فاضل الربيعي

فاضل الربيعي

- ولد في بغداد عام 1952 - عمل في سنوات شبابه في الصحافة العراقية والعربية - يعمل اليوم باحثا ً متفرغا ً في المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية بعمان وخبيرا ً في مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت


بعض الذين علقوا على تصريحات نائب رئيس الجمهورية السابق في سوريا عبد الحليم خدام، مؤخرا، شبهوا خطأ انشقاق الرجل على النظام الذي سهر عند مهده طوال 35 عاما، وكان من حرسه الحديدي القديم، بأنه تجسيد لطموح شخصي في لعب دور جديد في سوريا جديدة بلا بعث.

وأكثر من ذلك شبهوا هذا الطموح الممزوج باستعدادات غير مسبوقة ومفاجئة للتعاون مع الغرب بشكل عام، والولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص بأنه طموح لتقمص دور أحمد الجلبي في العراق.

الأصح، في كل هذا الوصف والتشبيهات، أن خدام وجد نفسه وقد لعب دور حسين كامل صهر الرئيس العراقي الأسبق وليس دور الجلبي، وأن نصيبه من لعب دور جديد في سوريا جديدة شبيه تماما بنصيب صهر صدام عشية الاحتلال.

"
ما قاله كامل بحق نظامه الذي كاد يفتديه بدمه قاله خدام بطريقة ثانية لا تختلف كثيرا من حيث المضمون والمنطوق، وهو يستذكر المحاولات الخمس التي تعرض فيها للموت دفاعا عن رئيسه ونظامه
"
الفارق في الشخصيتين موضوع التشبيه، هام للغاية وحاسم لجهة فهم الدور المتوقع وحدوده الواقعية في المرحلة القادمة.

الرجلان كانا، في بلديهما الشقيقين الجارين البعثيين من أركان النظام وأعمدته السبعة المقدسة لسنوات طويلة، بل ومن "عظام الرقبة" في الحلقة الضيقة المحيطة بالرئيس.

الأول كان موظفا صغيرا في طرطوس، تدرج في عالم السلطة بفضل تقربه من الرئيس الراحل حافظ الأسد قبل وبعد الحركة التصحيحية في السبعينيات من القرن الماضي، حتى أعلى مراتبها وزارة بعد أخرى ومنصبا رفيعا بعد آخر.

الثاني كان عسكريا صغيرا (رقيبا) شاءت الأقدار أن يكون ضمن فريق حماية الرئيس صدام، حيث كاد في إحدى المرات وأثناء الحرب مع إيران يفتديه بدمه عندما ألقى بنفسه على الرئيس لحمايته بعد سقوط قذيفة بالقرب من الموكب.

هكذا وجد نفسه وقد نال أعلى مراتب السلطة موقعا بعد آخر، ثم أمسك أخيرا بكنز المعلومات والأسرار، فأصبح هو وليس أحدا سواه، مالك أخطر الملفات (البرنامج العلمي والعسكري العراقي).

الأول أي خدام، غادر دمشق إلى باريس وهو لا يزال في منصب نائب الرئيس، وكذلك الثاني حسين كامل خرج من بغداد إلى عمان وهو لا يزال في موقع المسؤولية وبرتبة فريق ركن.

ولئن غادر عبد الحليم خدام دمشق مع عائلته بذريعة التفرغ لكتابة المذكرات الشخصية والسياسية فإن شبيهه القديم كامل غادر بغداد مع عائلته أيضا، بذريعة تلبية دعوة رسمية لزيارة بلغاريا.

الرجلان غادرا بلديهما بهدوء شبيه بذلك الذي يسبق عادة العاصفة قبل أن تزمجر.

ما حدث أن العاصفة زمجرت بالفعل في باريس كما زمجرت من قبل في عمان بعد وقت قصير من وصولهما.

الأول اختار لإعلان انشقاقه إجراء مقابلة صحفية مطولة مع مندوب "قناة العربية" في باريس، أما شبيهه القديم حسين كامل فقد اختار من قبل عقد مؤتمر صحفي في عمان ليعلن من هناك انشقاقه على نظام صهره الرئيس صدام حسين.

ما قاله كامل بحق نظامه الذي كاد -ذات يوم- يفتديه بدمه قاله خدام بطريقة ثانية لا تختلف كثيرا من حيث المضمون والمنطوق، وهو يستذكر المحاولات الخمس التي تعرض فيها للموت دفاعا عن رئيسه ونظامه.

الأول وجه اتهامات صريحة بشأن برنامج العراق النووي ومسؤولية النظام عن إخفاء الحقيقة، وكان من نتائج ما قاله أن تعززت القناعة في الكويت الصغيرة خصوصا بوجود "شيء ما" ينقص الحقيقة التي يتوق العالم إلى معرفتها.

الثاني وجه اتهامات مماثلة وصريحة لنظامه أيضا، بشأن إخفاء الحقيقة حول "تصفية الحريري" كان من شأنها أن عززت القناعة في لبنان الصغير خصوصا بوجود شيء ما ينقص الحقيقة المطالب بكشفها.

وبينما مثل حسين كامل أمام لجنة من محققي الـ"سي.آي.أيه" ووكالة الطاقة الذرية لفحص وجمع المعلومات التي قدمها، فإن الثاني سوف يمثل -إن لم يكن قد مثل سرا- أمام لجنة التحقيق الدولية الخاصة بمصرع الحريري.

الرجلان من وجهة نظر الجهات الاستخبارية الدولية، كنزان لا يقدران بثمن، الأول ختم حديثه وهو يسرد بعض الأسرار، بالقول إنه عائد إلى بغداد بكل تأكيد، ولكن دون تقديم أي توضيح عن كيفية عودته بعد الزلزال، أما الثاني فقد بدأ حديثه مستبقا كل تأويل بالتأكيد على أنه عائد إلى دمشق، وبالطبع من دون أن يفسر أو يوضح هو الآخر أي شيء بشأن قرار العودة المفترضة.

وكما حدث هرج ومرج في بغداد فور سماعها الرجات الأولى لزلزال عمان، حدث هرج ومرج في دمشق بعد سماع الرجات الأولى من زلزال باريس.

"
كما رد كامل من عمان ببيان صحفي نفى فيه ارتباطه بالمخابرات الأميركية أو الإسرائيلية، وجد خدام نفسه مضطرا للرد ببيان صحفي من باريس ينفي فيه مثل هذا الاتهام، ويؤكد أن منزله في باريس لا يعج برجال الـ"سي آي أيه" أو الموساد
"
نائب رئيس الوزراء العراقي الأسبق طارق عزيز وصف كامل بأنه "يهوذا الإسخريوطي" خائن المسيح، بينما كان تلفزيون بغداد يبث على الهواء إعلانات متكررة عن "هدر العشيرة لدم ابنها المارق حسين كامل"، في حين عقد المجلس الوطني العراقي جلسة صاخبة وصف فيها المنشق "بالخائن".

الأمر نفسه حرفيا حدث مع السيد خدام، حين انبرى مجلس الشعب السوري بكل فرسانه، لتجريم الرجل ووصفه بالخيانة والارتباط بالمخابرات الأميركية والإسرائيلية.

وكما رد كامل من عمان ببيان صحفي نفى فيه ارتباطه بالمخابرات الأميركية أو الإسرائيلية، فقد وجد خدام نفسه مضطرا للرد ببيان صحفي من باريس ينفي فيه مثل هذا الاتهام، ويؤكد أن منزله في باريس لا يعج برجال الـ"سي.آي. أيه" أو الموساد.

ولكن ماذا بعد الضجة في باريس وعمان؟

دعونا نعود إلى ما حدث للشبيه القديم من أجل التكهن بما يمكن أن يحدث للشبيه الجديد، فقد كان حسين كامل صهر الرئيس يعتقد بسبب جملة معطيات وإشارات تلقاها طوال أشهر من الضغط الدولي المتواصل على العراق، أنه مؤهل بحكم ما يملك من مواقع ومعلومات لأن يعلن دون تردد، أنه يفضل خلاص العراق على خلاص نظامه.

وكان إلى جانب هذا الاعتقاد يؤمن أيضا بأن بوسعه إعادة إنتاج نفسه ودوره في عراق جديد، وأن من الأفضل بالنسبة لرجل طموح وذكي مغادرة السفينة الموشكة على الغرق بسرعة، من أن ينتظر غرقها الوشيك دون جدوى، وأن الغرب يمكن أن يقدر في النهاية قيمة الخدمة التي سيتطوع لتقديمها، وبالتالي فإن الغرب سوف يكافئه وقد يجزل له العطاء.

ما حدث أن "كنز المعلومات والأسرار" اندلق بسرعة وأصبح بين أيدي نهابين لا يشبع نهمهم شيء، فلم تمض سوى أسابيع قليلة حتى كان بريق النجم الذي سطع في سماء عمان يخفت ويذوي، وبالكاد كان هناك من يرغب في سماع أي تصريحات جديدة للصهر المنشق.

في النهاية انفض السامر من حوله ووجد كامل نفسه بعد تسليم جميع الملفات مجرد ورقة في ملف عتيق قرر مستخدموه رميه في الزبالة.

إن الساعات العصيبة الأخيرة من حياة حسين كامل قبل مغادرته الدراماتيكية إلى بغداد عائدا يجر أذيال الخيبة، مفضلا سيف صدام حسين في عنقه على الاستمرار في العزلة وتلقي سيل الإهانات غير المنقطع في العاصمة الأردنية، يمكنها أن تلخص أبلغ تلخيص الثمن الحقيقي لذلك الجموح في الخيال، وربما الوهم، بإمكانية أن يلعب الرجل نفسه دورا "جديدا" في نظام آخر، وعراق آخر صمم خالقوه على أن يكون خاليا تماما من الوجوه القديمة.

بكل تأكيد ليس عبد الحليم خدام السوري هو نفسه حسين كامل العراقي، وهذا التطابق الشكلي في الظروف وربما القناعات السياسية والأوهام لا يفرض علينا القبول بأي وصف يطابق بين مهارات الرجلين السياسية، فخدام أذكى بكل يقين من أن تخدعه الأوهام نفسها التي داعبت مخيلة حسين كامل، وليس من المرجح أنه سوف يمضي على الطريق نفسها التي سار عليها صهر صدام، بحيث يتخيل نفسه منقذا ترسله العناية الإلهية من أجل وقف تدهور حياة السوريين الذين بلغ مصابهم أنهم صاروا يأكلون من "براميل النفايات". وهي كذبة أعجب شخصيا كيف أن خدام لم ينتبه لسخافتها.

ولأن خدام أذكى من شبيهه القديم حسين كامل، سيكتشف أن التفريق بين النظام والوطن أمر سهل للغاية، متاح وميسور أمام كل شخص حتى ولو كان يأكل من برميل النفايات، ولكن ليس بالنسبة لرجل عاش كل حياته رافضا أي تفريق بين المفهومين، بل وبالنسبة لرجل كان يعاقب السوريين لأنهم يميزون بين الوطن والنظام.

هل يكون أمرا مفاجئا لو أننا شاهدنا خدام بعد أسابيع أو أشهر قليلة فقط من الآن وقد انزوى نهائيا في قصره المنيف في باريس، مكتفيا من الغنيمة بالإياب، أي بنجاته الشخصية من المصير الذي يتوقعه أو يتخيله لأركان نظامه؟

بيد أن النجاة من العقاب، أيا كان شكله، قد لا تساوي في النهاية الثمن الفادح الذي يسدده المرء من تاريخه، وحتى من صحته وهو يعيش مرارة الشعور بالإثم.

"
كل ما يلزم دمشق الآن، وقد مضى وقت مناسب يكفي لاستعادة رباطة الجأش بعد الصدمة، إنما هو استذكار حقيقة أن خدام ليس سوى حسين كامل آخر أعاد الغرب إنتاجه في ظروف مشابهة ومماثلة تقريبا لظروف العراق
"
وإذا كان الأول حسين كامل قتل على يد أصهاره وأبناء عمومته، ووسط ضجيج شبيه بضجيج القبائل لحظة الثأر أو القصاص من خصمها، فإن الثاني خدام، سيفضل الرقود في فراش وثير بانتظار ملك الموت، يائسا إلا من رحمة الله، وموقنا أن الأدوار في الحياة لا توهب مرتين، وأن السوريين أذكى من أن يصدقوه أو أن يرحموه عائدا إليهم بعدما ذاقوا على يديه وأيدي أبنائه سما زعافا طوال 35 عاما.

ترى، ماذا كان سيحدث لو أن دمشق لم تتصرف كما تصرفت بغداد مع صهرها المنشق؟ وماذا كان سيحدث لو أن فرسان مجلس الشعب السوري لم يجربوا بطولاتهم التلفزيونية على النحو نفسه الذي جربه برلمانيو بغداد المعينون؟ وماذا كان سيحدث لو أن دمشق كانت أكثر هدوءا ورباطة جأش وهي تستقبل تصريحات صهرها المنشق؟

ما يتذكره السوريون والعراقيون جيدا هو أن الرئيس الراحل حافظ الأسد كان في زيارة رسمية إلى القاهرة حين جرى إبلاغه لحظة وصوله إلى المطار بهروب الفريق الركن حسين كامل صهر الرئيس صدام.

سمع الأسد سؤالا من صحفي مصري عجول يقول: سيدي الرئيس هل ستعقدون قمة استثنائية لبحث الوضع في العراق بعد هروب وانشقاق صهر صدام؟ فرد الأسد مبتسما وببرود مذهل: وهل كلما هرب أحد نفعل ذلك؟ ثم استدار نحو الرئيس المصري وأطلق ضحكة ساخرة ومضى.

في هذه اللحظات العصيبة وحيث تسمع دمشق رجات الزلزال الأولى القادمة من باريس تغيب لسوء الحظ أطياف الأسد الأب وتتلاشى ابتسامته الساخرة.

كل ما يلزم دمشق الآن وقد مضى وقت مناسب يكفي لاستعادة رباطة الجأش بعد الصدمة إنما هو، وعلى وجه التحديد، استذكار حقيقة أن خدام ليس سوى حسين كامل آخر، أعاد الغرب إنتاجه في ظروف مشابهة ومماثلة تقريبا لظروف العراق، لا من أجل تمكينه من لعب دور جديد بل من أجل استخدامه أداة في لعبة الضغط وشد الأعصاب، وأن صمود دمشق الحقيقي لن يكون ممكنا من دون تخطي مجلس الشعب نحو الشعب.

التاريخ، كما يقال، يتكرر مرتين، مرة في صورة مأساة ومرة في صورة مسخرة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات