عبد الوهاب المسيري

كي نتناول قضية التفسيرات الحرفية للقرآن علينا بادئ ذي بدء أن نتوجه لقضية المجاز في اللغة. إذ أذهب إلى أن النصوص المقدسة نصوص مجازية توليدية، لا يمكن فهمها إلا بإدراك طبيعتها المجازية. فهي نصوص تشير إلى عالم الطبيعة المركب وعالم الإنسان الأكثر تركيبًا، وإلى الدنيا والآخرة، وإلى عالم الشهادة وعالم الغيب، وإلى عالم الحواس وما وراء الحواس، فهي نصوص تتسم بالثنائية.

ويقف هذا على طرف النقيض من النصوص العلمانية فهي نصوص تتسم بالدقة وعدم الإبهام، إذ ترتبط فيها المفاهيم والكلمات بأشياء حسية أو مادية، فهي تشير إلى عالم الحواس والمادة، أو إلى أشياء وظواهر تتحرك داخل السطح المادي وحسب.

"
الفرق بين النص المقدس والنص العلماني هو مثل الفرق بين الشِّعر (الذي يتعامل مع ظاهرة الإنسان) والمعادلة الجبرية (التي تتعامل مع عالم الأرقام الذي لا يعرف الضحك أو البكاء), المعادلة الجبرية قد تتسم بالدقة، ولكنها الدقة التي تستبعد الإنسان
"

فالفرق بين النص المقدس والنص العلماني هو مثل الفرق بين الشِّعر (الذي يتعامل مع ظاهرة الإنسان) والمعادلة الجبرية (التي تتعامل مع عالم الأرقام الذي لا يعرف الضحك أو البكاء). فالمعادلة الجبرية قد تتسم بالدقة، ولكنها الدقة التي تستبعد الإنسان.

ولا يمكن إنكار أن ثمة طرق بسيطة ومباشرة للتعبير كاللغة الرياضية وإشارات مورس واللغة التلغرافية والتعبيرات النثرية المباشرة، قادرة على التعبير بكفاءة ودقة عن مطالب بسيطة مثل: "أرسل مائتي جنيها". أو "1 + 1 = 2"، أو عن حالات شعورية مثل "الجو حار اليوم"، أو عن النية والقصد مثل "أنوي الذهاب إلى دمنهور غدًا".

ولكن للتعبير عن العلاقات والمشاعر الإنسانية المركبة يحتاج المرء إلى لغة أكثر تركيبًا، إذ لكي يعبر الإنسان عن مكنون قلبه أو لكي يصف موقفا إنسانيا مركبا فإن مثل هذه اللغات والتعبيرات لا يمكنها أن تفي بالغرض.

ومن ثم لا بد من اللجوء للمجاز لأنه يساعدنا على تضييق المسافة بين لغة الإفصاح والواقع المركب، ويحول المسافة بينهما مجالاً للتفاعل. إن المجاز يولد قدرة على التعبير عن المركب واللامحدود، ويربط غير المعروف وغير المحسوس بالمعروف والمحسوس، والمعنوي بالمادي، دون أن يمزجهما عضويا فيصيرا شيئا واحدا.

بدون مجاز لا يمكن إدراك الله الذي هو رب المحدود واللامحدود، وهو متجاوز (مفارق) للمخلوقات وليس كمثله شيء. وبالتالي فالسؤال: "هل الله موجود"؟ إن طُرح في إطار علماني مادي - سؤال سخيف لا معنى له.

فالله موجود ولكن وجوده ليس وجودا ككل الوجود، لأن الله لا يتجسد في أي إنسان أو شيء، ومن هنا تعجز اللغة الرياضية عن التعبير عن وجوده، ولا بد من لغة مجازية للإجابة على السؤال، ولذا فإن الحضارة الإسلامية العربية تزخر بالمجاز، ولا تلجأ إلا نادرا للرموز (إلا في كتابات الحلوليين وغلاة الشيعة).

فالمجاز يؤكد علاقة الاتصال والانفصال، فحين نقول "هو كالأسد"، فنحن نقول إنه يشبه الأسد، ولكننا نقول في ذات الوقت أنه ليس أسدا. فطرفا المجاز منفصلان متصلان، فالمجاز يؤكد الثنائية، وهذا ما تؤكده علامة التشبيه، فهي تربط بين العنصرين وتفصل بينهما.

وعلاقة الاتصال والانفصال هي علاقة الخالق بمخلوقاته في الإطار التوحيدي. فالإله متجاوز للتاريخ والطبيعة لا يتجسد فيهما، ولا يمكن تصويره، ولا يمكننا إدراكه في كليته، فهو مفارق لنا، مختلف عنا، ولكنه لا يهجرنا بل يهدينا سواء السبيل، ولكنه لا يمتزج بنا ولا يحل فينا ولا يكمن في أي من مخلوقاته.

والرمز هو أيضًا جزء من لغة المجاز ولكنه يعني ذوبان طرفي المجاز الواحد في الآخر. ولتبسيط الأمور سأضرب مثلا بسيطا: يدخل رجل شجاع الغرفة فتقول "جاء الأسد" فالأسد هنا هو الرجل والرجل هو الأسد، والعلاقة بينهما ليست علاقة اتصال وانفصال إذ أن الحدود بينهما قد ذابت وزالت وأصبح الأسد هو تجسيد الرجل.

في رواية العجوز والبحر لإرنست هيمنجواي، الرواية كلها عن صياد عجوز أمسك سمكة كبيرة بطرف صنارته ولكنه لا يقوى على أن يحملها إلى قاربه. وتبدأ أسماك القرش في الهجوم على السمكة والتهام لحمها قطعة قطعة. ورغم علمه أنه لن ينجح في حمل السمكة إلى قاربه وأن أسماك القرش ستلتهمها إلا أنه يصر على الصمود والاستمرار في معاناته.

"
يقوم المجاز بتحرير النص القرآني من فضائه الزماني والمكاني فتصبح الآية ذات دلالة إنسانية عالمية تتجاوز المناسبة المباشرة، ومن ثم تتضح مقدرة النص القرآني التوليدية وأنه صالح لكل زمان ومكان
"

السمكة الكبيرة هنا رمز لشيء ما، ولذا نجد النقاد الأدبيين كل واحد فيهم يأتي بتفسير مختلف لدلالتها. فهناك من يقول إنها رمز عداء الإنسان للطبيعة وانتصاره عليها، وهناك من يقول العكس، إنها رمز انتصار الطبيعة على الإنسان، وهناك من يقول إنها رمز أن حياة الإنسان في هذا الكون أمر مأساوي، ولكن الإنسان من خلال صموده يمكنه تجاوز وضعه المأساوي هذا، ويسبغ معنى على العالم.

وهناك من يقول عكس ذلك وهو أن الصمود والاستمرار في المعاناة هو دليل على عبثية الكون الذي نعيش فيه، فهو كون بلا معنى، وبالتالي لا يوجد أي بعد مأساوي.

ولذا نجد أن الرموز والأيقونات والتماثيل والصور تحل محل الصور المجازية في المنظومات الحلولية، إذ إن الإله في إطار هذه المنظومات قد امتزج مع مخلوقاته وتوحد بها، ولم يعد له وجود خارجها، وعلاقتنا به علاقة التحام وذوبان (وليس اتصال وانفصال)، مما يعني إلغاء المسافة والثنائية.

ولذا فإدراك الإله المتجسد في كليته يصبح أمرا ممكنا، فالتجسد يجعله كائنا ماديا داخل إطار الطبيعة / المادة. ولذا نجد أن الحضارة الغربية الحديثة الغارقة في التجسد والحلول تزخر بالرموز والأيقونات والصور.

إلى جانب هذا يقوم المجاز بتحرير النص القرآني من فضائه الزماني والمكاني فتصبح الآية ذات دلالة إنسانية عالمية تتجاوز المناسبة المباشرة، ومن ثم تتضح مقدرة النص القرآني التوليدية وأنه صالح لكل زمان ومكان. ومن هنا قولي إن المجاز يؤدي إلى التجاوز أما الحرفية فهي تطابق بين النص القرآني ووقائع محددة داخل الزمان والمكان وتربطه بهما.

ما يحدث للنص القرآني في الإطار الحلولي هو أن تلغى المسافة بين النص القرآني والواقع، فيتطابق مع الواقع، بالتالي لا مجال للتجاوز أو للمجاز وتظهر التفسيرات الحرفية. ولذا فإني أرى أن الهجوم على لغة المجاز هو هجوم على فكرة الإله المفارق للعالم.

إن المفسرين الحرفيين ينسون أن القرآن لا يتطابق مع التاريخ أو مع القوانين العلمية، فهو الذي يُحكم به على التاريخ والواقع وليس العكس، إذ لا يجوز المطابقة بين المطلق الإلهي والنسبي البشري.

التاريخ الذي جاء في القرآن هو تاريخ مقدس، وليس تاريخا زمنيا، تاريخ يضع المقاييس والمعايير التي يمكن من خلالها محاكمة التاريخ الزمني، فتاريخ المسلمين ليس تاريخا إسلاميا، إنه تاريخ المسلمين في استقامتهم وحيدتهم عن جادة الصواب، والقرآن يحاكم هذا التاريخ. وهذا هو جوهر الرؤية الدينية.

إنه يطرح مجموعة من القيم الثابتة المتجاوزة لسلوك الإنسان يمكن الإهابة بها ومحاكمة الإنسان من منظورها. ولذا لا يمكن -كما يفعل البعض- أن نحاول تفسير التاريخ المقدس بالتاريخ الزمني.

"
التاريخ الذي جاء في القرآن هو تاريخ مقدس، وليس تاريخا زمنيا، تاريخ يضع المقاييس والمعايير التي يمكن من خلالها محاكمة التاريخ الزمني، وهذا هو جوهر الرؤية الدينية
"

فإذا وجد أحدهم مثلا نقشاً باسم إبراهيم يقولون: ها قد ثبت كذا وكذا. قصة سيدنا إبراهيم كما وردت في القرآن فيها عظات وعبر وإطار مرجعي نحاكم من خلالها من يعيش الآن في أي مكان في العالم.

وقد يجد أحدهم حجرًا يشير إلى الكاهن "يويا" فيصيح فرحًا هذا هو سيدنا يوسف. لكن قصة سيدنا يوسف لها شأن آخر. ولذلك نجد القصص القرآني لا يأتي بالتاريخ الكامل إنما بمشاهد معينة، لأهداف معينة وحكم، على عكس الحال مع التوراة التي إن جاءت على ذكر ملك ذكرت تاريخ ميلاده وتاريخ تولية العرش وكل تفاصيل سيرته.

هذا تاريخ زمني ضُمِّن في تاريخ مقدس، وقد تسبب هذا في عدة مشاكل من بينها أن ثمة اكتشافات أثرية تُبين أن ما جرى في قصص التوراة لم يقع في فلسطين وإنما في أماكن أخرى، وأتى بأدلة على هذا. كما أن ربط التاريخ المقدس بالتاريخ الزمني أضفى قداسة على التاريخ وعلى اليهود الفاعلين الأساسيين في هذا التاريخ.

إن ربط القرآن بالعلم أو التاريخ هو نوع من أنواع المادية في التفسير وخروج بالقرآن من مجال المطلق إلى مجال النسبي. إن المقدرة التوليدية للقرآن لا تأتي من كونه متطابقا مع التاريخ الزمني أو مع العلم، وإنما تأتي من أنه تضمن إطارا عاما لما يجب أن يكون عليه الإنسان والمجتمعات الإنسانية.

القرآن يتحدث عما ينبغي أن يكون وليس عما حدث أو عما هو قائم. وإن حدث تطابق بين النص القرآني والعلم والتاريخ، فهذا يجب ألا يزيد ولا ينقص من الإيمان. بل إن بعض المفسرين الحرفيين يتوصلون إلى سيناريو عام ومجرد يستخدمونه لتفسير كل صغيرة وكبيرة من أحداث التاريخ (وليس الأنماط العامة المتكررة أو السنن)، وهم يزعمون أن هذا السيناريو آخذ في التحقق أمام عيوننا الآن وهنا.

فإن حدث حادث أو وقعت واقعة فإنهم يهرعون إلى النص القرآني ويقولون لقد تنبأ القرآن بهذا، فقد جاء في الآية كذا أن كذا وكذا سيحدث. وهذا سقوط فيما أسميه "التفسير بأثر رجعي". إنهم يعيشون في ظلال العلم الطبيعي المادي ويحاولون إعادة صياغة الرؤية الإسلامية منطلقين من هذا العلم وليس من منطلقات إسلامية، فهم يتصورون أن العلوم الطبيعية توصلنا للحقيقة الكاملة الواضحة البسيطة.

وأعلق ساخرا على هذا بالقول: "إن تفسيرات الإعجاز العلمي للقرآن تبدو وكأنها تريد أن تثبت أن الله عالم طبيعة لا بأس به وأنه مؤرخ لا يشق له غبار". ومن المفارقات أن سطوة العلم الطبيعي وعلم التاريخ قد تم تقويضها في الغرب، في حين أن مفسرينا الحرفيين لا يزالون يعيشون في عصر الانبهار بالعلم الطبيعي وبعلم التاريخ، ويتصورون أن هذا هو المدخل الوحيد لدراسة الإنسان، مع أنه من المستحيل تفسير سلوك الإنسان من هذا المنطلق.

كما أنه يغيب على المفسرين الحرفيين أن العقل الإنساني قاصر عن الإحاطة بكل معاني النص القرآني ومراميه، فالعقل الإنساني قاصر ونسبي، في حين أن القرآن كامل ومطلق، ولا يمكن الإحاطة به تماما وبشكل نهائي.

"
القرآن يتحدث عما ينبغي أن يكون وليس عما حدث أو عما هو قائم, وإن حدث تطابق بين النص القرآني والعلم والتاريخ، فهذا يجب ألا يزيد ولا ينقص من الإيمان
"
أليس هو كلام الله؟ وهل بمقدور البشر إدراك الإله في كليته وهو ليس كمثله شيء؟. وبالتالي نجد أن الإطلاق ينتقل من النص القرآني إلى المفسر الحرفي الذي يتصور أنه أحاط بالمعنى الكلي للنص، وبالتالي يتخلى عن التواضع الذي هو جوهر التقوى وعما أسميه النسبية الإسلامية.

إن النسبية الإسلامية غير النسبية العلمانية التي أسميها "النسبية المطلقة"، أما النسبية الإسلامية فهي "نسبية نسبية". فبينما تذهب النسبية العلمانية إلى أنه لا توجد مطلقات من أي نوع، ولذا تصبح هي ذاتها مطلقًا، فإن النسبية الإسلامية تذهب إلى أن عقل الإنسان محدود، وأن النص القرآني يتجاوزه، وأننا وإن كنا لن نصل إلى الحقيقة المطلقة واليقين المطلق، فإن لنا مرجعية نهائية مطلقة هي المنظومة المعرفية والأخلاقية المتضمنة في القرآن والسنة.

ولذا فنحن نؤمن بالآية: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"، "وفوق كل ذي علم عليم". ولكننا نؤمن أيضًا وفي الوقت ذاته بأن النص القرآني يحثنا على أن ننظر من حولنا لنرى كيف بدأ الخلق، ولنعرف سنن الكون.

رغم أنها معرفة غير كاملة إلا أنها تكفي لندير شؤون حياتنا. مثل هذا الموقف الأصولي التوحيدي يتسم بالتواضع والتقوى والخشوع، فالمفسر يقدم تفسيره باعتباره تفسيرا واجتهادا وحسب، وليس الحقيقة النهائية.

أما المفسر الحرفي فهو يقدم تفسيره باعتباره الحقيقة البسيطة الواضحة النهائية واليقين المطلق، وكأنه قانون علمي مادي توصل له صاحب التفسير، فرغم أن القرآن هو كلام الله إلا إن هذا المفسر أدرك معناه تماما وفسره للناس، ثم يقدم تفسيره على أنه كلام الله البسيط الواضح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو في واقع الأمر كلامه هو، وبما أن النص يحوي التاريخ والعلم والواقع وحيث أنه لا اجتهاد مع النص، يصبح النص والواقع والإله والمفسر شيئا واحدا. هذا هو النموذج الكامن وراء التفسيرات الحرفية. والله أعلم.
ــــــــــــــ
مفكر مصري

المصدر : الجزيرة