أكرم البني

يصح القول إن قرار مجلس الأمن رقم 1644 وضع السياسة السورية في موقع لا تحسد عليه بخلاف الأوهام والادعاءات الرسمية بأنه كان انتصارا، وشكل تالياً تحدياً غير مسبوق.

وقد أظهر إصراراً حاسماً للجماعة الدولية على كشف ملابسات حادثة اغتيال رفيق الحريري ودعماً لتقريري لجنة التحقيق الدولية المتتاليين وما يتضمنانه من رفض المماطلة والتسويف وتوجيه إصبع الاشتباه مداورة أو مباشرة لشخصيات سورية بعضها يحتل مواقع حساسة في المؤسسة الأمنية.

"
ما يسم السياسة السورية اليوم ليس وزنها الضعيف وحقيقة الحصار الذي يلفها وإنما أيضاً انكشاف ازدواجيتها على نحو فاضح واتساع الهوة بين ما تدعيه وما تستطيعه وبين ما تعلنه وما تضمره
"
والأهم أنه أكد مجدداً على وضع القضية في إطار الباب السابع من ميثاق الأمم المتحدة إذا لم تستجب الحكومة السورية للتعاون الكامل وغير المشروط.

وهذا الأمر يضيق هامش الحركة السورية إلى أبعد الحدود أمام صلاحية معطاة لمجلس الأمن في فرض أقصى العقوبات وحتى استخدام القوة ضد طرف صار يعتبر بصورة أو بأخرى مصدر تهديد للأمن والسلم الدوليين.

ولعل ما يسم السياسة السورية اليوم ليس وزنها الضعيف وحقيقة الحصار الذي يلفها وإنما أيضاً انكشاف ازدواجيتها على نحو فاضح واتساع الهوة بين ما تدعيه وما تستطيعه وبين ما تعلنه وما تضمره، وتالياً بين ظواهر الارتباك والاضطراب وبحثها المحموم عن وساطات وأدوار عربية وعالمية تساعدها على تجاوز المحنة، وبين اندفاعات هجومية غير مفسرة وشعارات تحد لا تمت إلى الواقع والإمكانيات بأي صلة.

ربما لأن مثل هذه السياسة لا تزال ترفض رؤية الحقائق وتمتلئ ثقة بحقائق جزئية أخرى لا ترغب في أن ترى سواها، مثلما لا تريد أن تأخذ في اعتبارها ما حدث من متغيرات عالمية وإقليمية أو ترفض التأقلم معها، إما عن ضعف وعجز، أو تشبث واعٍ بمصالح وامتيازات لا يريد أصحابها التنازل عنها أو عن بعضها حتى لو كان الطوفان.

أو لعل الأمر سوء تقدير وتضخيم للذات والاعتقاد بأن سوريا لا تزال تشكل الرقم الصعب في المنطقة ذلك الرقم الذي لا يمكن بأي حال تجاوزه وأن ما راكمته من قوى وخبرات عسكرية ومن صلات وأوراق نفوذ يستحق أن يؤخذ بالحسبان وأن لا يهمل.

صحيح أنه قدرها أن وجدت سوريا في منطقة حساسة من العالم أو بالتعبير الأميركي "منطقة المصالح الحيوية" منطقة لم تعرف الاستقرار طيلة عقود بسبب قوة حضور المصالح الغربية وتنامي الدور الصهيوني ومخاطره.

لكن الصحيح أيضاً أنه لم يعد من المجدي التعاطي مع هذه الخصوصية من خلال منطق تحوير الحقائق وطمس الوقائع أو من خلال حملات تعبئة ساخنة، أيديولوجياً وسياسياً، لا طائل تحتها تستهتر بماهية الأخطار القادمة وتستخف بحجم الخسائر والأضرار التي سوف تتكبدها البلاد ومستقبل أجيالها إن دفعت إلى معركة غير متكافئة وغير مبررة سياسياً وقانونياً مع العالم والشرعية الدولية، ناهيك عن أن مثل هذه العقلية جربت لعقود ولم تعط ثماراً وكانت النتائج ما وصلت إليه حالنا اليوم.

"
ليس لدى مجلس الأمن أية أغراض مبيتة ضد سوريا إن هي امتثلت للشرعية الدولية دون مناورة أو التفاف، بل على العكس يعتبر التعاطي الإيجابي مع قراراته الطريق الوحيدة التي تساعدها على تقوية حضورها وتحسين سمعتها
"
ولا يغير حقيقة هذا الأمر أن يجزم بعض أصحاب "النوايا السيئة" بأن الهدف الذي يتوخاه أهل الحكم من شعارات التحدي والمواجهة هي عكس ما يظهرونه، فهم لا يقصدون تأزيم العلاقات مع العالم ومع واشنطن ودفعها بالفعل إلى معركة كسر عظم، بقدر ما يتطلعون إلى تحريك المياه الراكدة لعل بالإمكان التوصل في نهاية المطاف إلى تسوية ترضي الجميع.

والمؤسف أن يتكامل منطق التحدي والخطابات الحماسية مع نوع من الأخطاء جوهره التنصل من معالجة مشاكل الوضع الداخلي وأزماته المتراكبة، إذ إن مشاريع التحديث والتطوير إن وجدت باتت تحتل مرتبة متأخرة في سلم الأوليات أمام تقدم شعارات المواجهة والتصدي للهجمة الأميركية والصهيونية.

وحلفاء النظام في الجبهة الوطنية التقدمية والدائرون في فلكها لم يتأخروا في طرح أنواع مبتكرة منها في الشارع، وأهمها التفنن في صياغة عبارات تدمج بصورة مقصودة الشرعية الدولية وقراراتها مع الضغوط الأميركية على دمشق وأغراضها.

وإذا كان إجماع مجلس الأمن على القرار رقم 1636 أثار بعض الالتباس حول دور أممي متآمر على سوريا لم توفره السياسة الرسمية لحشد وتعبئة الناس، فإن القرار 1644 والتدخل الفاعل لروسيا والصين والجزائر لتخفيف حدة المشروع الفرنسي والأميركي ووقوفهم بوضوح ضد ما يمكن اعتباره تحاملاً على سوريا يفترض أن يزيل هذا الالتباس تماماً ويعيد بناء الثقة في الشرعية الدولية ويحترم المسافة بوضوح بين مجلس الأمن والسياسة الأميركية.

فما يجري من تطورات في مجلس الأمن لا يعود إلى مخطط أميركي للنيل من سوريا وسياساتها بل يرتهن بقضية محددة هي جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه، ويضع أسساً واضحة لتعاون السلطة السورية من أجل استكمال التحقيق وتسمية الجناة.

وتالياً لا مكان لاشتراطات سياسية خارج هذه القضية أو أي ابتزاز وضغوط من أجل إكراه النظام السوري على تغيير سلوكه في لبنان أو العراق أو فلسطين، كما تحاول بعض الأصوات "الوطنية" أن توحي للتهرب من العياني المحدد واستسهال تعميم المسألة بل تسييسها، وهي الأصوات ذاتها التي ملأت الدنيا صراخاً ضد تسييس التحقيق.

ثم نذكر من يحلو لهم استحضار تجربة العراق مثالاً، بأن مجلس الأمن هو ذاته الذي شكل لجان تحقيق للكشف عن أسلحة الدمار الشامل في العراق ولم تستطع أميركا تطويع إرادة هذه اللجان وتحوير تقاريرها كي تبرر حربها، وتالياً هو المجلس ذاته الذي اتخذ قراراً ضد الحرب الأخيرة على العراق وأجبر لندن وواشنطن على الذهاب إليها دون إذن عالمي أو شرعية دولية.

إذن، ليس لدى مجلس الأمن أية أغراض مبيتة ضد سوريا إن هي امتثلت للشرعية الدولية دون مناورة أو التفاف، بل على العكس يعتبر التعاطي الإيجابي مع قراراته الطريق الوحيدة التي تساعدها على تقوية حضورها وتحسين سمعتها في أوساط الرأي العام العالمي وتشجع الأطراف الصديقة والحيادية في مجلس الأمن على مزيد من دعمها والتصدي لأي محاولة تقصد دفع نتائج التحقيقات أبعد من حدود هذه الجريمة ومقتضياتها.

وبالتالي ليس ثمة ابتعاد عن الواقع أو مبالغة في القول إن الاستجابة لقرار الشرعية الدولية هو ما يمكن أن يجر دعماً رسمياً لسوريا ورأياً عاماً عالمياً مسانداً لها يمكن أن يحيد الموقف الأوروبي ويلجم أي عدوان ويعوض الضعف السياسي والاقتصادي والعسكري تحت وطأة عدم جدوى الخيارات الأخرى أو اندفاعها نحو منطق المغامرة والتوغل في المجهول.

إذا كان من المفهوم والمفسر أن تصدر شعارات المواجهة وعبارات التحدي من مواطن عادي تقوده انفعالاته المشروعة لكيل الشتائم وإنزال اللعنات على أميركا وسياساتها المنحازة ضد الحق العربي، فإن المقلق هو أن تعمم هذه الاندفاعة لتشمل الشرعية الدولية وميليس وأنظمة عربية ولبنان.

والمقلق أيضا أن تشرعها نخبة حاكمة يفترض أنها المؤتمنة على مصير الوطن ومستقبله وتمتلك روحاً عالية من المسؤولية التاريخية للأخذ بلغة الوقائع لا العواطف ودراسة توازنات القوى الراهنة والتحسب من النتائج المحتملة لتطور الأزمة في حال ما إذا دفعت إلى ذروتها.

"
ثمة طريق مختلفة لتجاوز المحنة السورية بصورة آمنة، تقوم داخلياً على تحرير إرادة الإنسان والالتفات نحو بناء مجتمع مطهر من الفساد والقمع، وتقوم خارجياً على احترام الشرعية الدولية وخيارات الشعوب المجاورة وحقوقها
"
فالإدارة الناجحة للأزمات تستدعي عدم تورط جهة ما في إطلاق التصريحات الحماسية أو اتخاذ قرارات تصعيدية طالما لا تملك على الأرض القوة التي تتناسب معها وطالما لا تضع في حساباتها شتى التطورات المحتملة وتستعد لها.

فقرار فتح معركة وإعلان حرب مثلاً، يمكن أن يتخذه طرف واحد لكن من المحال عليه إذا لم يملك سيطرة فائقة على مختلف الأطراف المعنية بها، أن يتحكم في مساراتها وأبعادها ونتائجها.

لنتذكر جميعنا كيف شاعت في الأوساط السياسية والثقافية السورية الرسمية وغير الرسمية عبارات عقلانية أقلها حدة عبارة "سلوك مغامر" لوصف سياسات نظام صدام حسين عندما وضعت العراق في مواجهة أميركا وحلفائها واختارت مسار التصعيد والهجوم الاستفزازي رغم الاختلال الهائل في توازن القوى.

والسبب في ذلك أن هذه السياسات لم تتقن أساليب التكتيك والتراجع التي يكره الضعفاء عليها لتخفيف ما يلحق بهم من خسائر وآلام، ولأنها لم تسارع إلى الانفتاح على المجتمع واحترام حقوقه المسلوبة، بما في ذلك المبادرة لتحسين صورة العراق عالمياً وكسب التعاطف السياسي والإنساني العالمي في مواجهة العدوانية الأميركية.

تدل تجربة العراق على أن ثمة طريقا مختلفة تماماً لتجاوز المحنة السورية بصورة آمنة، ولمن يسعى جدياً لمواجهة التحديات والدفاع عن عزة الوطن وكرامته، طريق بعيدة كل البعد عن إثارة العواطف السطحية وتأجيج الانفعالات، عن المماطلة والتلاعب والتسويف، عن الأساليب القديمة في إدارة الأزمات والدفاع عن مصالح ضيقة على حساب مصالح الوطن ومستقبله.

طريق يحكمها خيار آخر، طالما تجنبه القائمون في موقع المسؤولية، تقوم داخلياً على تحرير إرادة الإنسان والالتفات نحو بناء مجتمع مطهر من الفساد والقمع، مجتمع يعترف بحق كافة الفئات الاجتماعية والتيارات السياسية ودورها على اختلاف مشاربها ومنابتها في رسم حاضر هذا الوطن ومستقبله، بما في ذلك المسارعة لبناء عتبة من الثقة مع الناس برد المظالم إلى أهلها وتوخي الشفافية والوضوح والصراحة والتوقف عن حجب الهزائم وأمراض المجتمع ومشاكله المتفاقمة بمزايدات وطنية أو قومية.

وتقوم هذه الطريق خارجياً، على احترام الشرعية الدولية وخيارات الشعوب المجاورة وحقوقها، بما يعني العمل الحثيث على تحسين صورة سوريا عالمياً وعربياً والاستجابة لقرارات الأمم المتحدة ومجلس أمنها بصورة كاملة.

"
ثمة مسافة يجب أن تؤخذ بوضوح بين النظام وأفراد موضع اشتباه واتهام وبين سوريا كدولة وشعب
"
فليس من مصلحة المجتمع السوري مخالفة الشرعية الدولية أياً كانت الحجج والذرائع، وعلى رغم معاناته من مثالبها وخاصة من جهة ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين، لأن قدر المجتمعات الضعيفة والمحاصرة هو الاستقواء بالأمم المتحدة وقراراتها ليس لأنها البديل المرتجى، بل لأنها الإطار الأقل سوءاً وظلماً لحقوقها.

هذا يكون جنباً إلى جنب مع الكف عن وضع إشارة مساواة بين السلطة والوطن، وعن دمج مسؤولية بعض رجالات النظام بالدولة أو بالمجتمع السوري ككل، فثمة مسافة يجب أن تؤخذ بوضوح بين النظام وأفراد موضع اشتباه واتهام وبين سوريا كدولة وشعب.

فالشعب لا يتحمل ويجب أن لا يتحمل وزر أخطاء ارتكبها بعض السياسيين أو المسؤولين الأمنيين، وهؤلاء هم المعنيون أولاً وأخيراً بالرد على مسار ونتائج التحقيقات عبر دلائل وقرائن معاكسة تؤكد براءتهم مما جرى في الرابع عشر من شباط.

إن النخبة الحاكمة التي نصبّت نفسها وصياً على مصالح الوطن ووكيلاً حصرياً على حاضره ومستقبله ولم تفوت فرصة لتؤكد سلطتها وشرعيتها تحت شعارات "الوطن أولا" و"مصلحة الوطن فوق أي اعتبار" يفترض أن تكون أول من يبادر إلى تحمل المسؤولية عندما تقتضي المصلحة الوطنية ذلك للذود عن البلاد وتجنيبها المزيد من الحصار والعزلة وربما العقوبات الاقتصادية والعسكرية.
__________________
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة