علي حسين باكير

- تراجع أميركا عن تعهداتها النووية
- السياسة النووية الأميركية جديدة
- تمويه استخدام الأسلحة النووية
- السلاح النووي ميداني بدءا من 2006

يبدو أن الأسلحة الأميركية التقليدية والمتطورة لم تعد تجدي نفعا في إنزال هزيمة محققة بالعدو فضلا عن ردعه.

ولا بد أن الولايات المتحدة أصبحت تبحث عن شيء ما يعيد إليها هيبتها وقوتها الرادعة بعد أن فقدتها في هجمات 11 سبتمبر/ أيلول وتم القضاء عليها نهائيا في الحرب على أفغانستان والعراق, حيث تبدو التهديدات الأميركية للدول الأخرى (كوريا الشمالية وإيران وسوريا وكوبا وفنزويلا.. الخ) غير مخيفة على الإطلاق بالنسبة لهؤلاء.

ومن هذا المنطلق أخذت الإدارة الأميركية تدرس منذ وقت ليس ببعيد إمكانية استخدام الأسلحة النووية الأميركية بشكل عملي لردع الخصم ومنعه من التفكير حتى بإمكانية قيامه بالضربة الأولى.

"
مع أن واشنطن هي التي ابتدعت مفهوم "الرقابة على التسلح" فإنها تتميز حالياً برفضها المطلق لنزع أي سلاح يجري التفاوض عليه
"
تراجع أميركا عن تعهداتها النووية
من المعروف أن السلاح النووي سلاح ردعي, وهو ليس موجودا بهدف الاستخدام وإنما بهدف ردع العدو وإيصال رسالة قويّة إليه بأنّه لن يستطيع توجيه ضربات تقليدية أو غير تقليدية لأنّه في هذه الحالة سيتلقى ضربة نووية تؤدي إلى تدميره تدميرا شاملا، وهو ما من شأنه أن يردعه عن مجرد التفكير بهذا الأمر.

ورغم ذلك كانت الولايات المتحدة الدولة الأولى في العالم التي تستخدم هذا السلاح المدمّر ضدّ اليابان في الحرب العالمية الثانية كتعبير عن قوّتها وما وصلت إليه في هذا المجال.

ومنذ العام 1978 تعهدت الولايات المتحدة بعدم استخدام السلاح النووي ضد دول لا تمتلكه, وقد التزمت الدول النووية الرسمية الخمس (الصين وفرنسا وبريطانيا وروسيا وأميركا) بهذا التعهد بشكل علني عند إقرار معاهدة الحد من نشر الأسلحة النووية في العام 1994 بعد 26 عاماً على توقيعها.

وقد شكل هذا تنازلا قدم للدول التي لا تمتلك أسلحة نووية مقابل تخليها عن امتلاكها، لكن الولايات المتحدة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي بدأت تتملص من التزاماتها النووية.

ففي سبتمبر/ أيلول  1996 وقّع الرئيس بيل كلينتون مذكرة رئاسية تراجع فيها عن التعهد الذي أقر في العام 1978 بعدم استخدام الأسلحة النووية ضد دول لا تمتلك هذا السلاح.

وفي مايو/ أيار2002 تعهدت الولايات المتحدة لروسيا بتقليص عدد الرؤوس النووية الهجومية التي تمتلكها من 6000 إلى 2000, وقد تبين فيما بعد أن هذا الوعد كان مجرد سراب، إذ إن العسكريين الأميركيين احتفظوا في الواقع بحق امتلاك 10 رؤوسية نووي مخزونة يمكن إعادة تنشيطها خلال بضعة أيام عند الحاجة.

ومع أن واشنطن هي التي ابتدعت مفهوم "الرقابة على التسلح" فإنها تتميز حاليا برفضها المطلق لنزع أي سلاح يجري التفاوض عليه.

السياسة النووية الأميركية جديدة
هذه التطورات السابقة مهدت لقيام مجموعة المحافظين الجدد بطرح سياسة نووية جديدة, تسعى وزارة الدفاع من خلالها إلى إحداث تغيرات جذرية بالغة الأهمية على السياسة النووية الأميركية، تحول بموجبها أسلحتها النووية من سلاح ردعي إلى سلاح ميداني، يمكن استخدامه لإجهاض هجوم بأسلحة الدمار الشامل قد يشنه خصوم أميركا وأعداؤها عليها أو على حلفائها.

ففي يناير/ كانون الثاني 2002 قدم وزير الدفاع دونالد رمسفيلد إلى الكونغرس مشروعا باسم "إعادة النظر في السياسة النووية“" (Nuclear Posture Review).

وفيه تناول أساسا إحاطة مشروع إعادة إطلاق الترسانة الأميركية النووية بصيغة إستراتيجية.

وتذكر هذه الوثيقة "أن الولايات المتحدة باتت تواجه أخطارا متعددة ذات مصادر متنوعة ليست كلها متوقعة.. وأن الترسانة المتوفرة لا تحوي أسلحة دقيقة بالشكل الكافي، بل أسلحة قوية جدا وذات قدرة محدودة جدا على اختراق الأرض".

تلك كانت حجة أتاحت لهم القول "إننا بحاجة ماسة إلى أسلحة جديدة معدة لتدمير التحصينات تحت الأرضية، حتى وإن كانت عميقة جدا، مع الحد في الوقت نفسه من الأضرار الجانبية التي قد تنجم عن الاستعمال".

وقد استعرض التقرير 1400 هدف تحت الأرض, واعتبر أنه ليس للأسلحة التقليدية قوة اختراق كافية لتدميرها، وأوصى بضرورة العودة إلى التجارب النووية, من أجل تأمين زمن سير أطول للأسلحة البعيدة المدى ومن أجل إنجاز تصنيع الرؤوس النووية الجديدة.

"
على واشنطن أن تعتمد إستراتيجية نووية تواجه بها الأخطار المستجدة، كما أنه سيكون بإمكانها أن تردع أعداءها بشكل أفضل إذا ما تضاءل الفرق بين الأسلحة النووية والأسلحة التقليدية
"
وقد وضع مشروع (Nuclear Posture Review) لائحة بأسماء سبع دول يمكن استخدام السلاح النووي التكتيكي من الجيل الجديد ضدها، وهي روسيا والصين والعراق وإيران وكوريا الشمالية وليبيا وسوريا.

وحصل خلاف فيما بعد حول هذه الوثيقة وهذه الإستراتيجية النووية الجديدة في الأوساط الأميركية.

فقد اعتبر أصحاب المقاربة السياسية أن الأمر يتعلق بأسلحة مختلفة كليا عن الأسلحة التقليدية، وأن الهدف تحديدا هو ترهيب العدو كي لا تصبح هناك حاجة إلى استخدامها، في حين صورها آخرون -بالعكس- على أنها معدات عسكرية مثل غيرها من الأسلحة ولكنها بكل بساطة أكثر فاعلية من غيرها ولذلك فلا شيء يمنع استخدامها.

ويقول كيث باين وهو مساعد وزير الدفاع عام 2003, وقد انضم فيما بعد إلى دائرة التخطيط التي تحمل اسم (The National Institute For Public Policy): "إن الجيش الأميركي يسعى إلى إنتاج صواريخ من نوع جديد تمكنه من أن يحسن قدراته على الوقاية من الهجومات بواسطة ردعها, ولذلك فإن قوة من هذا النوع قد تردع الأعداء المحتملين عن بناء منشآت تحت الأرض".

وقد أشار مايكل شايفز الناطق باسم البنتاغون إلى أن على واشنطن أن تعتمد إستراتيجية نووية تواجه بها مباشرة الأخطار المستجدة، في حين ذكر بول روبنسون مدير مختبر سانديا أنه سيكون بإمكان الولايات المتحدة أن تردع أعداءها بشكل أفضل إذا ما تضاءل الفرق بين الأسلحة النووية والأسلحة التقليدية.

وهذا الأمر يدعو إلى وضع إستراتيجية جديدة تسمح بالجمع بين الهجمات التقليدية و/أو النووية لغايات استباقية أو انتقامية.

تمويه استخدام الأسلحة النووية
لقد أثار هذا الموضوع فيما بعد احتجاجات واسعة داخليا وخارجيا على اعتبار أنه وحسب جوناثان شل وهو أحد الوجوه البارزة بين المدافعين عن نزع السلاح، "فالواضح من السياسة الجديدة التي يتبعها بوش أن حظر نشر الأسلحة لا يتم عن طريق المعاهدات بل بفضل إستراتيجية الهجوم الأميركي".

وهذه الإستراتيجية مقلقة لأسباب ثلاثة، هي أولا: أنها تتنكر جذريا لفرضية الردع الكلاسيكية كي تنحو في اتجاه مخطط استخدام الأسلحة النووية المتمحور حول عنصري السرعة والمفاجأة, بالإضافة إلى الحسم السريع للمعركة.

ثانيا: أنها ستسهم في ضرب النظام الذي هو في الأساس لا يطبق كما يجب ولا يحترم.

ثالثا: أنها تعطي -وللمفارقة- الأولوية لنشر الأسلحة النووية تحت حجج مختلفة.

لذلك فإن مشروع القنابل النووية التكتيكية (الذي كان جزء منه يدخل في إطار الحرب النفسية والإعلامية آنذاك على العراق قبل وعند غزوه) قد تم تجميده مؤقتا أو على الأقل العمل به بعيدا عن الأضواء خاصة بعد أن قام الكونغرس بوقف الاعتمادات المخصصة له.

وكان ذلك بسبب تزايد الانتقادات الموجهة له في الخارج وفي الولايات المتحدة, حيث سحب النائب الجمهوري ديفيد هوبسون الذي يترأس لجنة فرعية في مجلس النواب مبلغ 27.5 مليون من الاعتمادات المخصصة لدراسة هذه القنبلة من إجمالي ميزانية الدفاع الضخمة الذي تم التصويت عليها.

ثم ما لبث أن عاد الموضوع من جديد إلى الأضواء, تحت ستار إيجاد "قنابل فعالة مضادة للتحصينات" وذلك من أجل تمويه عملية استخدام الأسلحة النووية. لأن هذه القنابل الفعالة المضادة للتحصينات التي يجري النقاش حولها ليست في حقيقة الأمر إلا قنابل نووية تكتيكية.

"
القنابل الفعّالة المضادّة للتحصينات التي يجري النقاش حولها ليست في حقيقة الأمر إلا قنابل نووية تكتيكية
"
ففي يناير/ كانون الثاني 2005, طالب وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفيلد باستئناف البرنامج السري للأبحاث بهدف صنع فئة جديدة من الأسلحة النووية القادرة على تدمير أهداف معادية تحت الأرض ومخابئ أسلحة محصنة كما صرح مسؤول في البنتاغون.

وتقدم رمسفيلد بهذا الطلب في رسالة وجهها في 10 يناير/ كانون الثاني إلى وزير الطاقة آنذاك سبنسر أبراهام، مشددا على ضرورة إعادة الاعتمادات المخصصة لدراسة جدوى هذه الأسلحة بعنوان "القنبلة النووية المضادة للتحصينات".

وقد علق المتحدث باسم وزارة الدفاع آنذاك الميجور بول سويرغوس قائلا "إن وزارة الدفاع تقدم دعمها لإنجاز دراسة هذه القنبلة, ولا يمكننا مواجهة التهديدات الجديدة بأسلحة يعود تاريخها إلى الحرب الباردة.. ينبغي لنا تكييف قدراتنا لمواجهة هذه التهديدات".

ومن ثم طالبت وزارة الدفاع باستعادة الاعتمادات المالية المخصصة للمشروع للعام 2006-2007 لإنجاز الدراسة المتعلقة به, "لأن القنبلة ستكون مفيدة لتدمير مخابئ الأسلحة ومراكز القيادات المعادية تحت الأرض" كما قال سويرغوس.

السلاح النووي ميداني بدءا من 2006
أقرّت الإدارة الأميركية إستراتيجية "الحرب الوقائية" (Preemptive War) في إستراتيجيتها للأمن القومي بعد هجمات نيويورك وواشنطن, ونفذتها في أفغانستان والعراق.

ولكن يبدو أنّ مغامراتها في أفغانستان والعراق كانت مخيّبة للآمال وقد كشفت هشاشة وضعف الهياكل العسكرية الأميركية وعدم فاعلية التكنولوجيا وعدم نجاعة مبدأ جيش صغير بعتاد حديث ومتطور, بحيث أصبحت التهديدات الأميركية للدول الأخرى غير فعالة, ما حفز الإدارة الأميركية للتفكير في سياسية جديدة.

فأصدرت وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون في 15 مارس/ آذار 2005 نسخة أولية من 69 صفحة تتعلق بمبادئ عملياتها النووية وقد أدخلت عليها بعض التعديلات الجوهرية التي كانت تسعى إليها.

وقد نشرت هذه الوثيقة الأولية مع تعديلاتها في اليوم الذي يصادف الذكرى الرابعة لهجمات نيويورك وواشنطن, أي في 11/9/2005 تحت عنوان "مبادئ العمليات النووية المشتركة" (Doctrine for Joint Nuclear Operations).

وأهم التعديلات التي تمّ إدخالها على الوثيقة الأساسية التي تناقش استخدام الأسلحة النووية من خلال العمليات العسكرية وتعبر عن العقيدة النووية الأميركية الجديدة هي:

أولا: التخفيف من القيود المفروضة على استخدام السلاح النووي، حيث كانت المبادئ الخاصة باستخدام الأسلحة النووية الأميركية التي تم تعديلها منذ 10 سنوات تقول بوضوح إن "قرار استخدام أسلحة نووية على أي مستوى يتطلب أوامر صريحة من الرئيس (الأميركي)".

لكن، وطبقا للتعديل، فإن القادة العسكريين يمكن أن يطلبوا موافقة من الرئيس لاستخدام تلك الأسلحة تحت أي سيناريو كاستباق استخدام العدو لأسلحة الدمار الشامل على الولايات المتحدة أو قوات التحالف أو على السكان المدنيين.

ثانيا: حسب التعديلات التي أدخلت على الوثيقة فإنه في بيئة دائمة التغير "من الممكن للإرهابيين أو الدول الإقليمية المسلحة بأسلحة دمار شامل، أن تعرض التزامات الولايات المتحدة تجاه حلفائها وأصدقائها للاختبار.. واستجابة لذلك فإن الولايات المتحدة الأميركية تحتاج لمساحة من القدرات، تمكنها من التأكيد لأصدقائها وأعدائها على السواء على مدى تصميمها".

"
الولايات المتّحدة أصبحت تعاني من ضعف هيكلي في إستراتيجياتها الردعيّة, كما أنها لم تعد قادرة على إملاء شروطها على الآخرين بالتهديدات فقط، مما يدفع للاعتقاد أنها لن تتردد أبدا في استخدام الأسلحة النووية
"
وقد جاءت في الوثيقة الحالات التي يمكن من خلالها استخدام الأسلحة النووية التي تتحول في تلك الحالة من ردعية إلى ميدانية وهي تعبر عن المبادئ النووية الأميركية الجديدة ومنها:

أولا: إذا نوى الخصم أن يستعمل أسلحة الدمار الشامل ضد الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات أو قوات التحالف الأميركية أو السكان المدنيين.

ثانيا: ضد منشآت تجهيزات الخصم، ومن ضمن ذلك أسلحة الدمار الشامل، والمخابئ العميقة والصلبة التي تحتوي مواد كيماوية أو أسلحة بيولوجية، أو البنية التحتية للقيادة والسيطرة التي يحتاجها الخصم لاستعمال أسلحة الدمار الشامل في هجوم ضد الولايات المتحدة أو أصدقائها وحلفائها.

ثالثا: في حالات هجوم وشيك من أسلحة خصم بيولوجية، لا يمكن تحطيمها بسلامة إلا بالأسلحة النووية.

رابعا: لمواجهة قوات تقليدية كبيرة العدد بهدف إنهاء الحرب بسرعة لصالح الولايات المتحدة، ولإثبات استعدادها وقدرتها على استخدام أسلحة نووية لمنع العدو من استخدام أسلحة دمار شامل، وللرد على استخدام أسلحة دمار شامل قدمها العدو "لأحد حلفائه".

خامسا: في الحالات التي لو أظهرت فيها أميركا نيتها لاستعمال الأسلحة النووية، لأحبطت قدرة الخصم على استعمال أسلحة الدمار الشامل.

وأضافت الوثيقة أن واشنطن بحاجة إلى الكفاءة اللازمة لطمأنة أصدقائها وخصومها على تصميمها وقرارها بشأن تلك الأسلحة.

كما أشارت إلى أن هناك منظمات غير رسمية إرهابية وإجرامية وحوالي 30 بلدا تمتلك برامج لأسلحة دمار شامل يجب متابعتها.

ونصت الوثيقة على أن سياسة الردع لاستخدام أسلحة الدمار الشامل تتطلب إمكانية قيادة الخصم للاعتقاد بأن واشنطن لها المقدرة على الاستباق والانتقام بشكل فوري بثقة وفعالية.

كما تطلب من قيادات القوات الأميركية المنتشرة في العالم الإعداد لبرامج محددة لاستخدام أسلحة نووية في مناطقها ووضع خطط تبرر طلب موافقة رئاسية على تنفيذ ضربة نووية.

وكخلاصة للموضوع, نستطيع أن نرى أن الولايات المتّحدة أصبحت تعاني من ضعف هيكلي في إستراتيجياتها الردعية, كما أنها لم تعد قادرة على إملاء شروطها على الآخرين من باب التهديدات فقط وهذا ما يدفعنا للاعتقاد أن الولايات المتّحدة لن تترد أبدا في استخدام الأسلحة النووية إذا رأت أن ذلك سيعيد إليها ما فقدته من هيبة وردع.
__________________
كاتب أردني

المصدر : الجزيرة