عبد الله الأحسن

- هل تغيرت إسرائيل؟
- ماذا تستفيد باكستان؟

- انفراط العقد

- المصالح ليست معيارا كافيا

شكل اللقاء الذي جمع بين وزيري خارجية كل من إسرائيل وباكستان بإسطانبول في الأول من سبتمبر/أيلول 2005 مفاجأة للعديد من الناس، واستناداً إلى بعض المصادر يرجع تاريخ الاتصالات بين الطرفين إلى ما قبل خمس عشرة سنة على أقل تقدير، فلماذا تم الإعلان عنها الآن؟ كما أن البعض يتساءل: أين هو الخطأ في إقامة هذه العلاقة؟ فحسب رأيهم يشكل الإسرائيليون اليوم جزءاً من المجتمع الإنساني المتحضر، فما الغرابة إذن في تعامل الباكستانيين معهم على غرار تعاملهم مع أي طرف آخر في العالم؟ ونحاول في هذا المقال الإجابة عن هذين السؤالين.
 
هل تغيرت إسرائيل؟

"
إسرائيل لم تتغير منذ أن عارضتها باكستان عام 48 في أروقة الأمم المتحدة، وإن كانت تغيرت ففي الاتجاه المعاكس حيث احتلت المزيد من الأراضي واقتلعت المزيد من الفلسطينيين من أراضيهم
"
الأمر المثير للاهتمام هو أن إسرائيل وباكستان هما الدولتان الوحيدتان اللتان تأسستا في القرن العشرين باسم الدين.

لكن في حين أن باكستان كانت نتيجة لكفاح المسلمين الذين عاشوا في الهند لأكثر من ألف عام، نجد أن إسرائيل جاءت ثمرة للجهود التي بذلتها الحركة الصهيونية التي نشأت في أوروبا وترعرعت فيها، وأن ما يزيد على 90% من سكانها قدموا من الخارج واستوطنوا في إسرائيل.

وفي سياق هذه العملية تم قتل الآلاف من السكان الفلسطينيين المحليين أو طردهم من وطنهم، وهذا هو السبب الرئيسي الذي جعل باكستان تعارض المخطط الصهيوني داخل أروقة الأمم المتحدة، وهو ما كان موضع تقدير كبير من جانب المسلمين في مختلف أنحاء العالم.

ففي رسالة بعث بها الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز الذي كان حينها وزير خارجية المملكة العربية السعودية، في 5 أيار/مايو 1948 إلى رئيس الوفد الباكستاني، قال "اسمح لي بالقول بأن مبادئكم النبيلة أوجدت رغبة لدى كافة الجهات العادلة في المشاركة الوجدانية مع جهود سيادتكم، ليس نيابة عن العرب وحسب، بل وعن المسلمين في كافة أنحاء العالم".

وهناك كلمات تقدير مشابهة للوفد الباكستاني في الأمم المتحدة جاءت على لسان مفتي القدس أمين الحُسيني، وعبد الرحم?ن عزام من جامعة الدول العربية.
 
والسؤال المطروح هو هل عمدت باكستان إلى اتخاذ هذا الموقف فقط لأن الفلسطينيين كانوا مسلمين؟ كلا، لقد كان ذلك الموقف مسألة مبدأ، وهذا هو المبدأ نفسه الذي دفع جورج مارشال، الذي كان في ذلك الوقت وزير خارجية الولايات المتحدة ومهندس الخطة الشهيرة لإعادة البناء الاقتصادي لأوروبا، إلى تقديم استقالته عندما قررت إدارة الرئيس ترومان الاعتراف بإسرائيل.

والسؤال المطروح الآن هو: هل تغيرت إسرائيل منذ ذلك الحين؟ ولماذا ينبغي على باكستان الاستمرار في إنكار وجودها؟ ألا يجدر بباكستان أن تعيد تقييم موقفها على ضوء الظروف المستجدة؟

وكرد على ذلك يمكن للمرء بالطبع أن يقول بأن إسرائيل تغيرت منذ ذلك التاريخ، ولكن في الاتجاه المعاكس، فقد احتلت المزيد من الأراضي منذ ذلك الحين، واقتلعت المزيد من الفلسطينيين من أراضيهم، وجلبت المزيد من الأشخاص من أجزاء أخرى من العالم من أجل توطينهم في الأراضي المحتلة في فلسطين، وفي سياق هذه العملية، زادت إسرائيل من إجراءاتها الوحشية من أجل قمع الشعب المتشوق للحرية.
 
ماذا تستفيد باكستان؟

"
لم تجن مصر أي مصالح من علاقاتها مع إسرائيل باستثناء أن القروض التي حصلت عليها من بعض الوكالات الدولية ضاعفت من عبء دينها الخارجي
"
يرجع البعض أسباب هذه المبادرة إلى الرغبة في مجابهة التفوق الدبلوماسي الذي حققته الهند، لكن ما هي المزايا التي ستعود على باكستان من جراء إقامتها علاقة مع إسرائيل؟ هل هي فائدة مادية؟ ربما، لكن إذا كان ينبغي أن تملي الفوائدُ المادية فقط الاتجاهَ الذي ستسلكه باكستان، فلماذا تعين تقسيم ما كان يُعرف بالهند البريطانية بكلفة مرتفعة جداً تكبدتها المجتمعات الإنسانية هناك؟

وبعد 50 عاماً على انفصال باكستان، يطرح العديد من المسلمين الهنود هذا السؤال، الذي يُعتبر سؤالاً مشروعاً بالنسبة إلى الباكستانيين الذين حاربوا من أجل إقامة دولة منفصلة دفاعاً عن مبادئهم وقيمهم الدينية.

كما أن الموقف الذي اتخذته باكستان في الأمم المتحدة كان نابعاً من هذه القيم، لكن إذا كانت هذه المبادرة تهدف إلى تحقيق مكاسب مادية لباكستان، فمن حقنا أن نتساءل عن ماهية هذه الفوائد؟ فهل تعتقد حكومة باكستان فعلاً أن التجارة مع إسرائيل ستكون في مصلحة باكستان؟ بالطبع، سبق أن أعلنت إسرائيل في 11 أيلول/ سبتمبر الماضي أنه لا يُشترط الحصول على ترخيص من أجل استيراد البضائع من باكستان.

لكن هل تستطيع باكستان تحويل هذه التنازلات لمصلحتها أم أن إسرائيل ستستغل في نهاية المطاف هذه العلاقة لصالحها؟ ما الذي تمكنت مصر من تحقيقه منذ عام 1978 عندما خرقت كافة قرارات منظمة المؤتمر الإسلامي OIC وأقامت علاقات مع إسرائيل؟

لم تحصل على شيء مطلقاً، باستثناء أن القروض التي حصلت عليها من بعض الوكالات الدولية ضاعفت من عبء دينها الخارجي.

وعقب التوقيع على اتفاقية أوسلو عام 1993، تمكنت إسرائيل من تحييد العديد من بلدان منظمة المؤتمر الإسلامي وأقامت أشكالاً مختلفة من العلاقات معها، في حين نجد أن الفلسطينيين والبلدان الإسلامية الأخرى يكادون لا يحصلون على أية مكاسب مادية.

ويبدو الآن أن إسرائيل تريد بعد "انسحاب غزة" أن تكون صديقاً جيداً، لكن قبل أن يتم إحراز أي تقدم، يتعين على باكستان تحليل هذه العوامل.
 
انفراط العقد

"
لا يمكن لباكستان، ولا لأي شخص فيه ذرة من الكرامة، أن يُرضي مؤيدي إسرائيل والمحافظين الجدد في واشنطن، وينبغي على باكستان أن تتعلم من تجربة تركيا التي تفيد بأنه لا يكاد يمكن تحقيق أي مكاسب بالتخلي عن المبادئ والقيم
"
وهناك من يجادل بأنه بما أن الفلسطينيين أنفسهم وتركيا قد أقاموا علاقات مع إسرائيل، فلماذا لا تفعل باكستان الشيء نفسه؟
وقد يبدو ذلك سؤالاً منصفاً في ظل الظروف العادية، لكنه ليس كذلك عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية.

السبب الأول هو أن إسرائيل لم تنشأ نتيجةً لصراع قومي بين السكان المحليين، وإنما بسبب الدعم الذي قدمه يهود الشتات الذين يحتل العديد منهم مراكز قوية في العديد من البلدان الغربية، وبسبب الضغط الذي بذلوه عبر حكوماتهم على الفلسطينيين.

والثاني هو أنه لم يعد لدى الفلسطينيين خيار آخر، فالزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات توسل من أجل الحصول على المساعدة طوال عقد الثمانينيات قبل أن يلجأ إلى التفاوض على عقد معاهدة مع إسرائيل في مدريد سنة 1991.

وكانت مصر السباقة إلى الخروج عن الصف من بين سائر البلدان الإسلامية وأجرت مفاوضات من أجل التوصل إلى إبرام معاهدة مع إسرائيل.

وكان من نتائج ذلك أن طردت منظمة المؤتمر الإسلامي مصر من صفوفها، لكن لم يتم الاقتصار بعد فترة من الزمن على القبول بعودة مصر إلى المنظمة وحسب، بل حذا العديد من الدول حذو مصر.

كما نجد أن تركيا أقامت علاقات دبلوماسية مع إسرائيل في الوقت الذي كانت تتبع فيه سياسة أوروبية/غربية، ربما لكي تنال إعجاب بعض المراقبين الغربيين.

لكن ماذا كسبت في النصف الأخير من القرن الماضي؟ لا شيء باستثناء عداوة جيرانها العرب.

في الواقع ينبغي على باكستان أن تتعلم من تجربة تركيا التي تفيد لا يكاد يمكن تحقيق أي مكاسب بالتخلي عن المبادئ والقيم.
 
كما أن هناك من يقترح أن إقامة علاقات وثيقة مع إسرائيل ستضع باكستان في موقع مميز في علاقاتها مع واشنطن، فهل تستطيع باكستان أن ترضي فعلاً مجموعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن؟ وهل ستسعى حكومة باكستان كذلك إلى إرضاء المحافظين الجدد في واشنطن؟

إذا نظرنا إلى الأمور بواقعية نجد أنه لا يمكن لباكستان، ولا لأي شخص فيه ذرة من الكرامة أن يُرضي مؤيدي إسرائيل والمحافظين الجدد في واشنطن لأنه يدفعهم ببساطة إيمان أعمى خارج عن المنطق مثل "إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، أو "الوعد الذي قطعه الرب لهم في الكتاب المقدس"، أو"إعصار كاترينا عقوبة من الرب بسبب دعم الولايات المتحدة لانسحاب إسرائيل من غزة".

وتجدر الإشارة إلى أنه رغم أن تعاليم عصر التنوير رفضت هذه المعتقدات، نجد أن العديد من الغربيين يميلون الآن إلى تأييد هذه الأفكار "الدينية"! والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو ألا توجد مجموعات أخرى في واشنطن عدا المجموعات المؤيدة لإسرائيل والمحافظين الجدد؟

هل فكر هؤلاء المحللون في عدد المجموعات المحبة للسلام والعدل التي توجد في واشنطن؟ سيجد المرء المئات والآلاف من أمثال جورج مارشال داخل الولايات المتحدة رغم تصوير وسائل الإعلام لخلاف ذلك، وفي الواقع سيجد الباكستانيون والمسلمون وحدة في المبادئ والقيم تجمعهم مع العديد من الأميركيين.
 
المصالح ليست معيارا كافيا

"
فكرة "الأرض مقابل السلام" خاطئة من الناحيتين الأخلاقية والأدبية، لأنها تعني أن هناك فريقا مفتول العضلات يحتل أراضي فريق آخر، ثم يتفاوض على تلك الأراضي مع مالكيها الأصليين كسارق يعرض حصة ضئيلة من البضائع المسروقة على ضحيته  
"
إن العلاقات بين الدول تعتمد دائماً على المصالح المشتركة، لكن يتعين أن تستند كذلك إلى قيم عالمية معينة، فالدول المدنية اليونانية كان يحركها في القرن الخامس قبل الميلاد ما يُسمى بالمصالح القومية وكانت تتقاتل في ما بينها بوحشية.

والفيلسوف المعروف سقراط الذي شهد بعضاً من تلك الحروب كان ينتقد المعايير المزدوجة للديمقراطية اليونانية، ولهذا السبب نصح اليونانيين بتأييد قيم أخلاقية وعقلانية، لكن لسوء الحظ لم يكتفِ اليونانيون برفض ما قاله سقراط، بل أعدموه أيضاً.

غير أنه مع تعاقب عدد قليل من الأجيال، انهارت الحضارة اليونانية العظيمة، ألا يجدر بنا أن نتعلم من التجربة اليونانية؟ ألا تجدر بنا تنمية قدراتنا على القبول بالآخر من أجل الحضارة الإنسانية؟
 
إن الحوار مع إسرائيل يجب أن يكون مبنيا على الاعتراف بالكرامة الإنسانية والعدالة الأساسية، يتعين على إسرائيل الاعتراف بالحقيقة التاريخية التي تقول بأن الإسرائيليين أقاموا دولتهم عبر الطرد القسري للشعب الفلسطيني وأنه يتعين تقديم تعويضات إلى الفلسطينيين من أجل تسوية قضيتهم، ويتعين احترام حقهم في العودة إلى وطنهم، فهذا هو مطلب الحضارة والنظام الأخلاقي.

إن فكرة "الأرض مقابل السلام" خاطئة من الناحيتين الأخلاقية والأدبية، فهي خاطئة لأنها تعني أن هناك فريقاً مفتول العضلات يحتل أراضي فريق آخر، ثم يتفاوض على تلك الأراضي مع مالكيها الأصليين.

والأمر أشبه بسارق يعرض حصة ضئيلة من البضائع المسروقة على ضحيته مقابل إقامة علاقات جيدة معه، وهذا ما يعنيه الانسحاب من غزة، ومن الوقاحة أن إسرائيل استولت على مزيد من الأراضي في الضفة الغربية في ما كانت تنسحب من غزة، فهل إسرائيل جادة في التوصل إلى إي اتفاق سلمي؟ يتعين على باكستان أن تتأكد من نوايا إسرائيل قبل أن تبدأ أية مناقشات معها.
 
ينبغي علينا طرح الأسئلة حول نوايا إسرائيل لأنه سبق أن انتهكت كافة القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة في ما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

كما قامت بتسليح الصهاينة الذين جلبتهم من أجزاء مختلفة من العالم وتوطينهم في الأراضي الفلسطينية على الرغم من معارضة الرأي العام الدولي، كما أنها قسمت القرى الفلسطينية عبر بناء جدار ضخم في الأراضي الفلسطينية.

وهي لا تزال تقمع بكل وحشية كل من يعارض هذه النشاطات من الفلسطينيين وغيرهم، ومن المسيحيين والمسلمين على حد سواء.

وقد سحقت بجنازير جرافاتها أشخاصاً مثل راشيل كوري Rachel Corrie 1979-2003، وكانت ناشطةً أميركيةً وقفت في وجه عمليات الهدم الإسرائيلية لمنازل الفلسطينيين في مخيم للاجئين، كما أنها تدعي دائماً أن الفلسطينيين يعبرون الحدود الإسرائيلية من أجل القيام بنشاطات "إرهابية" داخل إسرائيل، وأنه لهذا السبب بات من الضروري بناء جدار يفصلها عن الفلسطينيين. إن إسرائيل لا تتصرف ككيان متحضر، وهي لذلك لا تستحق احترام العالم المتحضر.
ــــــــــــــ
كاتب بنغالي

المصدر : الجزيرة