الطيب بوعزة

كاتب مغربي

لا بد أن يندهش الناظر في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية من سرعة التحولات الاقتصادية والجيوسياسية التي شهدتها تلك المستعمرة الصغيرة المكونة من مهاجرين منبوذين من أوروبا، حيث انتقلت إلى أكبر قوة عالمية في ظرف زمني يقل عن مائتي عام.

فما بين 1776، سنة إعلان استقلال الولايات المتحدة الأميركية عن بريطانيا، والنصف الأول من القرن العشرين مسافة زمنية وجيزة جدا في أعمار الدول والشعوب، لكنها كانت كافية لأن تجعل من هذه المستعمرات الناشئة محورا فاعلا بقوة في الواقع الدولي بل مهيمنا عليه.

فكيف تأسست هذه المستعمرات وما هي المحددات الثقافية التي استبطنتها واحتفظت بها في انتقالها إلى دولة؟

"
شكل مهاجرو مايفلاور أول مستعمرة في تاريخ الولايات المتحدة، لذا لا غرابة أن نجد الحاضر الأميركي يكثر من استحضارها، بل يجعل أحد أيام السنة عيدا رسميا خاصا بها، إذ هي تُعد أول تشكل سياسي للدولة الأميركية وبها يبدأ تاريخها
"
معلوم أن كل كيان ثقافي وحضاري له أساطيره وسردياته الكبرى المؤسسة لهويته وكينونته. وعادة ما تكون هذه الأسطورة أو تلك الأساطير المؤسسة مختزنة للمحددات الرئيسة لذلك الكيان. فما هي الأسطورة المؤسسة للدولة الأميركية؟

يمكن أن نستحضر جملة أساطير تشكل الوعي الأميركي وترفد مخياله الاجتماعي والسياسي، لكن على مستوى الأولوية، لا بد من البدء بأسطورة مايفلاور، التي سنخصص لها مقالنا هذا.

لكن لِم البدء بها؟ للمايفلاور مساحة معتبرة في المخيال الأميركي، فهي تُعد أول تشكل سياسي للدولة الأميركية، إذ بها يبدأ تاريخها. ومايفلاور"Mayflower " (زهرة مايو) اسم سفينة حملت مجموعة من المهاجرين الأوروبيين من أصول إنجليزية ينتمون إلى جماعة "البيوريتان"، لكن صيرورة الرحلة وحمولتها من البشر سيكون لها اعتبار رمزي خاص في التاريخ الأميركي.

وهي بالفعل حقيقة بأن تكون مثقلة بالرموز والدلالات، ففيها نجد شخصا يدعى جون هولاند John Howland جد الرئيس جورج بوش، كما نجد في هذه السفينة أيضا جد زوجته باربارا الذي يدعى هنري سمسون. بل أكثر من ذلك يبدو أن هذه السفينة كانت تحمل المركب الرئاسي للتاريخ الأميركي اللاحق! إذ فيها أيضا أشخاص سيكون من أحفادهم عدد آخر من رؤساء أميركا، منهم ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد!

وعند دخولها إلى أميركا شكل مهاجرو هذه السفينة أول مستعمرة في تاريخ الولايات المتحدة، ولذا لا غرابة أن نجد الحاضر الأميركي يكثر من استحضار مايفلاور، بل يجعل أحد أيام السنة عيدا رسميا خاصا بها.

ولا عجب أيضا أن يتم في سنة 1957 إنتاج نسخة شبيهة من سفينة مايفلاور، لتقوم بالرحلة ذاتها من شواطئ بليموث في بريطانيا إلى بليموث ماساشوست في أميركا، حيث توجد إلى اليوم في متحف للزيارة والاستذكار.

فهي جزء محوري في الذاكرة التاريخية والسياسية الأميركية، لذا من المفيد الوقوف عندها بالتحليل والتأمل.

تشكل جماعة مايفلاور لحظة التأسيس الثقافي والسياسي للتاريخ الأميركي فهي كينونة اجتماعية وسياسية، ولقد كانت هذه الجماعة من حيث تمذهبها الديني بروتستانتية نشأت في بريطانيا كحركة تصحيح ديني للكنيسة الأنجليكانية.

وكان موقفها المذهبي قد أدخلها في صراع مع الكنيسة من جهة ومع الحكم الملكي من جهة ثانية، فهاجر سنة 1609مجموعة من البيوريتانيين من قرية سكروبي (Scrooby) البريطانية إلى هولاندا، التي كانت وقتئذ تشكل بمناخها الديني والسياسي المنفتح إلى حد ما، قبلة لكثير من حركات اللجوء الديني/ السياسي.

لكنهم بعد سنوات لاحظوا أن أطفالهم أخذوا يتكلمون اللغة الهولندية ويتخلقون بقيم وعادات المجتمع الجديد الذي وفدوا إليه.

واستثمارا لفكرة وجود عالم فارغ وراء البحار، قرر هؤلاء الهروب بمذهبهم الديني وبأنفسهم من أوروبا كلها، ولذا أخذوا يتجاذبون فيما بينهم حلما بأرض جديدة تمكنهم من الحفاظ على هويتهم الثقافية والدينية.

وقد سمعوا بوجود مستعمرة جيمس تاون بفرجينيا، لذا سيطلبون من شركة فرجينيا Virginia Company السماح لهم بامتلاك أرض في العالم الجديد يؤسسون فيها مستعمرة خاصة بهم.

وهكذا سيرحل 102 من الرجال والنساء، بينهم 34 طفلا على سفينة مايفلاور التي كان فيها بالإضافة إلى المهاجرين 30 ملاحا.

وابتدأت الرحلة في اتجاه الأرض الجديدة (أميركا) يوم 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1620، وكانت رحلة عصيبة، والروايات التي نسجت حولها تفيض بحس المغامرة الممزوجة بفكرة تدخل العناية الإلهية كل مرة للإنقاذ.

"
استحضر واضعو عقد مايفلاور الذي يعتبر على وجازته أول نص دستوري في تاريخ أميركا، الاضطهاد الديني الذي كان سائدا في أوروبا والانحراف الأخلاقي، فحاولوا تأسيس وضعهم المجتمعي المستقبلي على التجمع الحر والابتعاد عن الانحراف الديني
 "

لكن خلال الرحلة تضل السفينة الطريق حيث تصل إلى منطقة تبعد بثماني مائة كيلومتر شمالا عن المنطقة التابعة لشركة فرجينيا، وهكذا يجد هؤلاء أنفسهم في مكان لم يتم استكشافه من قبل، فيسمونه بليموث روك Plymouth Rock (ماساشيوستس).

لكن الجديد في هذه الرحلة الذي جعلها تدخل التاريخ، وتحتل مساحة في المخيال الثقافي للإنسان الأميركي، وتشكل دلالة سياسية كبرى هو أنه عندما وصل هؤلاء المهاجرون، وأحسوا بأنهم أخطؤوا الطريق، ومن ثم لم يعد للاتفاق الذي كانوا عقدوه مع شركة فرجينيا أي معنى، برز الخلاف بينهم.

ومن أجل ضمان الاتحاد قرروا قبل النزول من السفينة أن يضعوا فيما بينهم عقدا اجتماعيا وسياسيا يعيشون وفقه، وهو العقد الذي سيشتهر لاحقا في الكتابات التاريخية والسياسية الأميركية بـ"عقد مايفلاور"، الذي يعتبر على وجازته واختزاله أول نص دستوري في تاريخ أميركا.

من الملاحظ أن النص مختصر جدا، ومثقل بالروح الدينية، حيث يقول "إننا نضع مع الرب وفيما بيننا عهدا، ونلتزم والله شاهد على أن نسير جميعا في كل السبل بالطريقة التي أوحاها لنا في كتابه المقدس".

على هذا تعاقد أصحاب مايفلاور، ولقد كان الهاجس/الحلم الذي يداعب وجدانهم هو تأسيس "أورشليم جديدة" New Jerusalem في ما وراء البحار.

لذا استحضر واضعو هذا العقد في وعيهم الاضطهاد الديني الذي كان سائدا في أوروبا والانحراف الأخلاقي الذي وسم المؤسسة الدينية الكنسية، فحاولوا في تأسيسهم السياسي لوضعهم المجتمعي المستقبلي أن يؤكدوا على مسألتين اثنتين، كانتا تحملان في تفكيرهم مرتبة الأولوية.

أولاهما إنشاء تجمع حر، وثانيتهما تأسيس واقع ديني متطهر من انحرافات الواقع الذي خلفوه وراءهم في العالم القديم/أوروبا.

وهكذا تم التوقيع على العقد من قبل واحد وأربعين رجلا، محددين فيما بينهم نظاما للمستعمرة يقوم على التصويت وصياغة القرار بواسطة الأغلبية، وانتخبوا أول حاكم لهم وهو جون كرفر.

لكن السنة الأولى لمقامهم في الأرض الجديدة كانت عصيبة جدا، حيث مات نصفهم بفعل الأمراض والمجاعة من بينهم حاكم المستعمرة كرفر، فانتخبوا حاكما آخر هو وليم بريدفورد، ولقد كان لمسالمة الهنود دور حاسم في استمرار جماعة مايفلاور، إذ تقول الروايات التاريخية إن للهنود دورا حاسما في مساعدتهم وتعليمهم زراعة الذرة، التي كانت سبب انفلاتهم من تهديد المجاعة.

فقد التقى هؤلاء المهاجرون بهندي يدعى سكوانتو (Squanto) من قبيلة باتوكسيت كان يعرف التحدث بالإنجليزية بسبب حياته الحافلة، إذ إنه في سنة 1605 كانت سفينة بريطانية قد وصلت إلى المنطقة ذاتها لاستكشافها، وأخذته معها إلى إنجلترا، ليعود سنة 1614 مع بعثة بريطانية لرسم خرائط لأميركا.

وقد تم القبض عليه من قبل الإسبان ونقل إلى مالقا ليباع كعبد، ثم يعود سنة 1618 إلى أميركا مع الإسبانيين، حيث أخذه الإنجليز من جديد لينقل إلى بريطانيا، ويرحل مرة أخرى في بعثة استكشافية إلى أميركا.

وعندما وصل علم بأنه الناجي الوحيد من قبيلته التي قيل بأنها ماتت بفعل وباء، فبقي في قبيلة وابينوغ، حتى التقى بمهاجري مايفلاور، الذين علمهم -وهم الذين لم تكن لديهم أدنى خبرة بالزراعة- سر زراعة الذرة، إذ كان السر في إمكان نجاح المحصول هو أن يوضع أولا في الأرض سماد من سمك الصابوغيات.

كما كان لهذا الهندي دور حاسم في إنجاح معاهدة السلام بين أصحاب مايفلاور والهنود.

"
الولايات المتحدة كبلد مفرغ من أي خلفية تاريخية وفاقد للرصيد والإرث الثقافي، لا عجب أن تجعل من سفينة تحمل 102 مهاجر حدثا ملحميا تنسج حوله ظلالا من الحكايات والسرديات
"
وفي سنة 1621 نجح العمل وكانت أجواز الذرة مهيأة للحصاد، فتمت إقامة حفل اشترك فيه الهنود أيضا، وهو الحفل الذي سيصبح عيد "يوم الشكر" (Thanksgiving Day) الذي جعل منه الرئيس الأميركي أبرهام لنكولن عيدا وطنيا سنة 1863.

وما زال المجتمع الأميركي إلى اليوم يحتفل سنويا في يوم الخميس من الأسبوع الرابع من كل نوفمبر/ تشرين الثاني بما يسمى بعيد Thanksgiving لتقديم الشكر للإله على حفظ هذه الجماعة الأولى (جماعة مايفلاور) التي انبثق منها ما يمكن أن نسميه بالهوية السياسية والدينية لأميركا.

صحيح أنه لدى كل شعب أساطير مؤسسة لهويته وتاريخه، وفي الغالب تكون هذه الأساطير بنفس حجم وطبيعة البناء الثقافي والخبرة التاريخية لهذا الشعب، والولايات المتحدة الأميركية كبلد مفرغ من أي خلفية تاريخية، وفاقد للرصيد والإرث الثقافي لا عجب أن يجعل من سفينة تحمل 102 مهاجر حدثا ملحميا تنسج حوله ظلالا من الحكايات والسرديات العجائبية.

فكل حضارة لها أوهامها التي تقتات عليها، لذا لا نستغرب كثيرا أن نجد هذه السفينة تصبح بداية التاريخ في الوعي الأميركي، بل محل تحاسد وخصام بين التيارات الإثنية المتصارعة في أميركا!! حيث نلاحظ داخل النخبة الفكرية الأميركية تنازعا بين البيض والزنوج، حتى بلغ الأمر بالكاتب الزنجي ل. بينيت (Lerone Bennett) أن يصدر سنة 1962 كتابه "ما قبل مايفلاور" (Before The Mayflower).

وقد سطر في هذا الكتاب أكثر من أربع مائة صفحة من أجل أن يثبت أن السود وصلوا قبل مجيء مايفلاور بعام واحد!! ويا له من فضل وسبق!

قد يبدو للقارئ أن صراع النخبة الزنجية ونخبة البيض حول مركب من خشب أشبه بصراع أصلعين على مشط! لكن الأمر مفهوم بل مستساغ إلى حد ما، إذ إن لكل حضارة مخزونها من الأوهام كما سلف يتناسب مع شرطها التاريخي!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك