة.

ولا شك أن على من يختط هذا المسار أن يكون واضحاً منذ البداية، ليس مع برلمانييه فحسب، بل مع ممثليه في البلديات ومختلف المواقع وقبل ذلك الكوادر.

وله بالطبع أن يحدد مسبقاً شكل تعاطيه مع هذه الفئات في السياق المالي والسياسي، وهو ما فعله الشيخ جاب الله في أي حال، لكن الذي حسم الموقف ضده هذه المرة هو السلطة السياسية التي أزعجها استقلال قراره وقدرته على حصد المزيد من المكاسب الشعبية مقابل تراجع حركة مجتمع السلم، وإن لم يظهر ذلك بوضوح كبير حتى الآن.

والسبب هو أن الحركات السياسية والاجتماعية لا تموت بالسكتة القلبية بل بالشيخوخة، وما إن تتراجع قدرتها على استقطاب الشبان ويبدأ متوسط أعمار منتسبيها في التقدم حتى تبدأ في الأفول، في حين تأخذ بعض الحركات في التعبير عن فئة بعينها من المجتمع لا تتجاوزها، كأن تغدو معبرة عن بقايا الطبقة المتوسطة أو الأقرب إلى الطبقة الغنية، ولكن المتدينة، بعيداً عن غالبية الفقراء ومحدودي الدخل ممن يميلون إلى الخطاب المعارض والرافض بقوة للظلم والفساد.

في ظل الأوضاع القائمة، أعني حرص النظام العربي الرسمي على ديمقراطية شكلية ليس فيها من الديمقراطية سوى عناوينها المعروفة (برلمان، أحزاب، انتخابات)، يبدو الخيار الثالث الذي مثله الشيخ جاب الله مهماً إلى حد كبير، ربما إلى جانب نموذج قريب منه، لعله رابع لو صح التصنيف، مثلته حركة العدل والإحسان في المغرب.

نموذج جاب الله هو النموذج الذي يعترف بالأوضاع القائمة، ولكن على قاعدة العمل على تغييرها، وليس منحها الشرعية ورخصة البقاء، إضافة إلى الحرص على تحقيق مصالح الناس، ليس على أساس الصفقات الفردية مع النواب لقاء أثمان سياسية، وإنما على قاعدة الدفاع عن مجموع الشعب بمواقف صلبة وواضحة.

ما جرى للشيخ جاب الله لا يشكل ضرباً لهذا النموذج، بل تأكيداً على قدرته على النجاح، لاسيما حين يأتي من طرف مجموعة لها قاعدتها المنظمة والمؤدلجة التي يتمرد فعلها على القرارات السياسية الفوقية.

ولو انتهجته حركة مجتمع السلم أو أي مجموعة لها وضع تنظيمي أقوى لما كان بالإمكان ضربها على هذا النحو، مع العلم بأن الحركات الكبيرة لا تخضع في حضورها وغيابها لقرار رسمي، بدليل الحضور الكبير للإخوان المسلمين في مصر رغم الحظر الرسمي، ويمكن وضعهم ضمن إطار ذات النموذج الذي نتحدث عنه، أقله إلى الآن.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك