إبراهيم علوش

من الصعوبة بمكان تلقي أي تحليل يمس مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية للسلطة الفلسطينية بشكل موضوعي ومحايد في الوقت الذي يحتدم فيه الصراع على الجوائز والمواقع والمقاعد.

فحقيقة الأمر هي أن كل حرف يتفوه به المرء في هذا السياق سيتم تقييمه أولا من منظور أي طرف يفيد وأي طرف يضر، هنا والآن، انتخابيا أو سياسيا، لا من منظور القضية الفلسطينية ومصلحة الأمة مبدئيا أو إستراتيجيا.

لنضع الأمور "على بلاطة" كما يقال في العامية، فانخراط حماس بكل ثقلها الشعبي في انتخابات السلطة الفلسطينية التشريعية التي يفترض أن تجري في 25/1/2006 يثير الذعر في حزب السلطة نفسه وفي رموزه وأنصاره بعد أن تمتع بالحكم، إذا صحت تسمية السلطة الفلسطينية حكما، دون منافسة جدية منذ تأسس على قاعدة اتفاقيات أوسلو.

"
انخراط حماس بكل ثقلها الشعبي في انتخابات السلطة الفلسطينية التشريعية يثير الذعر في حزب السلطة نفسه بعد أن تمتع بالحكم دون منافسة جدية منذ تأسس على قاعدة اتفاقيات أوسلو
"
أما إحجام حماس عن المشاركة في الانتخابات فيصب مباشرة في مصلحة حزب السلطة... فلماذا تقدم حماس غزة مثلا، أو غيرها، مجانا للسلطة، حيث تتمتع بأغلبية أو بحقوق سياسية واضحة، خاصة أن "الأرض للسواعد التي تحررها" حسب أدبيات حركة فتح نفسها!!

بالمقابل، لا يغيب عن بالنا أيضا، من نفس المنظور الضيق جدا للحسابات الفصائلية، أن نقد حماس بسبب اشتراكها في انتخابات التشريعي، بعد إحجامها عن المشاركة في الانتخابات الرئاسية للسلطة الفلسطينية في 9/1/2005 باعتبارها أحد إفرازات اتفاق أوسلو على حد تعبير حماس، سيفيد عمليا ويعزز من مصداقية طرفين:

1- التيارات الإسلامية أو غير الإسلامية الرافضة لفكرة المشاركة في الانتخابات، أي التيارات التي تقدم نفسها للشعب العربي الفلسطيني كبديل أكثر جذرية وتمسكا بالثوابت من حماس.

2- حزب السلطة نفسه على المستوى الإستراتيجي، وليس الانتخابي الآني، الذي يجهد لتقديم مشاركة حماس في انتخابات التشريعي باعتبارها تراجعا مبدئيا قدمته حماس ثمنا للحصول على الحكم، أو على حصة فيه.

وبالنسبة للنقطة الثانية بالتحديد، فلنلاحظ أن حزب السلطة قد يخسر تكتيكيا من مشاركة حماس في انتخابات التشريعي، ومن مشاركتها إياه في أجهزة السلطة التنفيذية، أي أنه قد يخسر مواقع ومقاعد قد تدفعه عنها حماس، ولكن حزب السلطة يسعى حثيثا في الآن عينه ليستثمر قرار حماس دخول انتخابات التشريعي منذ الآن بجد واجتهاد كبيرين:

أ- ليضرب شعبية حماس ضربة مفصلية في الشارع الفلسطيني بمقدار ما قامت تلك الشعبية على ابتعاد حماس عن مستنقع العملية السياسية، ومنها بالطبع أوسلو وأطرها.

ب- ليحقق شيئا من المشروعية لنفسه وللعملية السياسية التي وصلت خلال الأعوام الماضية إلى طريق مسدود، أي لإعادة إحياء الأمل في العملية السياسية في الشارع كما في السنوات التي أعقبت توقيع أوسلو مباشرة.

ج- وهو ما ينسجم في النهاية مع المطلب الصهيوني بإيجاد "شريك فلسطيني" في العملية السياسية، أي إيجاد غطاء من المشروعية السياسية والشعبية والقانونية لشريك فلسطيني مستعد وقادر على تقديم التنازلات التي تطلبها دولة العدو.

"
حماس لم تأخذ قرارها بالمشاركة في الانتخابات التشريعية للسلطة الفلسطينية اعتباطا، فالقرار السياسي داخل الحركة يخضع عادة لحوار كادري مطول بين أجزائها الأربعة في غزة والضفة والسجون والخارج
"
وبدون كبير عناء، يلاحظ كل من يتابع خطاب وسائل الإعلام والكتاب المناصرين لما يسمى "العملية السلمية" كيف يتم العزف تكرارا، علنا وبين السطور، على الأوتار الثلاثة أعلاه: "حماس تخلت وتراجعت... علينا إحراج "إسرائيل" بوضعها أمام شريك فلسطيني مفوض.. انفتح باب الأمل جزئيا.. يجب تجديد الهدنة لنزع الذرائع من يد "إسرائيل".. هذه هي الطريق كما قلنا منذ البداية: العملية السياسية وليس غيرها.. وها هي حماس نفسها تنضم بدورها للعملية السياسية.. وبقي أن تتخلى عن سلاحها.. إلخ".

وقد قدم أحد كتاب مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية في الأهرام المصرية الحالة باعتبارها تمثل مكسبا سياسيا لحماس يضعها في الآن عينه في مأزق فكري لأن الخطوة التي اتخذتها بالمشاركة في الانتخابات التشريعية تتناقض مع خطها العقائدي ومع الموقف السياسي الذي بنت جزءا من شعبيتها على أساسه.

حماس بدورها لم تأخذ قرارها بالمشاركة في الانتخابات التشريعية للسلطة الفلسطينية اعتباطا، بعدما رفضت المشاركة فيها عام 1996 لأنها تتم على قاعدة أوسلو وتستثني المقدسيين واللاجئين وتمنح الكيان الصهيوني حق نقض القرارات التي يأخذها المجلس التشريعي.

فالقرار السياسي داخل حماس يخضع عادةً لحوار كادري مطول بين أجزائها الأربعة في غزة والضفة والسجون والخارج. فإذا كانت المشاركة في انتخابات التشريعي قد خضعت لمثل هذا الحوار أيضا، فإن المعطيات الجديدة التي يمكن أن تكون قد أدت إلى تراجع حماس عن قرارها بمقاطعة انتخابات التشريعي يمكن تلخيصها في العوامل التالية:

1- قيادي داخلي: يتمثل في غياب قيادات ورموز أساسية من الذين كانوا يعتبرون معارضين للمشاركة في العملية السياسية مثل القائد الشهيد عبد العزيز الرنتيسي، ومثل القائد الشهيد صلاح شحادة، وإقامة جسم كبير من الكوادر المعارضة للانخراط في العملية السياسية خارج فلسطين.

2- فراغ جغرافي-سياسي: يتمثل في شبه الانسحاب الصهيوني من غزة الذي طرح فورا على بساط البحث مسألة من سيتولى إدارة القطاع وحكمه، ولو جزئيا. فكيف عندما تكون حماس القوة الرئيسية في القطاع؟!

3- فراغ سلطوي: يتعلق بغياب ياسر عرفات عن الساحة الفلسطينية وبروز انشقاقات وتصدعات في جسم حزب السلطة مما ترك بدوره فراغا سلطويا، وحسن من فرص تحدي هيمنة حزب السلطة على القرار الفلسطيني.

4- إخواني إقليمي: يلاحظ من خلال توجه حركة الإخوان المسلمون في الإقليم عامةً إلى مسايرة العملية السياسية في ظل الاحتلال كما في العراق، أو في ظل الحصار السياسي، كما في توجه الإخوان المسلمين السوريين للتعاون مع معارضة القيادة السورية الداعية لإسقاط النظام، أو في ظل أنظمة مقيدة باتفاقيات مع العدو الصهيوني كما في الأردن ومصر.

"
لا يستطيع عاقل أن ينكر أن التغيرات في اللوحة السياسية الفلسطينية لم تحدث أو أنها لا تلقي بظلالها على الأرض، فهي معطيات جديدة لا شك أنها تزيد من حمى المعركة الانتخابية ومن تدافع الأطراف المختلفة للسيطرة على الحيز المتاح
"
ويمكن أن نضيف لهذا النمط جنوح حماس للتقيد عامةً بالهدنة خلال عام 2005 حتى والعدو الصهيوني يخرقها مرارا ودون أن يفرج عن الأسرى مثلا، ودون أن يلقي لها بالا كما ظهر من كل سلوكه.. وتأتي تلك العمليات السياسية، حسب تقارير أميركية عدة، في سياق توجه أميركي للتحالف مع ما تعتبره الإدارة الأميركية حركات إسلامية "معتدلة" في مواجهة الحركات الإسلامية "المتطرفة"!

5- رسمي عربي: يرتبط بإطباق الأنظمة العربية الحصار على الانتفاضة الفلسطينية من كل حدب وصوب، وعدم فتح جبهات موازية أو مساندة إلا نادرا كما حدث في جنوب لبنان، وعدم تحرك القوى الشعبية العربية لنصرة الانتفاضة كما يجب أن تنصرها، وهو ما ترك الأنظمة العربية حرةً لتطوير علاقاتها التطبيعية مع العدو الصهيوني وإعادة إحياء العلاقات الديبلوماسية وتعزيز العلاقات الاقتصادية معه، وسمح للأنظمة العربية أن تمارس ضغوطا نشطة على حماس للقبول بالهدنة وللانخراط في العملية السياسية في ظل الاحتلال، تحت وطأة التهديد بقطع قنوات الدعم المالي الشعبي عنها حسب بعض التقارير، والتهديد بشكل مباشر بتصعيد الحملة ضدها، كما في طرد قيادات حماس من الأردن مثلاً.

إذن، عندما تقول حماس إنها قررت المشاركة في الانتخابات التشريعية عام 2006، بعد مقاطعتها عام 96، لأن ثمة معطيات سياسية جديدة على الأرض، فإن حدود تلك المعطيات لا تبعد كثيرا عن تلك المذكورة أعلاه.

ولا يستطيع عاقل أن ينكر أن هذه التغيرات في اللوحة السياسية لم تحدث أو أنها لا تلقي بظلالها على الأرض، فهي معطيات جديدة لا شك أنها تزيد من حمى المعركة الانتخابية ومن تدافع الأطراف المختلفة للسيطرة على الحيز المتاح.

ولكن، وهنا يكمن السؤال الأهم، إذا كانت المعطيات الجديدة تبرر انخراط حماس في العملية السياسية من وجهة نظر مصلحتها الآنية كتنظيم، فهل ينسجم انخراطها في العملية السياسية مع مصلحتها على المدى الطويل، أو مع مصلحة الأمة؟

بعض الكتاب التسوويين قد يضيف للأسباب المذكورة أعلاه، حول انخراط حماس في العملية السياسية في ظل الاحتلال، أن محمود عباس وأجهزة السلطة قاوموا بشدة المطلب الأميركي الصهيوني بنزع سلاح المقاومة بالقوة، رافضين الوقوع في فخ الحرب الأهلية، وتصدوا للأميركان والأوروبيين عندما هددوا وأوعدوا بقطع المساعدات بسبب مشاركة حماس في انتخابات التشريعي، وأن هذا الموقف "الوطني" من قبل السلطة يجب أن يقابله شيء من التقدير من قبل حماس وقوى المقاومة، مثل التنسيق معها والاعتراف بمشروعيتها ومثل الانخراط في العملية السياسية!

في الواقع من الحماقة بمكان أن يحاول حزب السلطة الإقدام على نزع سلاح المقاومة قبل نزع مشروعيتها، وإضعاف شعبيتها، وزعزعة مصداقيتها السياسية.

ومن هنا يضغط الاتحاد الأوروبي وتضغط الإدارة الأميركية والكيان والصهيوني لكي تجبر حماس على الممالأة في قضية سلاح المقاومة وفي موقفها من حق دولة العدو في الوجود.

وفي وصلة من العزف المنفرد، على هامش الأوركسترا الدولية، يؤكد أبو مازن أن حماس إذا شاركت في العملية السياسية فإنما تفعل ذلك على قاعدة أوسلو، وأنها إذا شاركت تصبح حزبا سياسيا لا حاجة له بالسلاح.

"
ثمة تنازل مبدئي وجوهري في مشاركة حماس في انتخابات التشريعي، فحتى لو حققت مكاسب سياسية عظيمة من تلك المشاركة، فإنها ستكون طعما سياسيا ساما يحرقها شعبيا، ويضعفها أمام قواعدها، ويخلط ألوانها وأوراقها بألوان وأوراق السلطة
"
وحماس -شاءت أم أبت- تشارك في الانتخابات التشريعية على قاعدة أوسلو، فهذا المجلس التشريعي:

1- أحد المؤسسات التي أفرزها اتفاق أوسلو.

2- ولا يملك أية صلاحيات تفوق سلطات الاحتلال، حسب المادة 18، البند الرابع (أ) من الاتفاقية المرحلية الموقعة في 28/9/1995.

3- وترتبط المشاركة فيه مباشرة باستحقاق سياسي اسمه بالخط العريض خريطة الطريق أو أي أسوأ يخلفها. وكون العدو يعتبر اتفاقية أوسلو ميتة، فإن ذلك يعني أنه غير معني بالالتزام بها، ولا يعني ذلك أبدا أن الفلسطينيين في حل منها، ولنا في أسلوب تطبيق اتفاقية الهدنة لعام 2005 خير مثال.

باختصار ثمة تنازل مبدئي وجوهري في مشاركة حماس في انتخابات التشريعي، فحتى لو حققت مكاسب سياسية عظيمة من تلك المشاركة فإنها ستكون طعما سياسيا ساما، يحرقها شعبيا، ويضعفها أمام قواعدها، ويخلط ألوانها وأوراقها بألوان وأوراق السلطة.

وهو ما يعني نزع سلاحها السياسي، وهو أخطر أنواع نزع التسلح، تمهيدا لنزع سلاحها الفعلي، أي تمهيدا للمجزرة التي سيكون ارتكابها أسهل بكثير إن لم تعد المقاومة مقاومة، فارتبطت بالمفاوضة والمهادنة وإلى ما هنالك مما احترفه حزب السلطة.

ويزيد الوضع سوءا إذا حصلت حماس على أغلبية في التشريعي تؤهلها للمطالبة بحصة في الحكم أو بتشكيل وزارة، وهو ما يدخل حماس متاهة العلاقة المباشرة مع الطرف الأميركي الصهيوني.

ولذلك يدعو بعض الكتاب المناصرين لحماس إلى أن تكتفي بوجود أقلوي في التشريعي يمكنها من مراقبة أداء السلطة الداخلي والخارجي فحسب، خاصة ملفي الفساد والتفريط في التفاوض، سوى أن مثل هذا المنطق لا ينطلق من العوامل التي دفعت حماس لدخول الانتخابات أصلا، كما أشرنا أعلاه، كما أن وضع حدود لفساد وتفريط السلطة التفاوضي يتطلب في النهاية الانخراط في السلطة وفي التفاوض!!!

وفي أحسن الأحوال تقدم مشاركة حماس في انتخابات التشريعي مشروعية للعملية السياسية في ظل الاحتلال، وتعيد بالتالي إحياء عملية أوسلو إذا كان العدو الصهيوني قد قبرها بتعنته.
ــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة