منير شفيق

 

الكوارث الطبيعية مثل الحروب تكشف حقيقة الأنظمة وطبيعتها، كما تلقي ضوءاً على تماسك المجتمعات ومدى تكافلها وتنظيمها. وهذا ما فعله إعصار كاترينا في النظام الأميركي وفي إدارة بوش وصولا إلى الوضع الاجتماعي نفسه، أو على الأقل إلى جزء أساسي منه.

 

نجم عن الإعصار كارثة بشرية لم يقدر مداها بالضبط حتى الآن، لكنها على مستوى القتلى تدخل في عشرات الألوف وعلى مستوى الجرحى مثل ذلك. أما الخسائر المادية فقدرت بمائة مليار دولار، والرقم في تزايد مستمر، ناهيك عن المآسي الفردية والعائلية التي لا تدخل في الأرقام ولا تحد بالسنوات.

 

لعل الشيء المرعب في الموضوع يتمثل في تقدير علماء وخبراء وأكاديميين بأنه كان من الممكن تجنب الكارثة. فإذا كان الإعصار قدراً مقدراً فإن نتائجه في كثير من أوجهها ضمن قدرة البشر التي تسمح بالهروب من قدر إلى قدر. كيف؟

 

"
ثلاثة كوارث كانت متوقعة وضعت على الطاولة وهي إرهاب في نيويورك وزلزال في سان فرنسيسكو وإعصار في لويزيانا واعتبر الأخير من حيث الأضرار أخطرها
"
ظاهرة الأعاصير والفيضانات في المنطقة التي ضربها إعصار كاترينا وما صحبه من فيضان/طوفان مكررة ومتوقعة. وثمة تخطيطات تناولت تجنب الكوارث المتوقعة يعود بعضها إلى عشرات السنين. وقد أصبح الأمر أكثر إلحاحاً منذ 1998.

 

وكما تقول مارتا مادني الأمينة السابقة لهيئة "نوعية البيئة في لويزيانا" من 1987-1988 "إن توقعات الكارثة كانت واضحة دائماً، وأن وكالة الطوارئ الفدرالية كانت تعلم بذلك منذ 20 سنة وقد صرفت مئات الألوف من الدولارات في الدراسات والتدريب وخطط الطوارئ والسيناريوهات، وباختصار كنا نعلم أنه يوما ما سوف يحدث ما حدث".

 

ويؤكد بول غروغمان في العدد نفسه من "هيرالد تريبيون" في 4/9/2005 أن ثلاثة كوارث كانت متوقعة وضعت على الطاولة وهي إرهاب في نيويورك وزلزال في سان فرنسيسكو وإعصار في لويزيانا. واعتبر الأخير من حيث أضراره الأخطر بينها.

 

لكن إدارة جورج دبليو بوش أخذت منذ اليوم الأول تقلل من الموازنات المقدرة لمواجهة احتمال إعصار في لويزيانا على وجه الخصوص. وقد اتجهت بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 إلى تخفيف مخصصات الموازنة في مجالات عدة ومن بينها "إدارة الطوارئ الفدرالية" لحساب الحرب والبنتاغون.

 

فمثلا طالبت "مؤسسة مراقبة فيضان نهر المسيسيبي" بمائة مليون دولار عاجلة لتعزيز السدود وإقامة سدود جديدة، فخفضت إلى 27.5 مليونا ثم خفضها بوش إلى 3.9 ملايين.

 

حدث هذا مع العلم أن التقارير العلمية راحت تؤكد أن السدود آخذة في التداعي. وحذر المهندسون من أنها لا تحتمل إعصارا من ثلاث درجات في حين أن إعصار كاترينا من أجل فضيحة إدارة بوش جاء بخمس درجات.

 

"
إدارة بوش بارعة في اختلاق التبريرات لكنها فاشلة في القيام بما يجب عليها
"
هذا رد عن الخطط التي طالبت بإنشاء سدود على النمط الهولندي (الأراضي الواطئة عن سطح البحر كحال المدن التي ضربها إعصار كاترينا). وكان قد أثبت نجاعته، لكن ما فائدة كل هذا وإدارة بوش في عالم آخر، كما أن غالبية سكان لويزيانا ونيوأورليانز والمنطقة من السود والفقراء، أي من عالم آخر غير العالم الأبيض الأميركي كذلك.

 

على أن الفضيحة لم تتوقف عند هذا الحد من الإهمال المتعمد أو غير المتعمد أو على الأقل الذي ينبع من عدم دخوله في الأولويات الخارجية والداخلية فحسب، وإنما أيضاً تعاظمت الفضيحة في مواجهة الإعصار وهو يتجمع -أي قبيل حمله اسم كاترينا- وفي أثناء اجتياحه وبعد ذلك إلى اليوم. ولن يكون في الغد أفضل ما دامت إدارة بوش في السلطة.

 

سأل بول غروغمان ومعه العشرات من المحللين الإعلاميين لماذا لم يكن هنالك أية استعدادات لمواجهة هذا الخطر؟ ولماذا احتاج وصول المساعدات وتوفير الأمن كل هذا الوقت؟ ولماذا لم يكن ثمة إعداد لتحرك استباقي؟ وهل دمرت إدارة بوش فاعلية "وكالة إدارة الطوارئ الفدرالية"؟

 

وبالمناسبة فإن ما حدث في المنطقة المنكوبة يشبه ما حدث في بغداد من نهب وفلتان للأمن بعد احتلالها.

 

أما الإجابات فبعضها اعتبر أن إدارة بوش بارعة في اختلاق التبريرات لكنها فاشلة في القيام بما يجب عليها. وهنالك من أشار إلى سحب ما بين 30 و40% من الحرس الوطني ومعداتهم -ومن بينها الشاحنات العابرة للمياه العالية- إلى العراق. ولهذا اشتدت المطالبة بعودتهم وكان 300 منهم قد عادوا وهم من القناصة على بنادق أم/16.

 

وبالفعل طلبت حاكمة ولاية لويزيانا كاثلين بلانكو بجلب أربعين ألف جندي لاستعادة الأمن. وحثت على أن يقوم هؤلاء الثلاثمائة بعملهم "فهذه القوات تعرف كيف تطلق النار وتقتل ولديها الاستعداد للقيام بذلك".

 

"
الإعصار كرس الانقسام الطبقي والعرقي في الجنوب الأميركي والمناطق الأخرى، فـ30% من سكان الجنوب يعيشون تحت خط الفقر وفي حالة إهمال متعدد الأوجه، وعندما يضاف إلى ذلك أن غالبية هؤلاء من السود يصبح السؤال لماذا؟!
"
لقد أدت الكارثة إلى "انهيار كامل للمجتمع المنظم"، فالناس لم تؤمّن لهم وسائط الإخلاء، وراحوا يموتون من الجوع ونقص مياه الشرب والعناية الطبية وعدم سرعة الإنقاذ في حينه. وبالطبع كانت الغالبية الساحقة من الضحايا هم من الفقراء والسود وكبار السن والعجزة والأطفال. وتحدثت تقارير الشرطة عن اغتصاب واعتداءات ونهب قامت بها العصابات. "وإن الصور الملتقطة مفزعة تبعث على الجنون".

 

وهذا كله غيض مما حدث في أثناء الإعصار والفيضان، فقوات الحرس الوطني الفاقدة لأكثر من ثلث قواتها وإمكاناتها بسبب إرسالهما إلى العراق كانت عاجزة عن القيام بدورها في الإخلاء والإنقاذ كما هي الحال في حفظ الأمن.  ولولا ذلك، كما قالت عدة تقديرات، لكانت الخسائر في الأرواح والممتلكات أقل كثيرا، "فأميركا بحاجة إلى حرسها الوطني لا تحويله إلى ألعوبة بيد البنتاغون".

 

وبهذا يكون إعصار كاترينا قد أظهر مجموعة حقائق منها:

أولا: لقد انتقد زعماء سود الاستجابة البطيئة جدا للإدارة الخاصة بالإغاثة، الأمر الذي "كرس الانقسام الطبقي والعرقي في الجنوب الأميركي والمناطق الأخرى". فـ30% من سكان الجنوب يعيشون تحت خط الفقر، وفي حالة إهمال متعدد الأوجه، وعندما يضاف إلى ذلك أن غالبية هؤلاء من السود يصبح السؤال لماذا؟!

 

وكيف يكون هذا في دولة تعتبر الأغنى في العالم ولا تسمع في الأنباء بغير تخصيص عشرات ومئات المليارات للأغراض العسكرية والحروب، ومثلها لأغراض أخرى إلا ما يخص ذلك القطاع من المجتمع. وهل هنالك من جواب غير استمرار التمييز العنصري والازدواجية في التعامل مع الإنسان حتى داخل الولايات المتحدة نفسها.

 

علق النائب الديمقراطي إليغا كامينغز "لا يمكن أن نسمح بأن يقول التاريخ إن الفارق بين من عاش ومن مات في هذه العاصفة والفياضانات الهائلة عام 2005 لم يكن إلا الفقر ولون البشرة والكبر في السن". لكن التاريخ قال ذلك بالخطاب الفصيح في لويزيانا ونيو أورليانز.

 

ثانيا: أن التوقف أمام السياسة التي حكمت معالجة توقعات الأعاصير والفيضانات وبالطبع الكوارث الأخرى قبل حدوثها وقبيله وفي أثنائه وبعده كما أظهرت كارثة إعصار كاترينا يفرض سقوط الأوهام حول التخطيط والإدارة والعمل المؤسسي ودور الديمقراطية في النظام الأميركي، فما ظهر كاد يكون أسوأ من كل ارتجالية وفوضى وعمل فردي ونظام استبدادي.

 

ويحق أن يسأل المرء أين التخطيط وأين المؤسسات وأين الديمقراطية وأين العقلانية والحداثة؟ بل أين أنتم أيها المبهورون بأميركا؟!

 

ثالثا: انهيار المجتمع المدني واندلاع العصابات المسلحة وسيطرتها على الميدان وحدوث ما لا يحصى من أعمال النهب والقتل والاغتصاب والصدامات اللاحقة مع عشرات الألوف من جنود الحرس الوطني والجيش الذين جاؤوا لاستعادة الأمن، كل هذا ألا يثير التساؤلات حول مدى تماسك البنى الاجتماعية الأميركية! وعما يكمن تحت السطح من عالم سفلي وعصابات إجرام مسلحة ومنظمة ولا يقف أمامها محذور إن أفلت الزمام.

 

ثم ماذا يقول الذين يتهمون المجتمعات العربية والإسلامية بأنها حاضنة للإرهاب ومولدة له عن المجتمع الأميركي إن كان المجتمع هو المسؤول عما يخرج منه من ظواهر ذات طبيعة إجرامية.

 

"
إذا كان الفشل كما هو حادث في إعصار كاترينا أو في العراق يحمل في طياته موت عشرات الألوف، فعندئذ يدخل في نطاق ارتكاب الجرائم وتوليد المآسي الإنسانية ولا يجوز احتماله لا في الدكتاتورية ولا في الديمقراطية
"
رابعا: يقول نيوت غينغرش الناطق السابق باسم الأغلبية في الكونغرس "أعتقد أن ما جرى يضع كل أمن البلاد والتخطيط المركزي موضع تساؤل خلال السنوات الأربع الماضية".

 

وقد اعتبر نواب آخرون مثل سوزان كولنز تعامل إدارة بوش مع الكارثة "فشلا ذريعا". وإذا أضفنا إلى ذلك مسلسل الفشل في سياساتها الخارجية لاسيما في العراق فإن تساؤلا كبيرا سيطرح على الديمقراطية الأميركية إذا سمحت باستمرار هذه الإدارة الفاشلة في الحكم إلى نهاية عهد بوش.

 

عندما يتكرر الفشل وفي كل مجال وضعت هذه الإدارة يدها عليه فإن مرد هذا فشل يكون إلى طبيعة مركز القرار ومنهجيته وعقليته. وإذا اعتبرنا أن الفشل كما هو حادث في إعصار كاترينا أو العراق يحمل في طياته موت عشرات الألوف، فعندئذ يدخل في نطاق ارتكاب الجرائم وتوليد المآسي الإنسانية. ولا يجوز احتماله لا في الدكتاتورية ولا في الديمقراطية.

 

خامسا: أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش وهو يحاول تدارك مصيبته أنه "يجب أن لا يكون ثمة أي تسامح مع الذين يخرقون القانون في أثناء الطوارئ سواء أكان ذلك عن طريق النهب أو عن طريق رفع الأسعار في محطات بيع البنزين أو استغلال التبرعات أو تزوير التأمينات".

 

طبعا هذا الكلام موجه للصغار "ولن  يطبق عدم التسامح على النهابين الكبار الذين حصدوا المليلرات من إعصار كاترينا" كما يقول  ديرك ز. جاكسون. وقد سمى شركات النفط الكبرى التي سرعان ما رفعت سعر ليتر البنزين إلى ثلاثة دولارات وأربعة دولارات حول الموقع نفسه.

 

ففيما تبرعت شركة شيفرون بخمسة ملايين دولار وكل من إيكسون موبيل وشل بمليونين وقدمت كل من برتيش بتروليوم وسيتكو مليون دولار، فإنه في المقابل يتوقع لأرباح إيكسون موبيل لهذه السنة وعلى أنقاض الإعصار أن تتعدى الثلاثين مليارا، وحول هذه الأرقام الخيالية من النهب يمكن قياس بقية شركات النفط الكبرى.

 

هذا هو الوجه الآخر للولايات المتحدة في كارثة إعصار كاترينا. إنه مناسبة لترفع شركات النفط أرباحها إلى معدلات بين 34 و44% عن العام السابق وهذا لا ينطبق عليه تعبير النهب لأنه مقتصر على الذين يسرقون السوبر ماركت أو الصيدلية، كما لا ينطبق على العصابات الكبيرة المرتبطة بقيادات متنفذة.

 __________________

كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة