مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني


أسباب الخلل والإخفاق
مهام موروثة
عراقيل ومعوقات

لا يجد المتابع للشأن الفلسطيني عناء يذكر في سياق تقييمه لأداء المجلس التشريعي الفلسطيني عقب عقد كامل من الزمن شكل عمره القسري الذي استطال على عوامل التداول والتغيير منذ انتخاباته الأولى التي أجريت مطلع عام 1996، وامتدت دورته البرلمانية إلى موعدها المفترض في الخامس والعشرين من الشهر الجاري بفعل عوامل واعتبارات متعددة، سياسية وداخلية.

فالأداء الباهت، والمهام المعطلة، والانزلاق وراء المصالح الشخصية، عناصر مهمة تألفت منها صورة عمل المجلس التشريعي خلال المرحلة الفائتة، في وقت كانت القضية الفلسطينية ومتطلبات إنجاح المشروع الوطني الفلسطيني أحوج ما تكون فيه إلى مؤسسة تشريعية قوية، تؤصل لقيم العمل السياسي، وتضبط البوصلة الوطنية في اتجاهاتها السليمة بين يدي تجربة فلسطينية مصيرية في ظلال اتفاقات أوسلو، لا يعني الخطأ فيها سوى مأساة جديدة تضاف إلى ركام المآسي الذي ابتلي بها الفلسطينيون.

أسباب الخلل والإخفاق

"
الرغبة في التغطية على التجربة الفتحاوية الحديثة في الحكم والإمساك بزمام السلطة، جعلا من المجلس التشريعي شاهد زور على سلسلة طويلة من الانتهاكات وقضايا الفساد وإهدار الموارد والمقدرات الوطنية
"
ليس سرا أن المهمتين الأساسيتين للمجلس التشريعي، وهما الرقابة والتشريع، قد غابتا عن واقع عمل المجلس تقريبا، أو تم إفراغهما من مضمونهما، مما أحال المجلس إلى ديكور جمالي يُزين النظام السياسي الفلسطيني دون أي إسهامات حقيقية.

ومع أن اتفاقات أوسلو منحت المجلس دورا داخليا يتصل بشؤون الداخل الفلسطيني فحسب، إلا أن كثيرا من القضايا السياسية كانت تُطرح على منضدة البحث والنقاش فيه، رغبة في إعلاء شأنه على حساب سلطات منظمة التحرير التي تم تهميشها وتقزيم دورها السياسي والوطني.

وليس خافيا أن مكمن الفشل والإخفاق يكمن في هيمنة اللون السياسي الواحد على تركيبة المجلس، وسيطرة حركة فتح على ناصية القرار فيه، وتراجع ولاءات أعضائه الذين يُفترض تمثيلهم لمصالح الجماهير لصالح ولاءات أخرى، تنظيمية وسياسية وشخصية، والتداخل شبه الكامل في شخوص أعضاء المجلس والحكومة معظم الوقت، وما جره ذلك من صمت وغض للطرف عن الأداء الحكومي للسلطة، وانعدام الرقابة الفاعلة على أجهزتها ومؤسساتها المختلفة.

علاوة على ذلك فإن الرغبة في التغطية على التجربة الفتحاوية الحديثة في الحكم والإمساك بزمام السلطة، وعدم إعطاء المعارضة الفلسطينية الفرصة لتوجيه سهام النقد والهجوم، شكل هاجسا مهما أرق المجلس التشريعي بغالبيته الفتحاوية، وحرمه استخدام صلاحياته وأدواته في المراقبة والمحاسبة والاستجواب والتحقيق، وجعل منه شاهد زور على سلسلة طويلة من الانتهاكات وقضايا الفساد وإهدار الموارد والمقدرات الوطنية.

مهام موروثة

"
المجلس الجديد مطالب بإعداد جرد سريع وفاحص لمدى حظ كافة القوانين والتشريعات التي صدرت سابقا من الاحترام والتطبيق، ومتابعة تنفيذها بشكل صارم ودون أي تباطؤ أو تأخير
"
تنتظر المجلس التشريعي الجديد مهمات كبرى وبالغة الخطورة والحساسية، وهي تلك التي أخفق المجلس المنصرم في إنجازها، أو تقديم معالجات جدية لها، ويمكن تحديدها فيما يلي:

أولا: تطبيق وإعادة صياغة بعض القوانين والتشريعات
إذ إن مرحلة الرئيس ياسر عرفات تميزت بإصدار القوانين والتشريعات، ومن ثم حفظها داخل أدرج المكاتب دون مصادقة أو تطبيق، في حين شهد العام الفائت عقب انتخاب الرئيس محمود عباس التصديق على هذه القوانين والتشريعات، وإحالتها إلى حيز التنفيذ، إلا أن ضعف الرئيس أبي مازن، وثقل مراكز القوى داخل السلطة، وانعدام متابعة المجلس التشريعي، حال دون تطبيق بعض هذه القوانين والتشريعات، وأدخلها طور الجمود وانعدام التنفيذ.

الملاحظة الأبرز في تعاطي المجلس حيال موضوع سن القوانين أن بعضها يفتقر إلى الوضوح المطلوب، ويحتمل التأويلات والتفسيرات، فضلا عن حالة من التخبط والعشوائية، وتضارب الأجندة والمصالح، التي غلبت على أداء المجلس في العام الأخير، فبعض القوانين قد تم إقرارها ليعاد بحثها مرة أخرى وإعادة صياغتها وتفصيلها وفقا لمقاسات حركة فتح ومصالحها، وخاصة في الشؤون الانتخابية، حتى أن القانون الأساسي لم يسلم من الأمزجة والرغبات، وطرح أكثر من مشروع لتعديله دون أي مبرر، كان آخر ذلك قبل أيام معدودات رغم انتهاء الصلاحية الواقعية لعمل المجلس واقتراب الانتخابات.

لذا فإن المجلس الجديد مطالب بإعداد جرد سريع وفاحص لمدى حظ كافة القوانين والتشريعات التي صدرت سابقا من الاحترام والتطبيق، ومتابعة تنفيذها بشكل صارم ودون أي تباطؤ أو تأخير، والعمل على توضيح بعضها ومده بآليات التنفيذ، وإعادة صياغة بعض القوانين التي تجاهلت الصالح العام، وانحازت إلى أجندة شخصية وفئوية بحتة.

ثانيا: إرساء خطط عمل دقيقة وفاعلة ومتدرجة لمواجهة الأزمات الداخلية
فقد كان واضحا مدى استهتار المجلس القديم بملامسة الأزمات الخطيرة التي تعصف بالمجتمع الفلسطيني، كقضايا الفوضى والانفلات الأمني، وغياب سيادة القانون والنظام، وتراجع ثقافة الحوار والتسامح أمام ثقافة العنف و"البلطجة" والسلاح الأعمى، وانتشار الفقر والبطالة، وتدهور الوضع الاقتصادي، وغيرها، مما يستوجب المبادرة إلى رسم خطط عمل واقعية، ذات بعد فاعل ومتدرج، للحد من سطوة وانتشار هذه الظواهر السلبية والأزمات الخانقة، والعمل على محاصرتها وتطويق أسبابها ومبرراتها.

وغني عن القول إن هذه الخطط مهما كانت ناجعة نظريا فإنها لن تؤتي أكلها بعيدا عن إشراك الكل الوطني الفلسطيني في تحمل مسؤولياته إزاء إنجاحها، وتضامن مختلف المؤسسات والقطاعات والشرائح المجتمعية خلف مضامينها، انطلاقا من أن التردي الحاصل في بنية وواقع المجتمع الفلسطيني قد بلغ شأوا كبيرا لا تملك جهة أو مؤسسة أو تيار إمكانية مباشرة علاجه بمعزل عن اتحاد وتكاتف الجهد الوطني قاطبة.

"
انعدام الرقابة على أجهزة ومؤسسات السلطة، وتركها تعمل دون حسيب أو رقيب، قد أدى إلى إحالتها إلى هياكل خاوية من أي دور وطني أو فعل حقيقي، أو ترهلها وضعف أدائها على أقل تقدير
"
ثالثا: الرقابة الصارمة على الأجهزة والمؤسسات الحكومية
فلا ريب أن انعدام الرقابة على أجهزة ومؤسسات السلطة، وتركها تعمل دون حسيب أو رقيب، قد أدى إلى إحالتها إلى هياكل خاوية من أي دور وطني أو فعل حقيقي، أو ترهلها وضعف أدائها على أقل تقدير، فضلا عن غرقها في مستنقع لا حصر له من التجاوزات القانونية، والفساد المالي والإداري، وإهدار المال العام، وسوء استغلال المناصب وتوظيفها في إطار المصالح الشخصية والفئوية الضيقة، مما أدى إلى انهيار في أداء السلطة بشكل عام، وضعف الإنتاجية المؤسساتية الرسمية، وتكريس شرخ غير هين في ثقة وولاء ونفوس المواطنين الفلسطينيين، وتشوه صورة السلطة ومؤسساتها بشكل كامل في أذهانهم وأفهامهم.

ومع أهمية هذه الخطوة وأولوية القيام بها، فإن التركة الموروثة عن المرحلة السابقة، الطافحة بالأوبئة والأزمات، يتوقع أن تشكل مُشكلا مهما قد يعيق جهود وآليات الرقابة والإصلاح، ويؤخرها إلى حين.

فليس من السهل تصور استسلام أرباب الفساد، وأصحاب التجاوزات، الذين يشكلون مراكز قوى مهمة في السلطة وأجهزتها، لإجراءات الرقابة والمتابعة دون أي مقاومة، كما ليس من السهل إعادة صياغة واقع هذه المؤسسات من خلال إنفاذ معايير الرقابة الصارمة الشفافة دون عقبات أو مشقات، وهو ما يعني أن جهودا استثنائية ينبغي أن تبذل في هذا المضمار، وأن سياسة النفس الطويل والخطو المتدرج هي السبيل الأمثل لبلوغ الهدف المنشود.

وللإنصاف فقد طرحت على أجندة المجلس القديم العديد من الملفات الوطنية الحساسة، وخصوصا ذات الصلة بالفساد والتعديات على الحق والمال العام، وأشهرها قضية الإسمنت المصري الذي استخدم في بناء جدار الفصل العنصري، وتورط في توفيره بعض الوزراء والمسؤولين الفلسطينيين، إلا أن القضية ما لبثت أن طويت، وأغلق البحث فيها نهائيا، ناهيك عن الكثير من الملفات والقضايا الأخرى.

"
المتوقع أن يجابه المجلس الجديد صدودا بالغا في مساعيه الرامية لإصلاح وضبط عمل الأجهزة الأمنية، فقادة هذه الأجهزة الذين يشكلون مراكز قوى بالغة التأثير، سوف يناوئون أي جهد يصب في اتجاه تخفيف هيمنتهم على الواقع الفلسطيني الداخلي
"
رابعا: ضبط عمل وصلاحيات الأجهزة الأمنية
قد تكون تلك المهمة من أعقد وأخطر المهام التي ستنتصب في وجه المجلس الجديد، والتي لم يستطع المجلس القديم أن يقترب منها.

وتنبع مخاطر هذه الإشكالية من عقم السياسة الأمنية وأدواتها الكثيرة على الساحة الفلسطينية، والتي أخذت في عهد الرئيس الراحل عرفات أشكالا فوضوية، وتحكمت فيها تجاذبات الولاء والخصام، دون أي ضبط للمهام والمسؤوليات، أو تحديد للسلطات والصلاحيات، إلى أن اصطدم الجميع بحقيقة تحول الأجهزة الأمنية الأحد عشر إلى ممالك أو كيانات مستقلة داخل الكيان الفلسطيني العام، يغني كل منها على ليلاه، وتعيث عناصرها في واقع الناس في سياق مظاهر الانفلات الأمني بكل أريحية، دون أي انشداد إلى مواقف وقرارات السلطة المركزية، ليتحول المجتمع الفلسطيني إلى شكل من أشكال العسكرة، ويصبح تدخل الأجهزة الأمنية في الشؤون المدنية والحياتية، وبكل الوسائل، أمرا مألوفا دون رادع أو حسيب.

لذا فمن المتوقع أن يجابه المجلس الجديد صدودا بالغا في مساعيه الرامية لإصلاح وضبط عمل الأجهزة الأمنية، فقادة هذه الأجهزة الذين يشكلون مراكز قوى بالغة التأثير، سوف يناوئون أي جهد يصب في اتجاه تخفيف هيمنتهم على الواقع الفلسطيني الداخلي، ويضعون الكوابح والمعوقات في وجه المحاولات التي تستهدف إلزامهم بمبادئ العدل والقانون، وفتح صفحة أجهزتهم أمام الجميع وفقا لأصول الشفافية والنزاهة المهنية والوطنية، والابتعاد عن التدخل في الشؤون المدنية.

عراقيل ومعوقات
يمكن تلخيص العراقيل التي يتوقع أن تحد من مهام وطموحات المجلس الجديد في النقاط التالية:

أولا: هيكل السلطة الحالي
فالواضح أن الهيكل الإداري والتنظيمي للسلطة ومؤسساتها قد بلغ حالة من الترهل والتعقيد البيروقراطي وتداخل الصلاحيات، أضحى معها إصلاح شأنها وإعادة ترتيب ملفاتها ومهماتها أمرا بالغ الصعوبة على المدى القريب.

ولا ريب في أن المجلس الجديد سيضطر إلى بذل جهود جبارة، على ضوء خطط مرحلية متدرجة التنفيذ، لإصلاح الواقع المؤسساتي المتدهور للسلطة، وإعادة هيكلة بنيتها ومهامها الوظيفية.

ثانيا: مراكز القوى، واصطدام برنامجي حماس وفتح
فلا شك أن إرادة الإصلاح والتغيير التي يحملها المجلس الجديد سوف تجد لها كثيرا من المناوئين لمقتضياتها، وخصوصا أصحاب مراكز القوى في السلطة المستفيدين من بقاء الأمور على حالها، الذين لن يتوانوا عن الاستماتة في مواجهة ملامح الإصلاح المقبلة للكيان الفلسطيني الرسمي.

بموازاة ذلك فإن السياسة الأمنية الغارقة في الفوضى وأدواتها المنتشرة ستصبح محور تجاذب واصطدام بين برنامجي حركتي: حماس وفتح، فحركة فتح التي أسست السلطة، وتولت قيادة أجهزتها، لن تسمح بمحاسبة كوادرها وقياداتها الذين يتبوؤون المناصب الأمنية، أو تعريضهم ليد الجزاء والعقاب، كما يدفع إلى ذلك برنامج حماس.

وليس واضحا كيف ستؤول الأمور، وإلام ينتهي الاستقطاب المتوقع بين البرنامجين.

"
الدورة البرلمانية المقبلة سوف تشهد ميلا للتصادم بين برنامجي حركتي: حماس وفتح أكثر من انشدادهما إلى التعاون والوفاق، ولن نبالغ حين نصف المجلس التشريعي المقبل بأنه البرلمان الأغزر مهام والأكثر صعوبة وتعقيدا في العالم
"
ثالثا: عدم الحسم وفقدان الأغلبية
وهذا ما تشير إليه جميع استطلاعات الرأي العام، فإن أيا من الحركتين الكبيرتين: فتح وحماس لن تكون قادرة على بلوغ الأغلبية التي تمكّنها من فرض برنامجها ورؤاها وتصوراتها، مما يجعل من استنساخ المرحلة السابقة أمرا متعذرا، ويكسر حالة الاستفراد التي ميزت الواقع الفلسطيني حتى اليوم.

ورغما عن الإيجابية الكامنة في الافتقار إلى الأغلبية لجهة زوال الهيمنة وتهميش الآخرين، فإن واقع المجلس الجديد قد ينعكس سلبا على الخطط وبرامج العمل المطروحة لدى الحركتين الكبيرتين، ويحرمهما امتلاك القدرة على الحسم والتنفيذ، ويرتهن الأمر لمجموعة القوى الصغيرة والمستقلين، ومطالبها التي لا تنتهي.

رابعا: غياب عناصر الاكتفاء الذاتي
فالاعتماد على الدعم والمساعدات الخارجية، وغياب عناصر الاكتفاء الذاتي، ماديا واقتصاديا، التي تضمن استقلالية القرار الوطني، وحمايته من التأثيرات الخارجية، سوف يخلق مشاكل لا حصر لها أمام النواب الجدد، ويجعل من معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية الخانقة أمرا صعبا دون عناصر الدعم الخارجي الذي تتراقص أمامه العديد من الرغبات والاستحقاقات التي ترفضها حركة حماس، مما قد يعيق تطبيق البرامج الإصلاحية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.

باختصار، فإن الدورة البرلمانية المقبلة سوف تشهد ميلا للتصادم بين برنامجي حركتي: حماس وفتح، أكثر من انشدادهما إلى التعاون والوفاق، ولن نبالغ حين نصف المجلس التشريعي المقبل بأنه البرلمان الأغزر مهام، والأكثر صعوبة وتعقيدا في العالم.

المصدر : الجزيرة