ربما بدا الموقف الذي أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل بشأن مشاركة حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي ستجرى في شهر يناير/كانون الثاني من العام المقبل مفاجئا بالنسبة للكثيرين في الساحة الفلسطينية والعربية والدولية، لا سيما وأن إعلان الحركة عزمها دخول الانتخابات قد بدا في حينه نوعا من الانتصار للخط البراغماتي الذي يقوده الرئيس محمود عباس، وبالضرورة للمسار السياسي الذي يتبناه والقائم على إخراج الصراع من دائرة النزاع المسلح إلى دائرة التفاوض بصرف النظر عن مخرجاته.

والحال أن الدوائر الإسرائيلية لم تخف في ذلك الوقت ارتياحها لقرار حماس، وبالطبع على أمل أن يؤدي ذلك إلى سيناريو معروف يحولها إلى حركة سياسية تنبذ العنف المسلح، مع بقاء فتح هي الحركة المسيطرة على الساحة الفلسطينية، وفي العموم فإن السيناريو برمته كان يعتمد على أن الوضع الفلسطيني والعربي قد غدا جاهزا لاستقبال التطورات الجديدة في المنطقة بعد احتلال العراق.
 
"
شارون لم يتحدث عن مشاركة حماس في الانتخابات في قطاع غزة، وإنما حصر الحديث بشأن الضفة الغربية، وهو أمر لا يعتمد فقط على قدرته على التحكم بانتخابات الضفة مقابل عجزه عن ذلك في غزة، إذ إن بوسعه إعلان موقف صارم من المسألة برمتها يضع مصير التفاوض في كفة وإجراء الانتخابات في كفة
"
ما الذي طرأ إذن حتى يعلن شارون رفضه لمشاركة حماس في الانتخابات، ومن ثم عزمه على تعطيلها في حال الإصرار على تلك المشاركة من دون أن تتخلى الحركة عن سلاحها، بل وربما ميثاقها الداعي إلى شطب الدولة العبرية من الوجود.

ما ينبغي التذكير به ابتداء هو أن شارون لم يتحدث عن مشاركة حماس في الانتخابات في قطاع غزة، وإنما حصر الحديث في شأن الضفة الغربية، وهو أمر لا يعتمد فقط على قدرته على التحكم بانتخابات الضفة مقابل عجزه عن ذلك في غزة، إذ إن بوسعه إعلان موقف صارم من المسألة برمتها يضع مصير التفاوض في كفة وإجراء الانتخابات في كفة.
 
في ذات السياق لم يحصل شارون على دعم مطلق من إدارة بوش بشأن موقفه الجديد رغم الاستقبال الحافل الذي حظي به في نيويورك، ولقب "رجل السلام" الذي منح له من قبل الرئيس الأميركي، فضلا عن التساهل مع كل البنود البائسة التي وردت في خطابه، والتي أهانت حتى مؤسسة الأمم المتحدة التي كان يتحدث من على منصتها، ليس فقط من خلال تذكيره بعشرات "القرارات القاسية وغير العادلة" التي اتخذت من قبلها ضد دولته، ولكن أيضا بإعلانه الإصرار على استكمال بناء الجدار الذي صدر بحقه قرار صارم من محكمة العدل الدولية في لاهاي، والتابعة بدورها للأمم المتحدة.

في البداية وافقت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس على ما قاله شارون، لكنها عادت وعدلت قليلا في موقفها، غير أن رفضا واضحا لم يتوفر، بل إن موقف الرباعية الدولية أيضا قد انطوى على تأييد ما لشارون بالحديث عن الفصائل المسلحة التي ينبغي أن تترك السلاح كي تتأهل للمشاركة في العملية السياسية.
ليس من العسير القول إن موقف الولايات المتحدة من مشاركة حماس في الانتخابات لم يكن متشددا تبعا لإدراك تداعياته السياسة المحتملة على التهدئة في ظل استمرار النزيف العراقي، هذا الموقف ينسحب على المواقف الخاصة بالحركات الإسلامية عموما، إذ إن المطلوب أميركيا هو نماذج إسلامية متعاونة مع الاحتلال يمكن دعمها أو السكوت عليها في أقل تقدير، كما هو الحال في العراق وأفغانستان.
 
"
المطلوب أميركيا هو نماذج إسلامية متعاونة مع الاحتلال يمكن دعمها أو السكوت عليها في أقل تقدير، كما هو الحال في العراق وأفغانستان
"
ففي العراق لم تكن ثمة مشكلة في مشاركة قوى راديكالية على شاكلة حزب الدعوة بقيادة رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري، أو المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بقيادة عبد العزيز الحكيم، في الانتخابات رغم أن لكل منهما مليشيا مسلحة. كما لم تكن ثمة مشكلة في مشاركة أمراء الحرب وقادة المليشيات في أفغانستان، وكثير منها ما زال يحمل السلاح، في الانتخابات الأخيرة، والسبب أن هؤلاء جميعا قد وافقوا على بقاء الاحتلال، ولو كان لهم موقف مغاير لما كانت مشاركتهم مقبولة، وأقله ميسرة، الأمر الذي ينطبق على حماس التي تريد المشاركة في الانتخابات فيما هي تحمل السلاح.
 
ما يجب أن يقال ابتداء هو إن موقف شارون الجديد لم يأت من فراغ، فبالإضافة إلى دلالته السياسية على المستقبل، إلا أنه يشير من جانب آخر إلى ضيق شديد مما جرى خلال الأسابيع الأخيرة، ذلك أن احتفالات حماس بالانتصار في غزة، وإن بدت بالنسبة للبعض شكلا من أشكال التأكيد على "التنازل المؤلم" لشارون، إلا أنها من جهة أخرى تشكل تهديدا خطيرا بإعلانها نقل التجربة والإنجاز نحو الضفة الغريبة وتأكيدها أن السلاح لن يوضع جانبا إلا بتحرير كامل الأرض، والنتيجة أننا إزاء نفس تحريضي عالي النبرة يعني الكثير بالنسبة للحاضر والمستقبل.
مواقف حماس المؤكدة على العمل المسلح والمقاومة كمسار ينجز التحرير ليست هامشية التأثير، لا سيما إذا تذكرنا أن ما يريده شارون هو تعزيز الاستيطان في الضفة الغربية والقدس ومن ثم تكريس مشروعه للحل الانتقالي البعيد المدى، والذي ترجم بدولة مؤقتة في قطاع غزة تنضم إليها أجزاء أو كانتونات مفككة من الضفة الغربية. والخلاصة بالنسبة لشارون هي أن استمرار حماس في خطاب المقاومة والتحريض لا بد سيفسد عليه مشاريعه، لا سيما وأن فتح ستضطر من أجل كسب الجماهير إلى تبني خطاب مشابه.
 
"
الخلاصة بالنسبة لشارون هي أن استمرار حماس في خطاب المقاومة والتحريض لا بد سيفسد عليه مشاريعه، لا سيما وأن فتح ستضطر من أجل كسب الجماهير إلى تبني خطاب مشابه
"
بالنسبة لما يمكن أن يفعله شارون حيال مشاركة حماس في انتخابات الضفة، لا يبدو من العسير القول إنه مهم من حيث التأثير على آليات إجرائها، فالقدس مثلا لا يمكن أن تنضم إلى العملية من دون تعاون إسرائيلي واضح، وبوسع شارون أن يمنع الانتخابات بالكامل هناك، لكن وضع الضفة يبدو مختلفا إلى حد ما لكنه لا يخرج بحال عن دائرة السطوة الإسرائيلية، فالحواجز والطرق الالتفافية والمستوطنات واستمرار الاحتلال في معظم المناطق سيمنح الإسرائيليين فرصة مطاردة مرشحي حماس، وربما تعطيل العملية الانتخابية برمتها إذا أرادوا، وهو ما لا ينطبق على قطاع غزة، كما أسلفنا، ليس فقط بسبب انسحاب القوات الإسرائيلية، بل أيضا لأن شارون لا يمانع في مشاركة حماس في الانتخابات هناك.

كل ذلك لن يغير في حقيقة أن التعطيل لن يمس العملية الانتخابية برمتها، إذ إن إجراءها بشكل من الأشكال يظل ممكنا بل مطلوبا. صحيح أن حماس قد تخسر الكثير من الأصوات بفعل التضييق على مرشحيها، وربما ناخبيها أيضا، لكن ذلك لن يقلل أيضا من نسبة الأصوات التي ستحصل عليها، وهي أصوات ستمنحها المرتبة الثانية في كل الأحوال، لا سيما إذا ردت على احتمالات التضييق في الضفة بحملة واسعة في غزة التي تتمتع فيها بجماهيرية تفوق من دون شك جماهيرية حركة فتح، الأمر الذي يبدو مختلفا في الضفة التي تتساوى فيها الحركتان، فضلا عن الأبعاد العشائرية التي تمنح فتح كحزب للسلطة فرصة تجيير هذا البعد لصالحها بشكل من الأشكال.

من جانب آخر قد يؤدي الاستهداف الذي تتعرض له حركة حماس من قبل شارون إلى تصعيد رغبة الشارع الفلسطيني في الانتصار لها من دون أن يعني ذلك أن بوسعها الحصول على الغالبية.

"
إذ تأكدت فتح من فوز حماس بأغلبية أصوات الضفة وغزة فستلجأ إلى التزوير الذي سيجرى التسامح معه من قبل الأميركان، وفي العموم فإنه حتى السيناريو الجزائري لن يكون مستبعدا
"
إن إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة في الضفة وغزة لا بد سيمنح حماس ما لا يقل عن نصف أصوات الشارع، لكن ذلك لن يحدث، ففتح لن تسمح بفوز من هذا النوع، وإذا تأكدت أن حماس ستسعى بالفعل للحصول على الغالبية، الأمر الذي لا يبدو مرجحا تبعا لقناعة قيادة حماس بلا جدوى ذلك من الناحية العملية في ظل المعطيات المحلية والعربية والدولية، وقبل ذلك معطيات العلاقة مع الاحتلال، إذ تأكدت فتح من ذلك فستلجأ إلى التزوير الذي سيجري التسامح معه من قبل الأميركان، وفي العموم فإنه حتى السيناريو الجزائري لن يكون مستبعدا لو أخذت حماس الغالبية.

الأرجح أن ما تريده حماس في الوقت الراهن هو فوز كبير لا يصل الغالبية، لكنه جيد بحيث يسمح لها بالتأثير في التوجهات والقرار، مع أن التأثير لن يكون سهلا بالضرورة، إذ سيكون بوسع فتح، وكما هو الحال في العالم العربي أن تفعل ما تشاء وتترك أعضاء حماس في المجلس يقولون ما يشاؤون، لكن مسار التحالف مع قوى ورموز وطنية أخرى قد يكون أكثر ضمانا للتأثير في كل الأحوال.
 
نأتي هنا إلى دلالات الموقف الشاروني، وهنا يمكن الإشارة إلى جملة من الإجراءات ذات العلاقة بالموقف، فقد قررت السلطات الإسرائيلية أن المعابر الأربعة التي تفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية هي مناطق حدودية، وأن على من أراد اجتيازها أن يحصل على تأشيرة دخول، تماما كما لو كانت منطقة حدودية بين دولتين جارتين (ورد هذا المصطلح في بيان الرباعية الدولية)، فيما تحدثت مصادر إسرائيلية عن تهديدات نسبت إلى مسؤول كبير في مكتب شارون تتحدث عن إعادة وضع الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الحال الذي كانتا عليه قبل الاحتلال عام 67، أي إلحاقهما بالأردن ومصر. والنتيجة هي ترحيل الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى الأردن بعد تحويل حياتهم إلى جحيم بفعل الجدار، أما القطاع فيبقى الدولة الفلسطينية العتيدة التي ترتبط بعلاقة جوار مع الدولة العبرية، لا بأس أن يكون لها نزاعها الحدودي كما هو الحال مع عشرات النزاعات الحدودية في العالم.

في هذا السياق يبدو مناسبا نقل هذا الرأي للمحلل الإسرائيلي المعروف "ألوف بن" في صحيفة هآرتس، وهو رأي له أهميته تبعا لاطلاع الرجل على واقع وتفاصيل الحياة السياسية الإسرائيلية. يقول بن "منذ أن بدأت الأحاديث حول فك الارتباط بذل شارون مساعيه لترسيخ مكانة غزة المختلفة عن الضفة في مواجهة المحاولات الفلسطينية للإبقاء على العلاقة على العلاقة بين المكانين".
يضيف بن "الآن أثيرت مسألة الانتخابات الفلسطينية، وعاد شارون للتحدث عن التقسيم: الفلسطينيون يفعلون ما يحلو لهم في غزة، أما في الضفة فسيضطرون لقبول الإملاءات الإسرائيلية، وإلا فإن المرشحين والناخبين سيجدون صعوبة في التحرك على الحواجز". ويصل الأمر بالمحلل الإسرائيلي حد الحديث عن إمكانية أن تكون هناك فلسطين شرقية في الضفة وأخرى غربية في غزة.

"
مشروع شارون للحل الانتقالي البعيد المدى قد بقي على حاله، وهو ذاته مشروع الدولة المؤقتة في غزة التي ترتبط مع كانتونات الضفة ضمن مسار الجدار، مع الأمل بأن يؤدي ذلك إلى ترانسفير طوعي نحو الأردن
"
خلاصة الموقف هي أن مشروع شارون للحل الانتقالي البعيد المدى قد بقي على حاله، وهو ذاته مشروع الدولة المؤقتة في غزة التي ترتبط مع كانتونات الضفة ضمن مسار الجدار، مع الأمل بأن يؤدي ذلك إلى ترانسفير طوعي نحو الأردن.
بقي أن نقول إن على السلطة أن ترد بقوة، وهي ردت في واقع الحال، على مواقف شارون بشأن الانتخابات، لكن الأهم هو الردود القوية التي تتم مع القوى الفلسطينية على مشاريع الاستيطان الجديدة واستمرار بناء الجدار، وما من شك أن قوة الردود ستعتمد على تطورات المشهد العراقي وموقف النظام العربي الرسمي وعلى رأسه مصر.

ولأن شارون لا يملك ما يقدمه للفلسطينيين، فيما عليه إلا أن ينفذ وعوده بشأن الجزء الثاني من مشروعه، فإن أفق التسوية يبقى مسدودا، ما يتطلب التأكيد أن المسألة الأساسية في الساحة الفلسطينية ليست الديمقراطية والانتخابات، بل الاحتلال والواقع البائس الذي يفرضه على الفلسطينيين، وإذا كانت المرحلة الحالية قد فرضت التهدئة فإن فشل المشروع الأميركي في العراق قد يبشر بمرحلة مقاومة أخرى يتحقق من خلالها دحر آخر للاحتلال عن أجزاء جديدة من الأرض الفلسطينية.
_________________

المصدر : الجزيرة