علاء بيومي

- ظاهرة الإسلاموفوبيا
- قراءات مختلفة لأسباب الصعود
- نحو قراءة ديناميكية للظاهرة
- دور اليمين الإسلامي

المراجعة السريعة لتكرار ظهور مصطلح الإسلاموفوبيا في بعض أشهر الجرائد الغربية يكشف عن الزيادة المطردة في استخدامه خلال السنوات الخمس الأخيرة بشكل عام وفي العام الحالي بشكل خاص.

والجدول التالي يرصد عدد مرات ظهور المصطلح في بعض أكثر الجرائد الإنجليزية شهرة ونفوذا اعتمادا على دائرة البحث الإلكترونية الأمريكية Lexis Nexis:

2006

2005

2004

2003

2002

2001

تايمز (بريطانية)

92

44

34

13

12

12

غارديان (بريطانية)

38

44

50

20

29

14

إندبندنت (بريطانية)

30

42

37

11

15

22

تورنتو ستار (كندية)

38

18

11

1

3

3

نيويورك تايمز (أميركية)

10

4

7

3

2

2

واشنطن بوست (أمريكية)

5

5

2

2

3

2

استخدام وسائل الإعلام الغربية لمصطلح الإسلاموفوبيا يرتبط في العادة بظواهر عدة مثل وقوع أو إحباط أحداث إرهابية تستهدف المجتمعات الغربية، مما يثير تساؤل الغربيين حول وجود توجهات معادية للغرب وسط الأقليات المسلمة بالبلدان الغربية، وحول توجهات المجتمعات الغربية ذاتها تجاه الإسلام والمسلمين.

ويرتبط ظهور المصطلح في آونة أخرى بالجدل الدائر داخل المجتمعات الغربية ذاتها حول طبيعة تلك المجتمعات وهوياتها ومواقف النخب السياسية الغربية من تلك القضايا، وما إذا كانت مشاريع النخب الغربية اليسارية المنادية بالتعددية والانفتاح الثقافي على المهاجرين والأقليات هي مشاريع مفيدة للغرب أم إنها أضرت به كما يرى أصحاب التوجهات اليمينية المنادون بالعودة إلى التراث الثقافي التقليدي للغرب.

كما ارتبط استخدام المصطلح بردود أفعال العالم الإسلامي تجاه بعض الإساءات التي تعرض لها الإسلام من قبل شخصيات ومؤسسات غربية مختلفة كما حدث ردا على الرسومات الدانماركية المسيئة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في أوائل العالم الحالي وردا على تصريحات بابا الفاتيكان في حق الإسلام مؤخرا.

"
الإسلاموفوبيا ترتبط بتنامي المشاعر السلبية ضد الإسلام والمسلمين في المجتمعات الغربية وتشكيل هذه المشاعر أسسا لانطلاق سلوكيات غربية مجحفة بحقوق الأطراف المسلمة
"
ظاهرة الإسلاموفوبيا

شيوع مصطلح الإسلاموفوبيا هو في حقيقته انعكاس لتنامي ظاهرة يبحث لها الغرب عن تسمية، وقد يختلف البعض حول دقة المصطلح، ولكن هناك شعورا متزايدا بالظاهرة نفسها.

ظاهرة الإسلاموفوبيا ترتبط بتنامي المشاعر السلبية تجاه الإسلام والمسلمين في المجتمعات الغربية وتشكيل هذه المشاعر أسسا لانطلاق سلوكيات غربية مجحفة بحقوق الأطراف المسلمة.

ظاهرة الإسلاموفوبيا على المستوى الفكري ترتبط بنظرة اختزالية للإسلام كدين وكثقافة في تصور الإسلام كمجموعة محدودة وجامدة من العقائد التي تحض على العنف والرجعية والنظرة السلبية للآخر وترفض العقلانية والمنطق وحقوق الإنسان، وهي معتقدات يؤكد المصابون بالإسلاموفوبيا أنها انعاس مباشر لرسالة الإسلام نفسها، كما تظهر في القرآن الكريم وفي سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

وينظر المصابون بالإسلاموفوبيا إلى المسلمين على أنهم مجموعة واحدة تؤمن بتشدد بالفهم الاختزالي السابق للإسلام، وهم منخرطون في حركة سياسية عالمية لفرض هذه الرؤية على الآخرين في حرب حضارية لا تتوقف.

وانطلاقا من الرؤى السابقة يرى المصابون بالإسلاموفوبيا أن العداء للإسلام والمسلمين والتحيز ضدهم أمر طبيعي ورد فعل تلقائي على طبيعة المسلمين الشريرة، لذا فهم يساندون التمييز ضد المسلمين وحشد قوى الغرب في حرب ضد الإسلام وأتباعه.

وبالطبع تمثل المعتقدات السابقة أساسا لتصرفات تمييزية ضد المسلمين، وقد تأخذ هذه التصرفات صورة المطالبة بسياسات تحد من حقوق وحريات مسلمي الغرب المدنية، أو تخضعهم لمراقبة متزايدة من قبل السلطات الأمنية، وقد تأخذ صورة انتشار لمشاعر سلبية تجاه المسلمين داخل المجتمعات الغربية كرفض العيش بجوار جيران مسلمين ورفض بناء المساجد والمؤسسات المسلمة.

وقد تنفجر أحيانا في صورة أحداث عنف وتمييز وجرائم كراهية ضد المسلمين، وهي أحداث توثقها بعض المنظمات المسلمة ومنظمات الحقوق المدنية الغربية.

"
صعود الإسلاموفوبيا خلال السنوات الأخيرة انعكاس لبعض التغيرات المجتمعية الكبرى التي لحقت بالمجتمعات الغربية والإسلامية خلال العقود الأخيرة، كتراجع قوى اليسار الغربي التقليدية
"
قراءات مختلفة لأسباب الصعود
هناك قراءات مختلفة لأسباب صعود ظاهرة الإسلاموفوبيا خلال الآونة الأخيرة، منها قراءة ثقافية ترى أن صعود الإسلاموفوبيا هو انعكاس لمشاعر سلبية عميقة مدفونة في وعي المواطن الغربي ضد الإسلام والمسلمين، وتعبير عن تحيز تاريخي وثقافي ضد الإسلام كدين وضد المسلمين وحضارتهم.

وقراءة ثانية ترى أن ظاهرة الإسلاموفوبيا هي نتاج لبعض الأحداث الدولية التي أثرت بقوة على العلاقات بين العالم الإسلامي والمجتمعات الغربية خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأس هذه الأحداث هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 الإرهابية وما تبعها من هجمات إرهابية - رفع مرتكبوها شعارات إسلامية – ضربت مجتمعات غربية مختلفة مثل إسبانيا وبريطانيا.

هذا إضافة إلى بعض المشكلات الثقافية الدولية التي أثرت سلبا على العلاقات الإسلامية – الغربية، مثل أزمة الرسوم الدانماركية، وأزمة تصريحات البابا بنديكت السادس عشر، وأزمة الحجاب في فرنسا، وتصريحات بعض القيادات الغربية الدينية والسياسية المسيئة إلى المسلمين.

أما القراءة الثالثة –وليست الأخيرة– المطروحة في هذا المجال فهي قراءة سياسية اقتصادية ترى أن صعود الإسلاموفوبيا خلال السنوات الأخيرة انعكاس لبعض التغيرات المجتمعية الكبرى التي لحقت بالمجتمعات الغربية والإسلامية خلال العقود الأخيرة، وعلى رأس هذه التحولات تراجع قوى اليسار الغربي التقليدية التي سادت خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وصعود قوى اليمين الثقافي والديني في الغرب والعالم الإسلامي خلال الفترة ذاتها.

يعيب القراءة الثقافية لظاهرة الإسلاموفوبيا طبيعتها القدرية التي تكاد تفرض أن الخلاف الثقافي بين المسلمين وأبناء المجتمعات الغربي خلاف حتمي، وتكاد تعفي المسلمين من مسؤولية فهم المجتمعات الغربية وتفاصيل ما يدور فيها.

كما تعفيهم من سبل توعيتها بصورة الإسلام الصحيحة خاصة في ظل تنامي أعداد المسلمين في الدول الغربية، وانفتاح أعداد متزايدة من أبناء تلك المجتمعات على فهم الإسلام والمسلمين، وتنامي قوى العولمة والاتصالات بما يسهل عملية التواصل مع الآخر وتوعيته.

ويعيب القراءة الثانية أنها قد تقتصر على الأحداث المادية وتصورها منزوعة عن سياقها وكأنها ولدت لحظيا وليست نتاجا لتراكمات حدثت عبر عقود.

لذا تمثل القراءة الثالثة أسلوبا أكثر ديناميكية لفهم أسباب صعود ظاهرة الإسلاموفوبيا في المجتمعات الغربية خلال العقود الأربعة الأخيرة، وهي قراءة ترى أن للمسلمين والعرب دورا يمكن أن يلعبوه للتأثير على مسار تلك الظاهرة الخطيرة.

"
أحداث 11 سبتمبر/أيلول رأت فيها بعض قوى اليمين الغربية المتطرفة فرصة لترويج نظرية تقول إن الغرب في حاجة إلى عدو يتوحد ضده، وإن الإسلام مرشح للعب هذا الدور، خاصة أنه دين أجنبي وأن للمسلمين وجودا متناميا في المجتمعات الغربية مما يجعلهم هدفا سهلا للعنصرية الجديدة
"
نحو قراءة ديناميكية للظاهرة
القراءة الثالثة لأسباب صعود ظاهرة الإسلاموفوبيا تعود بنا إلى أوائل النصف الثاني من القرن العشرين، وهي فترة وصلت فيها التيارات اليسارية إلى قمة سيطرتها على المجتمعات الغربية وراحت تنشر أجندتها الناقدة للتراث الغربي التقليدي باعتباره تراثا منغلقا على الذات، وراحت في المقابل تطالب بالانفتاح على الآخر: الديني والعرقي والوطني من خلال أفكار وبرامج سياسية ترحب بهذا الآخر في المجتمعات الغربية ذاتها وتضمن له حقوقا ومزايا مختلفة.

السيطرة الثقافية لليسار الغربي كانت انعكاسا للسيطرة السياسية لشرائح يسارية بات ينظر إليها اليوم على أنها قوى تقليدية متراجعة النفوذ، وعلى رأس تلك القوى الحركات العمالية والمؤسسات النقابية والسياسية المعبرة عنها.

هذا إضافة إلى طبيعة السياسات الدولية خلال تلك المرحلة ووجود الاتحاد السوفياتي كدولة عظمى تمثل التيار اليساري وتنشر أفكاره وسياساته عبر العالم بما في ذلك العديد من بلدان العالم الثالث.

سيطرة اليسار داخل المجتمعات الغربية وحضوره على المستوى الدولي، تبلورا عند نهاية الحرب العالمية الأولى ووصلا إلى قمتها في ستينيات القرن العشرين ولكنهما لم يدوما طويلا.

فمنذ بداية السبعينيات شهدت المجتمعات الغربية والساحة الدولية العديد من المتغيرات الكبرى التي أضعفت اليسار وبرامجه.

فعلى المستوى الاقتصادي بدأت المجتمعات الغربية في التحول من الاقتصاد الصناعي إلى اقتصاد الخدمات ثم إلى اقتصاد المعلومات كما زاد التنافس الاقتصادي الدولي بين الدول الغربية بعضها بعضا من ناحية، وبين الدول الغربية وبعض القوى الدولية الصاعدة -كبعض بلدان آسيا- من ناحية أخرى.

تغير أنماط الإنتاج وزيادة مستوى المنافسة الدولية أثرا على المجتمعات الغربية من الداخل فأفقدا اليسار الغربي تدريجيا الثقل السياسي للعمال كشريحة انتخابية وفكرية.

كما عمقا بعض المشكلات الاقتصادية التي ضربت تلك المجتمعات، كالبطالة وركود الحراك الاجتماعي وتراجع حجم الطبقة الوسطى.

في المقابل تحركت الأحزاب اليمينية الغربية لتحدي قوى اليسار على مستويين، أولهما مخاطبة مخاوف الفئات التي تأثرت سلبيا بالتغيرات الاقتصادية السابقة، وثانيهما نقد أجندة اليسار الناقدة للتراث الغربي التقليدي وتصوير هذه الأجندة على أنها علامة على عدم ولاء اليسار الغربي لمجتمعاته، وعلى تسامح اليسار مع الأقليات والأجانب الذين سرقوا من الغربيين وظائفهم.

في المقابل شهدت الساحة الدولية تغيرات كبرى ساهمت في تراجع اليسار الغربي، وعلى رأس هذه التحولات سقوط الاتحاد السوفياتي وفشله كنموذج سياسي واقتصادي، وتعرض القوى اليسارية عبر العالم لتحديات اقتصادية وسياسية مختلفة، من بينها هزيمة قوى اليسار في الشرق الأوسط مما ساعد في صعود قوى اليمين في المنطقة.

في ظل هذه البيئة وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول التي رأت فيها بعض قوى اليمين الغربية المتطرفة فرصة لترويج نظرية طرحتها منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، تقول إن الغرب في حاجة إلى عدو جديد يتوحد ضده، وأن الإسلام مرشح للعب هذا الدور، خاصة أن الإسلام دين أجنبي وأن للمسلمين وجودا متناما في المجتمعات الغربية مما يجعلهم هدفا سهلا للعنصرية الجديدة.

"
يمكن أن يلعب العالم الإسلامي دورا في مكافحة الإسلاموفوبيا على مستويين، أولهما تبني بعض البرامج العلمية المنظمة لتوعية المواطن الغربي، وثانيهما التعاون مع الأقليات المسلمة في الدول الغربية لتأهيل وتدريب أكبر عدد من السفراء المدنيين القادرين على تقديم صورة الإسلام الصحيحة للمواطن الغربي
"
دور اليمين الإسلامي
القراءة السابقة لأسباب صعود وانتشار الإسلاموفوبيا بالمجتمعات الغربية مؤخرا ترى أن للمسلمين دورا يمكن أن يلعبوه في مواجهة تلك الظاهرة، وعلى رأس هذا الدور التحالف –على المدى البعيد- مع قوى اليسار الغربي لإحياء الأجندة اليسارية القائمة على نشر قيم العدالة الاجتماعية واحترام حقوق الآخرين والأقليات.

ويكون ذلك عن طريق فهم طبيعة هذه الأجندة، وما تعنيه على المستويات المتخلفة، والتوفيق الإيجابي غير التلفيقي بين عناصر تلك الأجندة والفكر الإسلامي على مختلف المستويات بما في ذلك المستويات الفكرية والأخلاقية.

والواضح هنا أن قوى اليمين الإسلامية أقرب من قوى اليسار الغربية في أجندتها السياسية والاقتصادية مقارنة بقوي اليمين، وأن هناك بعض الخلافات الثقافية المتعلقة بقضايا الأسرة والعلاقات الاجتماعية التي تشكل نقاط تعارض بين اليمين الإسلامي واليسار الغربي، وأن علاج هذا التعارض يتطلب مزيدا من الفهم من قبل الجانبين.

أما على المدى القريب والمتوسط، فيمكن أن يلعب العالم الإسلامي دورا في مكافحة الإسلاموفوبيا على مستويين أساسيين، أولهما تبني بعض البرامج العلمية المنظمة لتوعية المواطن الغربي على نطاق واسع ومدى طويل نسبيا، بصورة الإسلام والمسلمين الصحيحة.

والواضح هنا أن العالم الإسلامي مازال يفتقر بوضوح لتلك البرامج بعد مرور خمس سنوات على أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001.

المهمة الثانية هي التعاون مع الأقليات المسلمة في الدول الغربية لتأهيل وتدريب أكبر عدد من السفراء المدنيين القادرين على تقديم صورة الإسلام الصحيحة للمواطن الغربي بشكل يومي ومحلي ومؤسسي منظم.

فبدون عدد كاف من هؤلاء السفراء وبدون اضطلاعهم بدورهم المنتظر في التواصل مع نظرائهم الغربيين على أرض المجتمعات الغربية ذاتها، تكاد تكون مواجهة الإسلاموفوبيا أمرا بعيد المنال إن لم يكن مستحيلا.
__________________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة