كمال حبيب

يعد فوز الإخوان المسلمين الكبير في الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة ميلادا لحالة جديدة للحركة الإسلامية المصرية كلها، هذه الحالة الجديدة هي ما أطلقنا عليه في هذا المقال الوجه الجديد للحركة الإسلامية المصرية.

فلأول مرة في تاريخ هذه الحركة يتم التصويت عليها من القواعد الجماهيرية والشعبية بهذا الحجم وتلك الكثافة من المواطنين مباشرة في انتخابات هي الأولي في تاريخ الجمهوريات المصرية التي نالت هذا القدر من التنافس بين ممثلي الحركة الإسلامية من الإخوان المسلمين وبين ممثلي الدولة والنظام السياسي، وهي الانتخابات الأولى أيضا التي بدا المواطن المصري فيها مصرا على أن يدلي بصوته كفاعل للحركة الإسلامية ولشعارها الذي أثار جدلا قويا في أوساط النخب، وهو "شعار الإسلام هو الحل".

أي أننا أمام لحظة ميلاد واعتراف جديد بشرعية الحركة الإسلامية كتيار شعبي ووطني من الجماهير أو من الأمة بتعبير الدساتير، ومن ثم فلم يعد مقبولا الحديث عن حظر "الإخوان" أو اعتبارهم جماعة غير شرعية في ظل اكتساح ممثليهم في دوائرهم مرشحي الحزب الوطني الحاكم بكل قوته التي يستمدها من جبروت الدولة المصرية.

"
لم يعد مقبولا الحديث عن حظر "الإخوان" أو اعتبارهم جماعة غير شرعية في ظل اكتساح ممثليهم في دوائرهم مرشحي الحزب الوطني الحاكم بكل قوته التي يستمدها من جبروت الدولة المصرية
"
ومن منظور رمزي فإن لحظة الميلاد هذه جاءت عبر نضال وطني حول من يمثل الأمة في البرلمان المصري وهو ما يقودنا على الفور إلى الوجه الجديد للحركة الإسلامية المصرية كتعبير عن حركة اجتماعية ذات طابع نضالي يعبر عن أشواق الجماهير المصرية إلى الحرية من ناحية وإلى بحثهم عن بديل وطني للنظام السياسي القائم والذي يقبض على روحهم وآمالهم ويسجنها في زنزانة مغلقة تجهض آمالهم في غد أفضل وتمنع هبوب رياح جديدة تحرك المياه التي أسنت وتعفنت ولم تعد قادرة على الحركة أو منح معنى الحياة، فأول ملامح الوجه الجديد للحركة الإسلامية أنها حركة شعبية تعبر عن اختيار الجماهير لها وهذا مصدر شرعيتها.

إذن نحن أمام حركة اجتماعية مناضلة وككل حركة اجتماعية فإنها تنافس من أجل طرح مبادئها على الجمهور ومن أجل اختراق احتكار قوة سياسية واحدة للسلطة ولموارد المجتمع، ومن ثم فهي بالضرورة حركة سياسية وهذه هي ملامح الوجه الثاني الجديد للحركة الإسلامية المصرية، فهي تجادل وتنافس كقوة سياسية تريد المشاركة في الموارد السياسية العامة التي احتكرتها النظم السياسية العلمانية لنفسها بل واحتكرت لنفسها الفضاء السياسي كمجال بعيد عن فعل الحركات الإسلامية باعتبارها حركات دعوية تهتم بشؤون الدعوة والوعظ بعيدا عن المنافسة السياسية واختراق الفضاء العام والمنافسة عليه وامتلاك وسائله وأدواته التي كانت حكرا على السياسيين العلمانيين وحدهم من كافة الفصائل والتيارات السياسية.

ومن ثم فهي حركة تنتقل من الهامش إلى القلب ومن الدعوة إلى السياسة ومن المجتمع إلى الدولة عبر الملمح الثاني لوجهها الجديد كحركة سياسية.

وكأي حركة اجتماعية لها مشروع لمجتمعها، فإن مشروعها يستند لمرجعية، إذ إنه لا توجد حركة اجتماعية في العالم كله بلا مرجعية لمشروعها، والمرجعية هنا هي الإسلام في مواجهة المرجعيات العلمانية التي أخفقت في إنجاز المشروع الوطني لأمتها، ومن ثم فخيار الإسلام كمرجعية للمجتمعات العربية والإسلامية للنهضة يبدو الخيار المرشح للصعود وعقد الآمال عليه بعد أفول العلمانية كأيديولوجية خادعة انتهت بوجه استبدادي من ناحية وبوجه أخفق في إنجاز مشروعه الحداثي من ناحية أخرى.

ومن هنا فالملمح الثالث الجديد أيضا لوجه الحركة الإسلامية هو النضال من أجل صلاحية مرجعية الدين الإسلامي كمرجعية قادرة على إدارة الشأن العام وإنجاز مشروع التحديث من منظور إسلامي، فليس الدين أو أهله معادون للحداثة بل هم أحد أهم مظاهر التعبير عنها في العالم الإسلامي، ومن ثم فالدين قادر على أن يكون مرجعية لإنجاز مشروع معاصر وحديث، فأداء الحركة الإسلامية اليوم ومنطقها وخطابها يختلف بلا ريب عن الأشكال التقليدية للفعل الإسلامي وينتمي بجدارة لعالمنا المعاصر في أحدث تجلياته ومظاهره التقنية والمدنية.

وهنا فإن الحركة تنتقل من طور الدعوة والتنظيم والتكوين الذي يعبر عن جماعة المؤمنين بها إلى طور الانتقال إلى الشأن العام وعالم السياسة بكل اتساعها ودهاليزها وجدالها ومكرها وتلاوينها وصراعاتها، أي أن اقتحام الحركة الإسلامية لعالم السياسة هو تعبير عن الانتقال إلى مرحلة جديدة صعبة من إدارة الحركة عالم المؤمنين بأفكارها والمنخرطين في خططها وعقيدتها ونظامها إلى عالم الوطن والشعوب والجماهير بكل أحلامها وتناقضاتها وتلاوينها بل ونزقها أيضا.

"
لا بد من تطوير خطاب الحركة الإسلامية لتعبر عن مفهوم السياسة الحديثة، والتي هي إدارة للشأن العام بكل أطيافه بما في ذلك أولئك المخالفين للحركة والخائفين منها والمخوفين والمرجفين والمتسائلين والمتشككين
"
ومن ثم فلابد من تطوير خطاب الحركة الإسلامية لتعبر عن مفهوم السياسة الحديثة، والتي هي إدارة للشأن العام بكل أطيافه بما في ذلك أولئك المخالفين للحركة الإسلامية والخائفين منها والمخوفين والمرجفين والمتسائلين والمتشككين.

فالملمح الخامس للوجه الجديد للحركة الإسلامية المصرية هو تعبيرها عن كافة القضايا التي تهم المواطن والوطن من منظور سياسي يتجاوز الرؤى والنشاط الدعوي والفقهي التقليدي الخاص بالحركة من مثل قضايا المواطنة والإصلاح السياسي والفساد والتوريث والاستبداد والتطبيع والمرأة والشباب والأقليات.

والطور الانتقالي الذي تمر به الحركة الإسلامية ممثلة في الإخوان المسلمون اليوم هو الأخطر والأكثر حساسية لأن الحركة ستجد نفسها أمام اختبار مجتمعها لها وأمام سؤاله عن أدائها وأمام تقييم المواطنين كافة لها في فضاء صراعي مفتوح وغير محكوم أو تحت السيطرة ومن ثم كيف يمكن التأسيس لخطاب إسلامي مدني يعبر عن المجتمع كله ويكون قادرا على الرد على التساؤلات الحياتية واليومية للمواطنين جميعا موالين وخصوما.

فالخطاب الجديد للحركة لا يهتم بطرح عموميات وقضايا فكرية عامة وفضفاضة ولكنه سيجد نفسه أمام تحديات الحياة اليومية للمواطنين وأمام تحديات أسئلة اليوم والساعة فيما يطلق عليه في علوم الحركات الاجتماعية الجديدة (Everydaylife)، وهذا هو الملمح الذي يمكن أن نقول إنه لا يزال في طور التشكل وهو قدرة الحركة الإسلامية على بناء تقاليد للممارسة السياسية تستجيب لما يطلق عليه تحديات المعاش اليومي للناس الذين منحوها ثقتهم.

ورغم أهمية البرنامج النظري فإن إرساء التقاليد والخبرة السياسية للحركة الإسلامية هو الذي سيخطو بها إلى الأمام نحو فعل سياسي أكثر تماسكا وحكمة يقترب بها من روح الجماهير ومزاجهم وخلق حالة من التوافق العام الشعبي على أن الإسلاميين لا بد من منحهم فرصة المشاركة السياسية في السلطة والحكم عبر التصويت لهم على نطاق واسع في الانتخابات البرلمانية القادمة ومن ثم الانتقال إلى وضع المشاركة في السلطة وممارساتها بما في ذلك اتخاذ القرارات السياسية ذاتها عبر ما يطلق عليه "الانسياب اللطيف في الحياة السياسية".

بيد أننا نعتقد أن الاتجاهات الإسلامية المصرية الأخرى التي لا تنتمي للإخوان هي بدورها في طور التحول وإعادة التشكيل من منظور جديد محوره ضرورة المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية عبر رؤى جديدة معاصرة تضع الواقع ومشاكله وتحدياته في بؤرة اهتمامها واجتهادها الذي نصفه بأنه "اجتهاد سياسي"، وهو هنا كما نظن مختلف عن "الاجتهاد الفقهي", فبينما الاجتهاد السياسي ينطلق في الأساس من الواقع مستضيئا بالنص فإن الاجتهاد الفقهي ينطلق من النص مستضيئا بالواقع.

"
نحن أمام طور جديد للحركة الإسلامية المصرية تنتقل فيه من مناقشة قضايا الاعتقاد والفقه وعلاقتها بالمجتمع والناس, إلى مناقشة قضايا المجتمع والناس والوطن و الدولة في علاقتها بالعقيدة والفقه, وهو ما يقود إلى الوسطية والاعتدال
"
ومن ثم فنحن أمام طور جديد للحركة الإسلامية المصرية تنتقل فيه من مناقشة قضايا الاعتقاد والفقه وعلاقتها بالمجتمع والناس في صورة حادة تعزل الحركة عن مجتمعها إلى مناقشة قضايا المجتمع والناس والوطن والدولة في علاقتها بالعقيدة والفقه في سياق واسع للتأويل والاجتهاد وهو ما يقود إلى الوسطية التي ترسخ لتمتين علاقة الحركة الإسلامية بمجتمعها وتماهيها معه لبناء الأساس المتين الذي يقف مساندا للقوى الإسلامية في صراعها الذي قد يكون عنيفا وقاسيا مع الدولة بكل تراثها ومزاجها الانقلابي العنيف.

ولو حاولنا النظر من منظور أوسع هو علاقة الدولة بمجتمعها فإننا نلاحظ أن الحركة الإسلامية المصرية كطليعة لمجتمعها تحاول استعادة المجتمع والبشر والناس لعلاقة متوازنة مع الدولة عبر مشاركتها في الموارد السياسية بحيث لا تظل الدولة أداة للسيطرة والتحكم في المجتمع عبر علاقة رأسية تأتي دائما من المركز الذي تمثله نخبة أوليجاركية ذات طابع حديدي تفرض على المجتمع والأمة الجمود والغموض، عن طريق طرح نخبة جديدة قادمة من أسفل إلى أعلى فيما يمكن وصفه بتداول النخب السياسية وهو ما يمنح الحياة السياسية حيوية ومعنى وتجديدا، كما يفتح آفاقا سلمية للتغيير والإصلاح عبر منح الأمل للناس في إمكان تغيير واقعهم وحياتهم، وأهم مقدمات النهوض المصري فيما نعتقد هو اعتدال ميزان العلاقة بين الدولة والمجتمع بحيث تصبح الدولة تعبيرا عن مجتمعها وليست أداة لقمعه وقهره.

وهنا تبدو لنا صورة استعادة المجتمع لموقعه عبر صيغة مدنية تنافسية سلمية هي صناديق الانتخاب، وهي صيغة مختلفة عن تلك التي فرضتها الدولة الحديثة على مجتمعها والتي استندت فيها إلى محض القوة الغاشمة لفرض وجودها وسطوتها وبقائها واستمرارها, وهذا في تقديرنا هو أحد الملامح التي لا تزال تتشكل للوجه الجديد للحركة الإسلامية وهو الملمح المجتمعي أو الأهلي أو المدني للحركة الإسلامية.

و

"
الحركة الإسلامية بحاجة إلى نضال ومجادلة ونضج لكي تقدم نفسها لأمتها ومجتمعها كقوة مناضلة ملتزمة بقواعد الاحتكام إلى الناس واحترام خياراتهم كأساس وحيد لتداول السلطة
"
ربما يكون ذلك سبيلا نحو التحول لبناء تقاليد سياسية ذات طابع مدني، فالنخب الإسلامية التي تحاول الصعود إلى القلب من الهامش هي نخب مدنية جاءت في الغالب من مؤسسات وممارسات ذات طابع مدني لا يرى القوة وسيلة للتغيير أو حسم الصراعات السياسية والمجتمعية، بينما لا تزال نخب الدولة الحاكمة والقابضة على السلطة ترى لنفسها شرعية ثورية تستند إلى فكرة القوة لحماية وضعها وبقائها في السلطة، وهنا فالذي تسعى الحركة الإسلامية بملامح وجهها الجديد إليه كقوة مجتمعية وسياسية هو بناء تقاليد مدنية لإدارة الصراعات الكبرى ووضع أسس للتوجهات المستقبلية تستبعد الصراع والعنف وتستلهم أسسا للتنافس السياسي السلمي.

ولو حاولنا إيجاد مختصر لتاريخ الدولة والمجتمع الحديث والمعاصر في مصر والعالم العربي والإسلامي لوجدناه في الحقيقة العلاقة بين الدولة القطرية وبين الحركة الإسلامية، وأخطر ما أرسته الدولة القطرية العلمانية هو الاستناد للقوة كمصدر لشرعيتها، ومن ثم أعطت للحركة الإسلامية هي الأخرى مبررا للاستناد إلى نفس المصدر، فكلاهما استخدم القوة بطريقة مختلفة في مواجهة الآخر. واليوم أحد ملامح الوجه الذي نستشرفه للحركة الإسلامية هو استعادة التقاليد المؤسسية المستندة إلى منطق الاحتكام للقانون لحسم الصراعات الداخلية بين أبناء الوطن والأمة الواحدة.

وهذا ليس أمرا سهلا بل هو بحاجة إلى نضال ومجادلة ونضج تقدم فيه الحركة الإسلامية نفسها لأمتها ومجتمعها كقوة مناضلة ملتزمة بقواعد الاحتكام إلى الناس واحترام خياراتهم كأساس وحيد لتداول السلطة بعيدا عن الانقلاب عليها باللجوء إلى القوة فيما يروجه أعداؤها "بالديمقراطية لمرة واحدة".
ـــــــــ
كاتب مصري 

المصدر : الجزيرة