الطيب بوعزة

كاتب مغربي

من طبيعة المذاهب السياسية والاقتصادية أن يكون الواقع المجتمعي هو حقل اختبارها الحقيقي؛ فهي ليست مجرد تنظيرات تجريدية حتى يمكن الاكتفاء بمعايرتها بالأقيسة المنطقية والموازنات الذهنية المجردة، إنما لابد من تفعيل منهجية الملاحظة والاستقراء، للتزود بالمعطيات الملحوظة عن هذه النظم والمذاهب في مختبرها المجتمعي، لاستخلاص المراجعات النقدية الواجب إجراؤها عليها بناء على ذلك الاستقراء.

وعندما نطالع تاريخ النظم السياسية، ونقف خاصة عند اللحظات المفصلية التي ميزت لحظات تطورها، سنلاحظ أن لحظة النقد غالبا ما تظهر في تاريخية هذه النظم كلحظة لاحقة لإشكالات وأزمات انبجست أثناء التطبيق.

وهذه الملحوظة العامة التي تصلح أن تُتخذ منطلقا منهجيا لإبصار لحظة المراجعة النقدية التي تلحق النظم السياسية والاقتصادية، يجوز تشغيلها لمقاربة تيار الليبرالية في القرن العشرين؛ إذ بذلك نبصر السياق التاريخي لتطور هذا التيار، وانبثاق الأطروحة النيوليبرالية كمراجعة نقدية للواقع الاقتصادي الرأسمالي والإشكالات التي اعترضته خلال ذلك القرن.

فما هو إذن الشرط التاريخي الذي أدى إلى بروز هذه المراجعة وما دلالتها؟

"
إذا كانت الليبرالية كفلسفة سياسية ومنظومة اقتصادية قد بدأت في التشكل والتبلور النظري في القرن الثامن عشر، فإن النيوليبرالية –حسب دعاتها- خط جديد داخل التيار الليبرالي ظهر في بداية عقد السبعينيات من القرن العشرين
"
إذا كانت الليبرالية كفلسفة سياسية ومنظومة اقتصادية قد بدأت في التشكل والتبلور النظري في القرن الثامن عشر، فإن النيوليبرالية –حسب دعاتها- خط جديد داخل التيار الليبرالي ظهر في بداية عقد السبعينيات من القرن العشرين.

بيد أنه لفهم أسباب هذا الظهور لابد من بحث سياقه، بدرس جدل النظرية الليبرالية مع الواقع خلال فترات سابقة لتوقيت ظهور النيوليبرالية. بمعنى أنه لابد من الرجوع إلى النصف الأول من القرن العشرين، حيث سنلاحظ اشتداد النقد للأيديولوجية الليبرالية، وإخضاعها لمراجعات ومقولات تكشف عن الاختلالات الكامنة في أسسها النظرية وواقعها التطبيقي.

تلك المراجعات التي ستخلص إلى المناداة بالحد من حرية الفعل الاقتصادي. ومن الملحوظ في هذه الفترة تكاثر الكتابات التي تنزع نحو الحديث عن الليبرالية بوصفها أيديولوجية ونظاما اقتصاديا متقادما قد تخطته البشرية أو هي في سبيلها إلى تخطيه!

وقد كان هذا الرأي واضحا في الأطروحات النقدية التي ظهرت في حقل الاقتصاد السياسي، خاصة تلك التي صدرت من داخل الفلسفة الماركسية.

وإذا كنا اليوم نسمع خطابا يسوّق الليبرالية بوصفها النظام المجتمعي الأخير، أي الذي يؤشر إلى نهاية التاريخ، فإن المفارقة المدهشة هي أننا لو رجعنا إلى الأدبيات الليبرالية التي ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين، فسنجدها مسكونة بخطاب انهزامي قلق مثقل بلغة التبرير، يركن إلى الدفاع عن استمرارية الليبرالية ومحاولة التدليل على أنها لم تتجاوز.

وظل هذا الخطاب حاضرا ومتداولا حتى عقد الستينيات. ونحيل هنا –كمثال فقط- على دراسة نشرها سنة 1962 الباحث الأميركي غلين تندر في مجلة أكاديمية أميركية متخصصة (The Journal of Politics)، ورغم زعمه في دراسته تلك استمرارية النظام الليبرالي وقدرته على التجدد، فإن مجرد طرح موضوع الاستمرارية -كإشكال يستفز التفكير ويستوجب التبرير والاستدلال- علامة على القلق، بل إن العنوان الذي اختاره لدراسته كاف بحد ذاته للدلالة على عمق هذا القلق الذي كان يعتمل بداخل الوعي الليبرالي في تلك الفترة التاريخية، حيث عنون دراسته باستفهام معبر "هل الليبرالية قد تجاوزها الزمن؟"

لكن ما سبب هذا القلق الذي كان منظرو الاقتصاد السياسي الليبرالي يعبرون عنه في النصف الأول من القرن العشرين؟

لقد شهدت المجتمعات الغربية خلال تلك اللحظة التاريخية مجموعة أحداث وتحولات جذرية في بنياتها السياسة ونظمها وطرائق إدارتها للمجتمع. إذ خلفت الحرب العالمية الأولى واقعا دوليا جديدا شهد بروز ظواهر وقوى جديدة، بفعل انتصار الثورة البلشفية سنة 1917 ونشأة النظام الاشتراكي، ثم لاحقا ظهور الأنظمة الفاشية.

حيث برز شرط واقعي جديد تمثل في بروز نظم، إن كانت تشهد انحطاطا على مستوى الحريات، فإنها في المقابل أنجزت بفعالية ملحوظة نقلات هائلة في مجتمعاتها –خاصة على مستوى التصنيع- وذلك بفعل السلطة الإطلاقية للدولة، وهيمنتها على إدارة العملية الاقتصادية.

"
جاءت الأزمة "العالمية" سنة 1929 لتشكل ضربة هائلة اهتز لها الاقتصاد الرأسمالي إلى درجة الانهيار. وكانت هذه الأزمة مناسبة لانطلاق التفكير الليبرالي إلى محاولة فهم مكمن المشكلة وإيجاد المعالجات الكفيلة بإنقاذ الوضع
"
ثم جاءت الأزمة "العالمية" سنة 1929 لتشكل ضربة هائلة اهتز لها الاقتصاد الرأسمالي إلى درجة الانهيار. وكانت هذه الأزمة مناسبة لانطلاق التفكير الليبرالي إلى محاولة فهم مكمن المشكلة وإيجاد المعالجات الكفيلة بإنقاذ الوضع.

وكان من الملحوظات التي أثارت انتباه منظري الاقتصاد السياسي الليبرالي هو أن هذه الأزمة الهائلة لم تمس الاقتصاديات التي تخضع لسيطرة الدولة (الاقتصاديات الاشتراكية)، بل عصفت فقط بالاقتصاديات الليبرالية الرأسمالية، والمرتبطة بها عضويا بعلاقات وثيقة.

وبناء على هذه الملحوظة المقارنة ستظهر النظرية الكينزية كمحاولة لتعديل النمط الاقتصادي الرأسمالي، حيث سيقترح الاقتصادي البريطاني اللورد جون كينز في كتابه الشهير "النظرية العامة" سنة 1936 حلا مرتكزا على وجوب تدخل الدولة.

وقد أسس حله هذا على تحليل شامل للاقتصاد السياسي الليبرالي وتطبيقاته، وذلك بناء على دراسة مشكلتين رئيستين هما البطالة والنقد؛ منتقدا النظرية الليبرالية الكلاسيكية في نظرتها إلى سوق الشغل، حيث لم تنتبه إلى مشكل البطالة، ولم تبلور معالجات كفيلة بالتقليل منها، إذ اعتقدت خطأ أن كل شخص يستطيع إذا رغب أن يجد العمل الذي يناسبه.

وضدا على هذه الرؤية الحالمة استقرأ كينز النظام الاقتصادي الليبرالي منتهيا إلى التوكيد على أن البطالة ظلت ملازمة له، الأمر الذي يدفع نحو وجوب اعتبارها مشكلا حقيقا بالتفكير والمعالجة.

أما النقد فإن كينز أخذ أيضا على النظرية الليبرالية الكلاسيكية قصور فهمها له؛ حيث قدمت رؤية جد سطحية لمسألة النقود، رؤية لا تجاوز كون النقد مجرد ظاهرة ثانوية لا أهمية لها في العملية الاقتصادية، فالناس لا يتبادلون نقودا بل بضائع ببضائع، وما النقد إلا واسطة. في حين يرى كينز أن ليس هناك شيء في الواقع الاقتصادي أهم من النقد.

وعلى مستوى الرؤية الاقتصادية عاب كينز على الليبرالية افتقارها إلى الرؤية الكلية للواقع الاقتصادي، فهي بسبب فردانيتها تنظر إلى المجتمع بوصفه مجموعة من الأفراد ينبغي أن تعطى لهم حرية مطلقة في الفعل، أما المجتمع فإنه سينتظم تلقائيا بناء على تلك العلاقات الناظمة بين أفراد أحرار في سلوكهم.

بينما أثبتت الأزمة، التي عصفت بالاقتصاد الرأسمالي، أنه لابد من تدخل الدولة لترشيد السلوك الاقتصادي، هذا فضلا عن أن النظرية الكينزية أكدت من الناحية المنهجية ضرورة قيام رؤية علمية تحدد الكم الكلي للمداخيل والاستهلاك والاستثمار وسعر الفائدة، ليتم ضبط وترشيد العملية الاقتصادية في مستوياتها العامة.

"
اقتصاديات ما بعد الحرب العالمية أخذت في عمومها بالنظرية الكينزية، فاعتمدت التدخل الفعلي للدولة في ترشيد العملية الاقتصادية. وقد حقق هذا التدخل وقتئذ إنقاذا ومعالجة لكثير من الإشكالات الخانقة التي عصفت بالاقتصاد الليبرالي
"
في هذا السياق اتجهت المدرسة الكينزية إلى إنجاز تعديل كبير في النظرية الليبرالية، حيث نادت بوجوب تدخل الدولة بدل ترك الفعل الاقتصادي مرتهنا بفردانية "دعه يعمل دعه يمر"، مبلورة بذلك رؤية تقلل من استقلالية وحرية الفعل الاقتصادي. وهذا ما أسماه البعض بإنقاذ الليبرالية من فوضى الحرية، وإخضاع الفعل الاقتصادي لمنطق الدولة لا للمنطق التحرري الإطلاقي للسوق.

لقد كان النقد الكينزي للنظرية الليبرالية أعمق وأوسع مشروع نقدي صدر من داخل المذهب الليبرالي. وقد حظي بانتشار كبير، ففي الوسط الاقتصادي الأكاديمي كان للكينزية أتباع عديدون تبنوا مقولاتها النظرية وجددوا فيها مثل نيقولا كالدور، وغوردن، وبلاندر، وعلى مستوى التطبيق حظيت بالأولوية في السياسات الاقتصادية التي انتهجها الكثير من الدول الرأسمالية.

والواقع أن الكف عن حياد الدولة في الشأن الاقتصادي كان إجراء عمليا اضطرت إلى الالتجاء إليه دول عديدة مباشرة عقب أزمة 1929، ويمكن أن نشير هنا على سبيل المثال إلى "النيو ديل"، أي السياسة الاقتصادية الجديدة التي انتهجها الرئيس الأميركي روزفلت، وفكرة ضبط القوة الشرائية التي قامت بها حكومة ليون بلوم في فرنسا عام 1936.

ويمكن القول بلغة التعميم إن اقتصاديات ما بعد الحرب العالمية قد أخذت في عمومها بالنظرية الكينزية، فاعتمدت التدخل الفعلي للدولة في ترشيد العملية الاقتصادية. وقد حقق هذا التدخل وقتئذ إنقاذا ومعالجة لكثير من الإشكالات الخانقة التي عصفت بالاقتصاد الليبرالي.

لكن في بداية السبعينيات ومع حرب أكتوبر سنة 1973 شهد الاقتصاد العالمي أزمة أخرى عقب ارتفاع سعر النفط. حيث برزت أزمة اقتصادية جديدة لم تكن معروفة بناء على ما هو معهود على مستوى الأزمات الدورية، وتتمثل جدة هذه الأزمة في اقتران التضخم بالبطالة. وهو اقتران نادر الحدوث في تاريخ الاقتصاد الرأسمالي، ولم يسبق أن تمت مواجهته بالثقل الذي ظهر به.

وفي هذا الظرف الدقيق والحرج –أي ظرف الأزمة- كان لابد من انطلاق مراجعة نقدية للنظرية، وبالفعل برزت رؤى اقتصادية عملت على بلورة إطار نظري مغاير للإطار النظري الكينزي، حيث زعمت هذه الرؤى أن سبب الأزمة لا يكمن فقط في ارتفاع سعر النفط، بل في ارتفاع نفقات الدولة على الخدمات العامة التي تقدمها للطبقات الفقيرة والمتوسطة.

وكان الحل المقترح هو التقليل من هذه النفقات، والتراجع عن المقاربة الكينزية بالعود إلى المنطق الليبرالي القاضي بوجوب إطلاق الفعل الاقتصادي من كل قيد خارجي، واختزال سلطات الدولة بالتقليل من مهماتها ونفوذها، وجعل السوق كينونة مستقلة بذاتها.

هذا الحل تم الاصطلاح على تسميته بالنيوليبراليزم (الليبرالية الجديدة). وهنا نذكر بالمدخل المنهجي الذي استهللنا به هذه السطور، فقد قلنا إن المراجعات النقدية لنظم السياسة والاقتصاد تكون في الغالب لاحقة لأزمات ظهرت خلال التطبيق، وتأسيسا على ما سبق نقول على سبيل الاختزال:

إذا كانت النظرية الكينزية تراجعا عن الإطلاق الليبرالي للسلوك الاقتصادي، ورفضا لحياد الدولة بقصد معالجة أزمة سنة 1929؛ فإن النيوليبرالية هي محاولة لمعالجة أزمة 1973، على أساس رفض المنظور الكينزي، والمناداة بالعودة إلى الانتظام وفق الرؤية الليبرالية في أشد تمظهراتها المطلقة.

"
في بداية التسعينيات من القرن العشرين هيمنت الرؤية النيوليبرالية لتكون المرجعية النظرية للعولمة، والفلسفة التي تستهدي بها المؤسسات التي تتحكم في الأرض ومن عليها، على تعدد واختلاف أقطارها وثقافاتها ونظمها!
"
ولقد كان للنيوليبراليزم حضور كبير في الفكر الاقتصادي الأميركي، وخاصة في مدرسة شيكاغو مع أتباع فريدمان، ثم بوشانان وراند ونوزيك. وستجد في فكر هايك hayek ولوباج وروزا وأفتاليون مرجعية نظرية تستلهم منها المفاهيم والرؤى المنهجية لتحليل الإشكالات الاقتصادية والسياسية.

ومما يجدر ذكره أن هذه النظرية ظهرت ابتداء في حقل "الاقتصاد السياسي"، كتنظير مرتكز على أصول فكرية كانت قد تبلورت في مدارس أوروبية مثل مدرسة لوزان التي أسسها ليون والراس leon walras، والمدرسة النمساوية التي أسسها كارل منجر، والمدرسة الإنجليزية التي أسسها وليم ستانلي جيفنز.

بيد أن التيار النيوليبرالي نجح في تجاوز الحقل الاقتصادي إلى بلورة رؤية ليس فقط للمجتمع والدولة على مستواهما القطري، بل رؤية للعالم بكل تنوعه وتعقيداته. حيث تم تبني المقاربة النيوليبرالية من قِبَلِ المنظمات الاقتصادية الدولية كـ"صندوق النقد الدولي" الذي عمل وفق هذه الرؤية على إعادة رسم اقتصاديات الدول الفقيرة بالضغط على حكوماتها لتبني اختيارات نيوليبرالية.

وفي بداية التسعينيات من القرن العشرين حدث تحول كبير في الواقع الدولي، حيث انهار الاتحاد السوفياتي وباقي منظومته الاشتراكية، فتم الحديث عن إطار علائقي جديد يجب أن يسود الواقع الدولي، إطار يتسم بانفتاح الأسواق وزوال الحواجز الجمركية أمام تناقل السلع، وتقليص نفوذ الدولة، وهو الإطار الذي تم الاصطلاح على تسميته بـ"العولمة".

الأمر الذي زاد من توكيد هيمنة الرؤية النيوليبرالية، والدفع بها لتكون المرجعية النظرية للعولمة، والفلسفة التي تستهدي بها المؤسسات التي تتحكم في الأرض ومن عليها، على تعدد واختلاف أقطارها وثقافاتها ونظمها!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك