رفيق عبد السلام

واحدة من الإضافات الأساسية والمهمة التي قدمها الفكر السياسي الواقعي بشقيه الإسلامي والأوروبي بدءا بالماوردي وابن خلدون وابن تيمية ومرورا بمكيافيلي وهوبس وانتهاء بميل وتوكفيل وغيرهم، تتمثل في النظر إلى الشأن السياسي باعتباره مجالا للتدافع والصراع من أجل الاستئثار بأكثر ما يمكن من مقادير السلطة المادية والرمزية، أي اعتبار الشر بمعناه الواسع حالة ملازمة لعالم السياسة خاصة والعلاقات الاجتماعية عامة.

ورغم ما يطبع الفلسفة السياسية الواقعية من مناح مخيفة بعض الشيء، فإنها مع ذلك قد فتحت أفق التفكير الجاد في الشأن السياسي وتشخيص آفاته بدل الاكتفاء بالتعلق بالممكن الأخلاقي والروحي المجرد.

"
ما يجمع التوجهات "الواقعية" على اختلاف مواقعها وخلفياتها الفكرية وحتى الدينية هو افتراضها عدم براءة السياسي، بل طابعه "الشرير" والمخاتل، مما يقتضي التحوط منه
"
أي أنها وفرت بشكل أو بآخر الأرضية المناسبة للتفكير في معضلة الشر السياسي المساكن للحياة السياسية والاجتماع الإنساني عامة وصرف النظر عن المطالب المثالية، سواء أكان هذا الشر ناتجا عن النزوعات الاستحواذية المنغرسة في الطبيعة الإنسانية على ما يقول الفلاسفة الطبيعيون والذرائعيون، أم كان ناتجا عن تلاقي بعض الناس مع بعضهم على نحو ما يؤكده الكثير من فقهاء الإسلام، أو هو ناتج عن غريزة الانفراد المركوزة في الإنسان و"الطبيعة" الذاتية للملك على ما يقول العلامة ابن خلدون.

وبما أن السياسة هي موطن المنازعات ولعبة الاستئثار والاستحواذ على ما يذكر هؤلاء الفلاسفة والمفكرون فإنهم قد ركزوا جهودهم الفكرية على كيفية الحد من الشرور الملازمة لها والتخفيف من وطأتها.

وقد تراوح ذلك بين من رآه في فكرة القانون المقيد ليد الحاكم وفصل السلطات بما يجعل بعضها رقيبا على بعض كما هو شأن مونتسكيو، ومن رآه في لجم الحاكم وكف يده بسلطان الشريعة العلوية وفي كثرة العصائب من حوله كما هو شأن ابن خلدون، ومن رآه في افتكاك ما بيد الناس من سلطان القوة والمغالبة ثم وضعها بيد الدولة لتردع بعضهم عن بعض وتقيم علاقات المسالمة بدل المحاربة بينهم كما هو شأن هوبز في دعوته إلى إقامة الدولة التنين.

أما أولئك الذين اكتفوا بالتشديد على خيرية الإنسان وشفافية العلاقات الاجتماعية فقد خلصوا في الغالب إلى تقديم معالجات أخلاقية مثالية منقطعة عن الواقع ولا تتجاوز أدب النصيحة وتهذيب الأخلاق وتزكية دواخل النفوس بدء بأفلاطون ومرورا بالفارابي وابن سينا وجمهرة واسعة من فلاسفة ومتكلمي الإسلام.

ولعل ابن خلدون كان يمثل معلما فريدا في سياق الفكر السياسي الإسلامي بسبب ما تتسم به أطروحاته من ميل نحو التشخيص الواقعي لشؤون السياسية والعمران، فقد اكتشف صاحب المقدمة بحسه التاريخي المرهف وخبرته العملية بعالم السياسة وشؤونها، أن ما يسميه "خلق التأله" مركوز في طبائع البشر مثلما أن شهوة الانفراد بالمجد حالة راسخة في الدول (الملك).

بل إن ابن خلدون غالبا ما يقيس أوضاع العمران البشري ويجريه مجرى الجبلة الإنسانية أو ما يسميه بالطبيعة الحيوانية في الإنسان، ومن ثم كان منزع الملك نحو الانفراد عنده متأتيا من هذه الغريزة التي جبل عليها الإنسان والجماعات والدول.

ولكن من سوء الحظ أن الكثير من المختنزنات الفكرية التي تضمنها النص الخلدوني لم تلق ما تستحقه من العناية من طرف مفكري الإسلام، فبقيت دفينة في بطون كتبه ومخطوطاته ولم ينفض عنها الغبار إلا في مرحلة متأخرة.

ما يجمع التوجهات "الواقعية" على اختلاف مواقعها وخلفياتها الفكرية وحتى الدينية هو افتراضها عدم براءة السياسي، بل طابعه "الشرير" والمخاتل، مما يقتضي التحوط منه ومن ثم البحث عن تقصي الآليات المناسبة للحد من مخاطره.

"
ميزة النظام الديمقراطي تتمثل في كونه وفر مجموعة من الإجراءات والوسائل العملية التي تساهم بدرجات متفاوتة في التخفيف من وطأة الاستبداد والحد من ضراوته
"
ففكرة فصل السلطات مثلا تقوم على خلفية كبح تمددها والحيلولة دون تجميعها في يدي شخص واحد أو هيئة واحدة منفردة، وفكرة استقلالية ما يسمى بالمجتمع السياسي عن المجتمع المدني تقوم على إحداث توازن قوى بين الطرفين وكف يد الدولة عن التدخل المباشر في شؤون المجتمع.

أما استقلالية المؤسسة القضائية فتتأسس على جعلها عينا رقيبة على ما دونها من المؤسسات التنفيذية والتشريعية، كما أن آلية التداول السلمي على السلطة تقوم على فكرة امتصاص الحالة العنفية السياسية والاستعاضة عنها بالتدافع التنافسي، إلى جانب المراهنة على تجديد النخب السياسية بما يتيح ضخ دماء جديدة في شرايين المنتظم السياسي.

من المؤكد هنا أن هذه الآليات الديمقراطية قد تم الالتفاف عليها والحد من فاعليتها بأشكال وصيغ مختلفة في الديمقراطيات الليبرالية، ففكرة التداول على السلطة استحالت إلى تداول محدود ضمن دائرة نخبة الأحزاب، وفي الغالب نخبة الحزبين الكبيرين المتحالفة مع دوائر النفوذ المالي والاقتصادي وأصحاب السطوة الإعلامية، وعملية فصل السلطات قد حل محلها التجميع البنيوي و"الخفي" للسلطات حول المركز التنفيذي الذي يتدخل غالبا في تعيين القضاة والتحكم في مجريات البرلمانات والمؤسسات التشريعية عبر شبكة معقدة من الارتباطات والمصالح.

أما مقولة فصل المجتمع المدني عن المجتمع السياسي فقد أضحت مقولة متهافتة إلى حد كبير لأنها لا تعبر عن واقع التضخم والامتداد الرقابي والأمني الذي تتسم به الدولة الليبرالية وولوجها إلى أخص خواص الحياة الفردية.

ومع وعينا الكامل بمحدودية المقولات الليبرالية، والهوة الواسعة التي باتت تفصل بين تنظيرات الفلاسفة والحقوقيين الليبراليين وبين واقع النظام الليبرالي على نحو ما يشتغل به واقعا، فإنه يمكن القول على سبيل الجملة أن ميزة النظام الديمقراطي بغض النظر عن الخلفيات الفكرية والفلسفية التي قام عليها تتمثل في كونه وفر مجموعة من الإجراءات والوسائل العملية التي تساهم بدرجات متفاوتة في التخفيف من وطأة الاستبداد والحد من ضراوته.

لعله من المفيد لنا نحن المسلمين إعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي حسب مقومات الرؤية الواقعية للإسلام التي ترى في الإنسان مزيجا من الخير والشر، وفي العلاقات الإنسانية ساحة تدافع تتداخل فيها خطوط الخير مع الشر وأنصبة الحق مع الباطل. إن النظر إلى السياسية باعتبارها مجال تجسد الأخلاق السامية والرفيعة لا يقل خطورة عن اختزالها في الصراع وفنون المخادعات وحشد التكتلات على نحو ما نراه في عوالم السياسة المرعبة ودهاليز السياسيين الموحشة.

الأصوب هنا النظر إلى عالم السياسة باعتباره مثيرا بطبعه للمنافسات والمنازعات الخفية والمعلنة، ولكن الموجهات الأخلاقية والروحية التي تعمر قلوب الأفراد والجماعات مثل خفض الجناح وحب الغير والتواضع والاستقامة ونظافة اليد والأخذ بيد الضعيف والوقوف مع الحق والتزام خلق العدل كلها تلعب دورا مهما في التخفيف من حدة هذا الصراع وتخلق العلاقات الإنسانية المثلى.

فعلا إنها لحالة مرعبة ومخيفة حينما يتم تصوير حياة البشر وفضاء السياسة على أنه غابة ترتع فيها الوحوش الكاسرة التي يتربص بعضها ببعض مما يلغي أي معنى لفضيلة التعاون والتحابّ، وهي نظرة لا تختلف في مساوئها –بل لعلها أشد- عن تصوير العلاقات البشرية والسياسية على أنها عالم ملائكي خال من أي منازعة أو منافسة.

"
ما أوقع بعض الجماعات الإسلامية التي تسلمت مقاليد الحكم في وهدة الفساد والتسلط السياسي كان اكتفاءها بالتشديد على الإخلاص الديني والأخوة الجامعة دونما اهتمام يذكر بآليات الرقابة والضبط لشؤون الحكم
"
إن الاكتفاء بتأكيد خيرية الإنسان والمطالبة بتهذيب حسه الأخلاقي لا يقوم عاصما دون نشوء المنازعات العنيفة حول السلطة ودليل ذلك أن الجماعات الزهدية الصوفية ذاتها القائمة على مطلق التنسك والتطهر الروحي والتي لا علاقة لها بشؤون المعاش الدنيوي كثيرا ما تنخرها الصراعات الداخلية حول الرئاسة والمجد الروحي، والمسيحية التي نادت بالمحبة الخالصة -بما فيها محبة العدو- ونكران الذات قد كان تاريخها طافحا بالحروب والدماء.

ولعل ما أوقع بعض الجماعات الإسلامية التي تسلمت مقاليد الحكم في وهدة الفساد والتسلط السياسي كان اكتفاءها بالتشديد على الإخلاص الديني والأخوة الجامعة دونما اهتمام يذكر بآليات الرقابة والضبط لشؤون الحكم والحاكمين، فانتهى بهم الأمر إلى إطاحة بعضهم ببعض واستقواء بعضهم على الآخر بأدوات الدولة القاهرة.

ثمة ظاهرة آخذة في التشكل داخل الأجسام السياسية الإسلامية قليلا ما يعبر عنها بصورة جلية وصريحة، وتتمثل في وجود هوة واسعة تزداد يوما بعد يوم بين خطاب مثالي يشدد على تربية النفس وفضيلة الأخوة والمحبة وبين واقع ممارسة سياسية لا يخلو من أجواء الصراع الساخن والبارد واستعمال أدوات الكيد السياسي.

وهذه الحالة تحتاج إلى قدر من الجرأة والشجاعة في معالجتها، والطريق إلى ذلك لا يخرج عن خيارين اثنين لا ثالث لهما، إما التسليم بهذه الظاهرة باعتبارها من طبائع السياسة وقوانينها الذاتية التي لا يمكن معاندتها في إطار ما يعبر عنه عادة بالواقعية السياسية التي هي أقرب ما يكون في حقيقة الأمر إلى الذرائعية السياسية.

وإما عدم تسويغ مثل هذه الأساليب في مجال العمل السياسي الإسلامي مع محاولة الحد من سلبياتها ما أمكن عبر آلية التربية والرقابة الجماعية مما يتيح للممارسة السياسية أن ترتقي ما أمكن إلى مستوى الخطاب الديني ويزيل الجفوة بين الممارسة والنظرية.

ولعل الجواب الكافي لهذه المعضلة السياسية نجده في فلسفة الإسلام التي تعترف بالواقع وعالم الطبيعية الإنسانية (أي الفطرة) ولكن مع العمل على تسديدهما وتهذيبهما بالمعاني الروحية والأخلاقية، كما تعترف بدور القوة وتوازناتها في نسيج العلاقات الإنسانية ولكن مع العمل على تقييدها وضبطها بسلطان الحق، في إطار ما يمكن تسميته بالواقعية الروحية أو الواقعية الأخلاقية.

لقد غدا أمرا لازما تجريد الديمقراطية من الحمولة الإيديولوجية التي ألصقت بها، وتحريرها من آفتي الاحتكار والاستبعاد، ومن ثم افتكاكها من بين أيدي النخبة وبسطها بين أيدي الناس، والإلقاء بها في قلب حركة المجتمع حتى تتوفر الفرصة الكافية لاختبارها على أرض الواقع، فيحتفظ النظام الديمقراطي بما يمكن الاحتفاظ به، ويعدل ما يمكن تعديله.

"
الديمقراطية تظل نظاما منفتحا وغير مكتمل باستمرار وهي تخضع لوجوه شرعنة مختلفة باختلاف الخلفيات الثقافية والفكرية التي تشتغل ضمنها
"
وهذا الأمر يقتضي تغليب الخبرة الحية على الإيدولوجيا، أي جانب فك العلاقة الاعتباطية المزعومة بين الديمقراطية وما يسمى عادة بالثقافة الديمقراطية والتأكيد بدلا من ذلك على طابعها الإجرائي الوظيفي.

الديمقراطية كما نفهمها جملة من الأدوات الإجرائية التي تسمح بتنظيم الشأن السياسي بصورة ناجعة، أو إذا شئنا تعريفا أكثر بساطة فهي علاج عملي لداء الاستبداد السياسي لما توفره من آليات ضابطة ومنظمة للحياة السياسية مثل علوية القانون ومحاسبة الحاكمين ومراقبتهم، والفصل بين السلطات وتوزيع السلطة بدل مركزتها، وتداول السلطة ضمن آماد زمنية محددة والحيلولة دون احتكارها إلى الأبد، واستقلال المجتمع المدني عن المجتمع السياسي والسماح بتنظيم الأحزاب والهيئات المستقلة عن الدولة.

وما نقصده بكون الديمقراطية آلية إجرائية على وجه الدقة هو أنها ليست عقيدة ولا إيديولوجيا على نحو ما هو شائع في أدبيات الكثير من السياسيين والأيديولوجيين العرب الذين تستهويهم لعبة المقابلات والتصنيفات، بل هي أسلوب عام في إدارة السياسة وشؤون الحكم.

فالمهم في الديمقراطية ليس الأسس النظرية أو الأيديولوجية التي تتأسس عليها (هذا إن كانت لها أسس نظرية محددة وثابتة)، بل الآليات والوسائل التي يتم استخدامها في مجرى العملية السياسية.

وهذا ما يسمح بالقول إن الديمقراطية تظل نظاما منفتحا وغير مكتمل باستمرار، وهي تخضع لوجوه شرعنة مختلفة باختلاف الخلفيات الثقافية والفكرية التي تشتغل ضمنها.
__________________
كاتب تونسي

المصدر : الجزيرة