راشد الغنوشي

راشد الغنوشي

زعيم حركة النهضة التونسية

كلما تعرضت تجربة إسلامية للفشل سواء أكان بسبب منها أم من خارجها مثلما حصل للتجربة الإسلامية في الجزائر أو أفغانستان أو السودان، نادى أكثر من مفكر عربي أو غربي معلنين سقوط المشروع الإسلامي على غرار سقوط الشيوعية، فإلى أي مدى يصح ذلك؟

من جهة العقيدة يؤمن المسلمون بأن رسالة النبي عليه السلام تعبر عن كلمة الله سبحانه الأخيرة إلى البشرية، وأن الله سبحانه تعهد بحفظ هذا الدين تعهده بحفظ نظام الكون الذي يستمر ما استمر هذا الدين ويزدهر ما ازدهر.

"
الثابت بالوقائع المشهودة أن الإسلام في أزمنة التغلب الغربي هذه لم يحقق بقاءه وحسب، بل هو يتقدم بثبات وسرعة تحت القصف، على مستوى الكم وعلى مستوى الكيف
"
فإذا انصرف الناس عنه كان ذلك من أهم أمارات الساعة وانخرام نظام الكون، لأن الله سبحانه إنما خلق الكون ليكون تجليا لأسمائه الحسنى لقدرته وجلاله وجماله لعدله ورحمته ومراداته كما جاءت بها شرائعه وعهد بها إلى خلفائه قياما بها وحراسة لها، فإذا أعرض الناس عنها ظهريا واستسلم الحراس وانتهت المقاومة(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وساد الشر دون منازع، فقد انتفت الحكمة من خلق هذا النظام الكوني العجيب واستمراره، فآذنت شمسه بالمغيب.

وإذن نحن مطمئنون على مستقبل الإسلام ما دام هناك ليل ونهار وشمس وقمر وتزاوج وإنجاب: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" (9-الحجر)، "وإن جندنا لهم الغالبون" (173-الصافات).

ذلك في مجال الاعتقاد، في عالم الغيب. أما في مجال عالم الشهادة عالم الأسباب فإن في طريق الإسلام المعاصر ودعاته أشواكا ووحوشا ومكايد وحملات استئصال تشيب لهولها الولدان، تضربه عن قوس واحدة تشدها وترمي بها دول ملأت أساطيلها البحار والأجواء والبراري وخرت أمامها صريعة إمبراطوريات عظمى كالفاشية والنازية واليابانية والشيوعية.

وكذلك فإن أمة الإسلام تعيش حالة يُتم وتمزق بسبب انهيار آخر دولة تحدثت باسمها، فتفرق بعدها الشمل، بل أنكى من ذلك أن تم اختراق دوله ومجتمعاته من قبل أعدائه، فاجتمع عليه كيد الخارج مع كيد طائفة من أبنائه نخبا وحكاما، تولى العديد منها الحرب على الإسلام وحضارته وأمته بأثر ما تعرض له من غزو ثقافي وتخريب عقدي، تزلفا للأجنبي المتغلب.

فطفق يخطط لتجفيف ينابيعه واستهداف دعاته بالاستئصال فامتلأت بهم السجون والمنافي، وفرض عليهم الحصار وتكميم الأفواه والتمييز الصريح ضدهم حتى نطق أكثر من دستور لـ"دولة إسلامية" بحظر قيام حزب على أساس الإسلام، وبمفهوم المخالفة أن كل فكرة أخرى يمكن أن ينهض على أساسها حزب لخدمتها إلا هذا اليتيم، بينما هو المالك الأصلي للدار فيحرم حتى من غرفة فيها ومن الحركة داخلها.

ومع كل ذلك الكيد والاستهداف -وربما على نحو ما بسببه- فالثابت بالوقائع المشهودة أن الإسلام في أزمنة التغلب الغربي هذه لم يحقق بقاءه وحسب، بل هو يتقدم بثبات وسرعة تحت القصف، على مستوى الكم وعلى مستوى الكيف.

جغرافية الإسلام اتسعت وتتسع أكثر من أي فترة تاريخية سابقة، فهو من جهة استردّ بلادا واسعة تمتد ملايين الأميال في آسيا الوسطى يعيش عليها عشرات الملايين كان الإلحاد قد اقتطعها واقتطعهم من دار الإسلام.

هم اليوم قد عادوا وهم منشغلون بنفض الغبار عن مساجدهم واسترجاع أوقافهم ومدارسهم وربط أسبابهم بدار الإسلام، رغم الكيد الغربي الذي مد يد العون سخية للحرس الشيوعي القديم حتى ولو أرسى جمهوريات ملكية يورثها الأب لأبنائه.

يتم ذلك بينما هذا الغرب نفسه لا يفتأ خارج المنطقة الإسلامية من الجمهوريات الشيوعية السابقة، يمارس كل أسباب الضغط والدفع للإطاحة ببقايا الشيوعية في تلك الجمهوريات من بولونيا إلى أوكرانيا.

وعلى الصعيد الجغرافي أيضا فإن للإسلام المعاصر عوالمه الجديدة الممتدة في كل أرجاء المعمورة من الأميركيتين إلى أوروبا وعبر كل القارات، وهو بصدد التفاعل مع عوالمه الجديدة أخذا وعطاء باذلا إسهامه في تنميتها وازدهارها وخيرها، لا يعكر صفوه ويعرقل سيره غير فكر التطرف وأعمال الإرهاب الصادرة عن بعض أهل تلك البلاد المتعصبين أو ردود فعل غاضبة غير متبصرة من قبل أبناء الإسلام الجاهلين.

ولكن الإسلام ماض في تأصيل جذوره في عوالمه الجديدة وتطوير ثقافة إسلامية تتناغم مع خصوصيات تلك البلاد كما طور من قبل ثقافات إسلامية عربية وفارسية وهندية ومالاوية..

"
تمت في الإسلام عملية مهمة تمثلت في استيعابه الحداثة الغربية على شروطه لا شروطها، فاستخدمها لضخ دماء جديدة في عقول أهله وحياتهم دون بذل المقابل من الإقدام على إجراء جراحات في بنية الإسلام حتى يتلاءم مع الحداثة العلمانية
"
أما على صعيد الكيف فقد أمكن للمسلمين أن يكسبوا في إيمانهم خيرا بعد قرنين من الإصلاح عودا إلى الجذور متجاوزين سجون الانحطاط، محررين إلى حد معقول متزايد دينهم من أسرها، مميزين بينها وبين أصول الدين، بما حوّلها إلى مجرد تراث وحقل تجارب يستفاد منه، دون أن يرتقي إلى منزلة السلطة المرجعية التي تحل محل النصوص الأصلية، كما كان عليه الأمر لعصور مديدة والعياذ بالله.

وهذه العملية بدأت منذ قرنين على الأقل وهي مستمرة وفي سياقها، تحرر العقل المسلم من كثير من الأوهام، فعاد يمارس الاجتهاد فيتحرر من كثير من الأوهام، ويستأنف الحوار والتفاعل بين الوحي والواقع، بحثا عن حلول جديدة مستفيدا من تراثنا ومقتبسا من كسب الحضارة المعاصرة فيما يتساوق مع مقاصد الإسلام.

وهكذا تمت في الإسلام عملية مهمة جدا لم تتم في دين آخر أعني تم له استيعاب الحداثة الغربية المعاصرة على شروطه وليس على شروطها، فاستخدمها لضخّ دماء جديدة في عقول وحياة أهله دون بذل المقابل الذي طلبه الغربيون والمتغربون -ولا يزالون- من الإقدام على إجراء جراحات في بنية الإسلام حتى يتلاءم والحداثة العلمانية، وهو ما تحمس له حكام ونخب أمثال بورقيبة وشاه إيران، إلى عدد من المفكرين وبعضهم خريجو المعاهد الدينية مثل طه حسين وعلي عبد الرازق وخالد محمد خالد قبل أن تدركهم التوبة.

ومن ثمار هذه العملية التاريخية المهمة جدا التي أنجزها الإصلاح الإسلامي، أعني احتواء الإسلام للحداثة بشروطه ولمصلحته، هذه الصحوة الإسلامية المباركة التي تعمر الأمة من أقصاها إلى أقصاها وبالخصوص قطاعات التعليم حيث يهيمن القطاع الطلابي الإسلامي على كل الكليات في بلاد الإسلام وحيث وجد مسلمون يتمتعون بنفس من الحرية، وانعكس ذلك في النقابات المهنية: المهندسين والأطباء والمحامين والصيادلة وأساتذة الجامعات والصحفيين وحتى الجمعيات النسائية.

ومن آثار هذه العملية التاريخية المهمة التنامي المتواصل في معالم الحياة الإسلامية، فكانت كلمة التوحيد التي تم تحرير قدر مما تتوفر عليه من طاقات خلاقة، مثل خلية أولى تحمل مشروعا متكاملا لبنية عضوية متقدمة جدا لا تني تفصح عنها بالتدريج.

وكان من ثمار ذلك أيضا ثورة التحرير التي عمّت عالم الإسلام جهادا تصدى للجيوش الغازية حتى لاذت بالفرار، ولا يزال يطارد ما تبقى منها، ولن تلبث حتى تولي الأدبار تجرر أذيال الخزي في أثر أسلافها.

ومن ثماره تلك العملية التاريخية المهمة تحريك آلة الاجتهاد المعطلة منذ عصور، اجتهاد أصّل لمكانة العلم في دين الإسلام وللتربية الحديثة وللنشاط الاقتصادي باعتباره جزءا من عبادة المسلم، كما أصل للفنون الجميلة ولحقوق الإنسان وللحرية والديمقراطية ولدور المرأة شقيقة للرجل.

وبذلك توالى بروز معالم الحياة الإسلامية في هذا العصر في مجالات كثيرة، منها المجال الاقتصادي حيث فرض مفهوم الاقتصاد الإسلامي شخصيته المتميزة مقابل الاقتصاد التقليدي الرأسمالي، فامتدت سلسلة واسعة من البنوك والشركات الإسلامية التي تلتزم بضوابط الشريعة، وبلغ نجاحها حد أن غدت كبريات البنوك الغربية مثل سيتي بنك وباركليز تفتح لها فروعا تتعامل بالشريعة الإسلامية وكان أحدثها البنك الإسلامي البريطاني.

وانعقدت لهذا الاقتصاد المؤتمرات العلمية والندوات الدراسية، بل قد فتحت جامعات غربية مثل جامعة لافرا في إنجلترا كلية لدراسة الاقتصاد الإسلامي، باعتباره ركنا في نظام الحياة الإسلامية والدولة في الإسلام التي لا تزال الدراسات والتجارب من أجل بلورتها تترى على الصعيد النظري والتطبيقي، ومن ذلك دراسات وتجارب في مجال السياسات الإسلامية في شكل برامج لأحزاب إسلامية أو نقابات أو جمعيات خيرية أو مدارس إسلامية أو بحوث وفقه مقارن بين النظريات الإسلامية في الشورى مثلا والديمقراطية وفي مجال حقوق الإنسان..

ومن ذلك ظهور معالم أخرى للحياة الإسلامية في مجال الأدب والفنون مثل الرابطة العالمية للأدب الإسلامي، ومثل تطوير الزي الإسلامي للمرأة الذي هو صورة معاصرة تجسم قيم الإسلام في الحشمة المتفاعلة مع ما اقتضته الحياة المعاصرة من مشاركة واسعة للمرأة في المجال العام.

"
تجربة الأحزاب الإسلامية أسهمت في تطويرها ذاتيا فجعلتها أكثر فقها بالواقع المحلي والدولي كما أسهمت في خدمة الإسلام وترسيخ التجربة الديمقراطية، وفوتت على أعداء الإسلام فرصة دفعها إلى الصدام مع الحكومات
"
ولقد أمكن الأحزاب الإسلامية أن تحقق قدرا غير قليل من النجاح على صعيد تعبئة أوسع القطاعات الجماهيرية، وراء قضايا الأمة الكبرى في العدل والحرية ومناصرة ضحايا العدوان الدولي على شعوب إسلامية، والوقوف إلى جانب المقاومة في قضية فلسطين والبوسنة والشيشان وكشمير والعراق.

كما حققت كثيرا من النجاح في مجال التصدي لأنظمة القهر والاستبداد، مناصرة لحقوق الإنسان والتعاون مع سائر القوى الوطنية، قومية ويسارية وليبرالية، في تشكيل جبهات لفرض التحول الديمقراطي، والتعاون كذلك مع قوى تحررية في العالم مثل الحركة العالمية المناهضة للعولمة، والجماعات الدينية المدافعة عن الأسرة والعفة.

وبرهنت الأحزاب الإسلامية ونوابها في البرلمانات من المغرب إلى إندونيسيا، على مدى ما تتوفر عليه هذه الجماعات من مستوى عال من المبدئية والواقعية في الآن ذاته.

وتنهض الحركة الإسلامية اليوم بمهمة تجديد النخبة السياسية وتشبيبها، بديلا عن جيل سياسي علماني أنهكه الفساد.

وحتى عندما حكمت هذه الأحزاب وأزيحت عن الحكم مثل حزب الرفاه، لم تستنفر الجماهير إلى الجهاد المسلح مسفهة ما اتهمت به من توظيف للديمقراطية، مجرد توظيف لتزيحها جانبا بمجرد الوصول إلى السلطة، وسرعان ما عادت إلى الساحة عبر صناديق الاقتراع أقوى مما كانت بعد أن تعلمت من تجربتها، وتشكلت في هيئات جديدة حاملة لبرامج واقعية متطورة، محمولة إلى الحكم على أجنحة آمال شعوبها في العزة والرفاه وطهارة الأيدي المتوضئة.

ينطبق ذلك أيضا على الأحزاب الإسلامية المشاركة في السلطة التشريعية وهو حال أغلبها من باكستان إلى مصر واليمن والكويت والجزائر، وكذا على الأحزاب المشاركة في الحكومات أيضا وهي غير قليلة من إندونيسيا إلى بنغلاديش والجزائر.

عموما يمكن اعتبار أن تجربتها قد أسهمت في تطويرها ذاتيا فجعلتها أكثر فقها بالواقع المحلي والدولي كما أسهمت في خدمة الإسلام وترسيخ التجربة الديمقراطية، وفوتت على أعداء الإسلام فرصة دفعها إلى الصدام مع الحكومات مما تضررت منه التجربة الديمقراطية كثيرا.

ولكن هذه المشاركات تبقى في عمومها جزئية، وتظل الصورة العامة لوضع الإسلام بالقياس إلى معركته مع العلمانية ومقاومته للهيمنة الدولية، أنه في المعارضة سواء أكان معترفا بها أم تدور عليها رحى القمع إلى درجة السحق أحيانا.

أما عندما نأتي إلى ممارسة الإسلاميين على صعيد الحكم مستقلين (وقبل أن نتناول في مقال آخر بقدر من التفصيل تجارب "الحكم الإسلامي" استقلالا) فنرى ضروريا التأكيد على أن جوهر المشروع الإسلامي أوسع وأشمل من أن يختزله برنامج للحكم فتكون السلطة أعز مطالبه ويرتبط بها مستقبله.

الحكم مجرد جزء من مشروع الإسلام بل ليس هو الجزء الأعظم والأهم، ولذلك سقطت للإسلام دول لا تحصى بينما استمر فعله في الأمة والتاريخ، وكم عرفت حضارة الإسلام ازدهارا في مجتمعات زاخرة بالفكر والثروة في ظل دول فاسدة في زمن كانت سلطة الدول فيه محدودة.

وإنما اشتد طلب الإسلاميين على الحكم بأثر دولة "الحداثة" حيث تغولت الدولة حتى خنقت مبادرات المجتمع، وإلا فإن مركز المشروع الإسلامي هو الإنسان فردا وأسرة وعلاقات اجتماعية، إذ هو بالأساس مشروع مجتمعي فكري وتربوي يتجه إلى الإنسان ليحقق في حياته -أيا كان وضعه- حضورا لله في حياته يلون كل فكره ومشاعره وسائر مسالكه وعلاقاته بلون خاص.

"
الإسلام اليوم يمثل أمل الأمة بل الإنسانية في استعادة الأخلاق والعدل لحضارة تعرت من كل ذلك بشكل مريع شهدت عليه فضائح غوانتانامو وأبو غريب وكاترينا وأحزمة الفقر المحيطة بالمدن الفرنسية التي اندلعت منها موجات العنف الشبابي الحارقة
"
وفي هذا الصدد يمكن اعتبار المشروع الإسلامي، رغم ضعف إنجازه في مستوى الوصول إلى السلطة، قد حقق على صعيد الأمة إنجازات كبرى تؤهله عن جدارة للحديث باسم الرأي العام في الأمة الإسلامية.

نعم هو في المعارضة، والعلمانية في السلطة، ولكنه المعارضة الأقوى. وبحسب سنة التداول "... وتلك الأيام نداولها بين الناس" (140-آل عمران) فكل المؤشرات تدل على حصول حالة متقدمة من شيخوخة المشاريع العلمانية في العالم، وسقوط الشيوعية شاهد، مقابل تجدد المشروع الإسلامي ونموه كما وكيفا.

ولم يكن الأمر كذلك قبل بضعة عقود فقط حيث كانت المشاريع العلمانية صاعدة حاملة آمال الشعوب في العدل وتحرير فلسطين وتوحيد الأمة، لكن كل الرايات سقطت من يدها وانتقلت إلى الأيدي المتوضئة، ومن فقُه المسار من النخب العلمانية فتصالح مع هوية الأمة ودعاة الإسلام.

الإسلام اليوم يمثل أمل الأمة بل الإنسانية في استعادة الأخلاق والعدل والمعنى والعلاقات الأسرية، لحضارة تعرت من كل ذلك بشكل مريع شهدت عليه فضائح غوانتانامو وأبو غريب وكاترينا وأحزمة الفقر المحيطة بالمدن الفرنسية التي اندلعت منها موجات العنف الشبابي الحارقة.

مسار التاريخ مسار المستقبل واضح تتجلى صفحاته على صفحات كثيرة أبرزها وجوه الشباب، حيث تشتد حركة التوبة والإنابة وحمل رايات الإسلام سبيلا لاستعادة الكرامة والعزة للإنسان وللأمة "... وما عند الله خير وأبقى..." (60-القصص) والمسألة إذن مسألة وقت وقد ظهرت القبلة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك