هيثم مناع

هيثم مناع

- مواليد 16 مايو/أيار 1951 في جنوب سوريا (أم المياذن) من عشيرة العودات، ودرس الطب في جامعة دمشق وجامعة ماري وبيير كوري في باريس.

- النسخة الأولى للمشروع الأميركي
- التحرك إلى سوريا
- ضربة الغدر

الشرق الأوسط الكبير يصغر، النظرات الإستراتيجية الكبيرة تتحول إلى مخاوف على صعيد الأحياء والأزقة، سقطت قوة الأمثولة الأميركية ولم يعد لتعبيرها في العراق أن يعطي القدوة.

في عامين، بلغ ضحايا العدوان الأميركي على العراق أكثر بقليل من ضحايا الحرب الأهلية في لبنان.

التعذيب الموشح بالسواد في أبو غريب وبالثوب البرتقالي في غوانتانامو والسفر الجوي إلى بلاد التعذيب حلت محل تمثال الحرية في الوعي الجماعي، داخل العالم الإسلامي وخارجه.

لم يعد الحلم الأميركي براقا، فالمليارات التي تنفق في ما يسمى "الحرب على الإرهاب" تكفي لاستئصال الفقر من ثلاثين دولة أفريقية.

بعد أن انكسرت عقدة الخوف عند المحكوم يوم سقوط أحد أكثر الأنظمة العربية المعاصرة دموية، يعود الخوف إلى المجتمعات ولكن هذه المرة من عمى الألوان الذي يصيب القوة العظمى في العالم.

من مفارقات القرن الجديد الكبيرة أن الديمقراطية هي الضحية الأولى لما يجري باسم الديمقراطية، والإرهاب هو المستفيد الأكبر حتى اليوم من الحرب على الإرهاب.

كم من القطاعات المدنية السلمية تهمشت بل تهشمت، كم من القواعد القانونية انتهكت، كم من الضحايا ذهبوا بالمجان.

لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية يتجاوز عدد القوانين الاستثنائية على الصعيد العالمي السقف الذي بلغه أثناء آخر حرب كونية.

إلى أين نتجه، وهل ما زالت نظرية الفوضى البناءة التي قادت إلى حربي العراق وأفغانستان تعتبر الملهم الروحي للسياسة اليومية للإدارة الأميركية. وهل بإمكان الوضع الدولي تحمّل وضع مضطرب ومهتز في سوريا ولبنان في وقت تزداد فيه المجاهل في الدولة العبرية والعراق ولم تتضح بعض معالم الغد السوداني وتمر مصر بمخاضات متعددة؟.

"
من مفارقات القرن الجديد الكبيرة أن الديمقراطية هي الضحية الأولى لما يجري باسم الديمقراطية، والإرهاب هو المستفيد الأكبر حتى اليوم من الحرب على الإرهاب
"

النسخة الأولى للمشروع الأميركي
بعد 11 سبتمبر/ أيلول، كثفت الإدارة الأميركية جهودها نحو ما أسمته بالشرق الأوسط الكبير، وأخذ البطن العربي الرسمي الرخو حصة الحديقة الخلفية التقليدية للولايات المتحدة الأميركية (أميركا اللاتينية).

اعتبرت "الحرب على الإرهاب" نقطة الارتكاز والدول المارقة بهذا التعريف المستهدف الأول أما الديمقراطية فالطلاء الضروري لتغطية بشاعة تكنولوجيات الحرب المختلفة.

لا يمكن تسويق بضاعة القتل الجماعي دون مقابل، ولا بد من قيم غير تلك التي يطلقها المحافظون الجدد، والتي تنتج العداوة داخل وخارج الولايات المتحدة بشكل واسع.

بعيدا عن الشعارات التي تختزل السياسة بين صداقات وعداوات، علينا تلمس العناصر الجديدة التي حملتها هذه السياسة ، بوعي أو دون وعي:

- ضرب المعايير التقليدية للوصول إلى السلطة، بإدخال العنصر الخارجي طرفا أساسيا في صناعة الأوضاع الداخلية للدول المستهدفة.

- نقل أنموذج أميركا اللاتينية في القرن العشرين إلى العالم العربي في القرن الحادي والعشرين، أي تحول الحديقة الخلفية إلى البطن العربي الرخو.

- ضرب المنظومة الأممية لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي وبناء نظام مواز لهذه المنظومة ينطلق من المصلحة الأميركية العليا.

- ابتكار مفهوم الاحتلال الإيجابي، أو الحامل للتحول transformative في عودة إلى فكرة الوجود العسكري المباشر.

- بتأثير واضح من ولفوفيتز واللوبي الموالي لإسرائيل، التخلي عن فكرة الاحترام الضروري للحدود التي أورثها الاستعمار القديم، وفتح الاحتمالات لأية تكوينات جديدة موالية بما في ذلك حدود دول معروفة بعلاقة متميزة مع الولايات المتحدة كالمملكة العربية السعودية.

هذه الطبعة الأصلية لم تصمد أمام الواقع، ولكنها تركت آثارا تدميرية على المجتمعات المستهدفة، فقد كان لمحاربة الجمعيات الخيرية والإنسانية الإسلامية أثر مباشر على قوة المجتمعات المدنية الناشئة في العالمين العربي والإسلامي.

كذلك تعززت ترسانة القوانين الاستثنائية باسم "قوانين مناهضة الإرهاب" بحيث تحول المطلب الديمقراطي برفع حالة الطوارئ في ثماني بلدان عربية إلى قضية نسبية حيث تقوم هذه القوانين المحمية أميركيا بالدور نفسه.

ثلاثية الاعتقال التعسفي والتعذيب والوضع تحت المراقبة أو السيطرة عادت بقوة، وأصبح من الطبيعي حتى في عدة بلدان أوربية غربية مراقبة الطريق العام وتصوير من هم داخل حافلات النقل الخاصة وتسجيل المكالمات الهاتفية والاحتفاظ بها لمدة طويلة والاعتقال الاحترازي إلى مدد تصل إلى أربعة أعوام.

كل هذه التجاوزات جعلت الجماعات المؤيدة للمسار التدخلي الأميركي نخبة ذات مصالح مباشرة بمعنى التمويل أو تعويض ضعف بنيوي بالاستقواء، ولكن في حالة عزلة عن مجتمعاتها.

وعادت الإدارة الأميركية لأوراق لم تحترق بعد مثل فرنسا التي لم تخض حرب العراق أو الحكومات العربية الصديقة التي صار من الضروري مد الجسور من جديد لها بل والحرص على بقائها.

"
الإدارة الأميركية كانت ترى الحدث اللبناني من منظار آخر، فليس ما يهمها استقرار البلد والانتقال لغيره بقدر ما يعنيها توظيف ما حدث لزعزعة الجار الأكبر سوريا
"

التحرك إلى سوريا
في هذا النطاق، يمكن قراءة التحرك الثلاثي الفرنسي البريطاني الأميركي في الملفات اللبنانية والسورية والإيرانية. هذا التحرك أخذ شكلا مكثفا مع إعادة انتخاب جورج دبليو بوش ورغبة الحكومة الفرنسية في فتح صفحة ما بعد الأزمة العراقية مع إدارة سيضطر الرئيس الفرنسي جاك شيراك للتعامل معها حتى نهاية ولايته أحب أم كره.

رغبة لا تخفيها فرنسا بتفعيلها الملف اللبناني (باعتبارها هي نفسها طرفا في ولادة دولة لبنان ما بعد الانتداب ومستقبل هذه الدولة) دون أن يعني ذلك تورطا في شؤون الجار الشرقي الذي كان انتدابها له، ربع قرن من الانتفاضات وحركات الرفض والتمرد لم تبق أثرا حتى للغة الفرنسية فيه كلغة ثالثة (العربية والكردية والإنجليزية تتقدم على الفرانكفونية في سوريا).

شجع تغييب الرئيس ياسر عرفات وظهور شارون كزعيم إسرائيلي ونجاح عمليات الاختراق في العمق السوفياتي لجيران الفدرالية الروسية في تدعيم فكرة بناء جيوب موالية للغرب في كل مكان، وإن كان ما يزال من المبكر خوض مغامرة كهذه مع الصين الشعبية.

فشيخوخة النظام البعثي في دمشق لا تحمل الكلفة نفسها وتسمح بحصر القوة الإيرانية داخل حدودها من اللحظة التي يتوقف فيها حزب الله عن أن يكون أنموذجا للشيعة والمسلمين والمقاومة.

فعندها يتكفل الوجود العسكري الأميركي في أفغانستان والعراق بالمحاصرة العسكرية-السياسية لإيران، ويصبح أنموذج موفق الربيعي والجلبي والحكيم هو الأفضل أن يتبع في الأوساط الشيعية في إيران والدول العربية.

هذه التصورات التي سمعناها في بغداد منذ الشهور الأولى للاحتلال، مازالت تدغدغ مشاعر البنتاغون، وقد تحدث أكثر من محافظ جديد عن ضرورة ضربة عسكرية إسرائيلية قوية لجنوب لبنان تجعل الحكومة تستنجد بقوات أوربية وأميركية لإنقاذ البلاد من احتلال جديد.

أعطت السلطات السورية خصومها كل الأوراق الضرورية لتحويل وجودها العسكري والأمني في لبنان إلى نقمة على البلدين، وبإصرارها على التمديد للرئيس اللبناني إميل لحود وضعت نفسها في مواجهة مفتوحة مع الجميع في لبنان والغرب.

وإن لم يكن التمديد حدثا يسمح لأوروبا والولايات المتحدة بالتدخل لقلب الموازين رأسا على عقب، فقد كان اغتيال الرئيس الحريري بكل المعاني ضربة للسياسة السورية الإقليمية ونهاية أجل الخيار الأمني السوري في لبنان.

صحيح أن أية قراءة وطنية تقليدية تظهر أن قرارات مجلس الأمن لا تخرج عن تصور عام قائم على جوار آمن لإسرائيل وفك ارتباط كامل للبنان مع سوريا ووضع حد للأشكال المسلحة غير الحكومية، إلا أن مفهوم الوطنية التي يبصر قراءة كهذه لم يعد قائما، وقد حلت محله وطنية أخرى تريد إلى جانب كرامة الوطن كرامة الناس وأمنهم.

ولكون هذه الوطنية لم تنضج تماما في القلوب وفي العقول، فقد احتل الفراغات الانتقالية عصبيات طائفية وعضوية حريصة على عدم إجراء أي تغيير في البنى السياسية التقليدية.

بهذا المعنى حملت الهياكل اللبنانية القديمة (العفش) نفسه والممارسات نفسها، الأمر الذي أشعر المراهنين الغربيين على الأنموذج اللبناني، بأن هذا الأنموذج من الخصوصية بمكان بحيث أن إعادة إنتاجه مهمة مستحيلة.

الإدارة الأميركية كانت ترى الحدث اللبناني من منظار آخر، فليس ما يهمها استقرار البلد والانتقال لغيره بقدر ما يعنيها توظيف ما حدث لزعزعة الجار الأكبر سوريا.

وما حرص اللبنانيون على تسميته بالتوازن الهادئ والحكيم والتنفيذ بالسرعة اللبنانية لقرارات مجلس الأمن لا بالوتيرة الخارجية، هذا الخطاب لم يكن يهم الإدارة الأميركية في شيء, فإن كان اللبنانيون بحاجة للمال فلا ينقص ذلك، وان احتاجوا السلاح لا ينقص أيضا.

المهم هو خلق الفوضى البناءة اللازمة لتغيير السلطة في دمشق، لأن الدكتاتورية في الشام لن تسمح بالديمقراطية في خصرها.

من الضروري التذكير بنداءات الكونغرس الأميركي بضغط من اللوبي الصهيوني والمحافظين الجدد من أجل إجراءات تبدأ بالعقوبات وتنتهي بتحرير سوريا.

"
قصّرت رجفة العراق من عمر الهيمنة الأميركية الأحادية، أما الرجفة الثانية فقد تطيل عمر هذا الحاكم أو ذاك وتعطي لمن يركع أكثر طول السلامة وتعزز شعور القرف من تبعية القيادة السياسية لدولة عظمى ولكيان مثل إسرائيل
"

ضربة الغدر
اعتقد ثعالب السياسة الأوروبية أن الوقت جيد لمشاركة الولايات المتحدة مغامرتها هذه المرة، خاصة وأن كل الممثلين في المنطقة ضعاف، إلا أنهم تناسوا أن الأطراف الدولية ليست أكثر ذكاء وحكمة، وقد وضعت نفسها أسيرة لمن ترى فيه الطرف القوي، إن لم نقل الأقوى (إسرائيل).

إلا أن الرياح لا تجري بما تشتهي السفن، ضربة الغدر هذه المرة لم تأت من عملية اغتيال جديدة أو عملية إرهابية أو عسكرية، لقد جاءت من الذي أجبر الرئيس الأميركي على جعل السياسية الإسرائيلية سياسة أميركية رسمية، وفي لحظة فاقت شعبيته فيها كل ما حلم به هو نفسه، وبعد أن كان مجرم حرب عشية صبرا وشاتيلا سمي "رجل سلام" يوم مجزرة جنين.

زعيم الليكود، وهو الذي قتل الحزب من أجل مشروعه السياسي الخاص، القاتل الذي فشلت كل منظمات حقوق الإنسان في إتمام دعوى قضائية واحدة ولو اعتبارية بحقه.

أرييل شارون وبارتفاع طفيف في معدل التخثر في دمه، تحول إلى ميت في عداد الأحياء.. لم يكن للإدارة الأميركية أن تتصور أن من سينجح وفق كل استطلاعات الرأي في الانتخابات القادمة سيكون وراء الرجفة الثانية للفوضى البناءة، بعد رجفة العراق.

قصرت رجفة العراق من عمر الهيمنة الأميركية الأحادية، أما الرجفة الثانية، فقد تطيل عمر هذا الحاكم أو ذاك، وتعطي لمن يركع أكثر طول السلامة، وتعزز شعور القرف من تبعية القيادة السياسية لدولة عظمى لكيان مثل إسرائيل، وربما تحدث هزة في الوعي المحلي من مخاطر وضع دولي يرتكز على أطروحات هزيلة.

إلا أنها، بكل الأحوال، تذكرنا بأن من أتفه أسباب العيش البقاء من أجل البقاء والجلوس على عتبة الأحداث وهامش التاريخ، وبكلمة واحدة القبول الطوعي بغياب الدور.

أهم ما في لعبة الشطرنج أن تكون لاعبا لا أن تكون مجرد حجر أو رقعة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك