هل يفيد ما يصدر الآن باسم بعض الحكام في العالم العربي والإسلامي من فتاوى دينية في معالجة التطرف الديني أو الحد منه بأي صورة من الصور؟ أم هل هي بيانات دعائية أو استرضائية لأميركا يريد بها هؤلاء تبرئة أنفسهم من تهمة "الإرهاب" التي تلبسها أميركا لمن تشاء؟ أم هي عرائض تقدم لها للاستقواء بها على المعارضة الداخلية وتبرير الأنظمة لتاريخ من القمع المتصل لمواطنيها بأنه حرب على الإرهاب, بعد أن كان هذا القمع مدانا باعتباره انتهاكا لحقوق الإنسان, خاصة بعد طرح أميركا لما أسمته مشروع "الدمقرطة"؟
 
أم هل هي مجرد خطابات بروتوكولية وإنشاء لا تقدم ولا تؤخر, مثل الكثير من خطابات حكام العالم الثالث من على المنابر الدولية؟ أم هل هي أمر ضار يولد نقيضه أو يساعد على تفاقم مشكلة التطرف والتخندق العقائدي التي يفترض أن هذه الفتاوى والبيانات تصدر لعلاجها أو الحد منها؟
 
لننظر بداية إلى المشكلة "الآنية" المتمثلة في الاستعداء والاقتتال الذي يمارس في العالم الآن باسم الدين, وبتكفير أو إقصاء طرف لآخر من ديانة أخرى، أو ما بين أتباع الديانة ذاتها.
 
"
أي فعل سياسي, سلمي أو عنيف, لن يتأتى من فتوى عقائدية أو فقهية إلا حين يوظفه سياسي عن قناعة به أو باستغلال له, ليقدم بناء عليه وصفة سياسية لمجموعة من الأتباع أو التلامذة أو المريدين
"
ولننظر في أمرين أساسيين: مصدرو هذه الفتاوى ومستقبلوها الذين يصبحون أتباعا مجندين مجيشين على درجات, وصولا لحمل السلاح فعليا.
 
المصدر هو دائما جهة سياسية، فحتى لو صدرت ذات الفتوى العقائدية أو الفقهية من رجل دين أو مفكر أو فيلسوف محايد يعمل في الفلسفة أو اللاهوت كأنشطة ذهنية أو روحانية مجردة, فإن أي فعل سياسي, سلمي أو عنيف, لن يتأتى من هذا الفكر إلا حين يوظفه سياسي, عن قناعة به أو باستغلال له, لا فرق, ليقدم بناء عليه وصفة سياسية لمجموعة من الأتباع أو التلامذة أو المريدين..
 
وتتفاوت التسميات حسب مسوح الروحانية التي تُسبغ أو تُزعم، ومن هنا فإن وضع أو مكانة أو دور أو حتى الصفات الشخصية الخاصة بمرسل الرسالة, هي التي تحدد مدى تقبلها من عامة الناس أو من فئة مستهدفة منهم.
 
وغني عن القول إن "مفتي السلطان" عبارة قديمة متجددة تعني من يدبج الفتاوى إرضاء لرغبات ومصالح السلطان، وهذا وحده قد يكفينا لبيان أن ما يصدر عن الحكام أو بمباركتهم مرفوض ابتداء عند جموع المسلمين, في حين أن ما يصدر عن قيادات المعارضة مقبول عند قطاعات واسعة ابتداء.
 
ولهذا الرفض لمفتي السلطان والقبول بفتوى المعارضة الدينية كما السياسية العلمانية, عدة أسباب منها: أولا أن المعارضة في العالم العربي والإسلامي هي غير المعارضة في العالم الديمقراطي المتقدم حيث تداول السلطة, أي التناوب وليس التضاد والإلغاء، وهكذا تصبح المعارضة المنافس الإيجابي المحفز لرشاد الحكم وأهم عوامل انضباطه في الدول الديمقراطية.
 
بينما تعتبر سلطات الحكم في العالم العربي المعارضة عدوا لها يريد الانقضاض على نفوذها وامتيازاتها الحصرية, فتحشد قوى الأمن والمخابرات, وأحيانا تحرك الجيوش لقمعها وتصفيتها، فإن المعارضة الحقيقية تصبح أقرب للعمل السري في خطابها ووسائل حشد الدعم لها, مما لا يمكّن من محاجة طروحاتها الحقيقية مهما تطرفت, وليس طروحاتها المعتدلة أصلا أو المعدّلة لأغراض "التقية" بل ويكتسب التطرف بالذات قداسة السر الديني عند أتباعه!
 
"
بينما تعتبر سلطات الحكم في العالم العربي المعارضة عدوا لها فإن المعارضة الحقيقية تصبح أقرب للعمل السري في خطابها مما لا يمكّن من محاجة طروحاتها الحقيقية مهما تطرفت
"
والسبب الثاني يكمن في "شخوص" قادة المعارضة في الدول غير الديمقراطية، فمن يتمكنون من خرق كل هذه القيود والحجر والتعتيم ليصبحوا قادة معارضة, يصبحون المالكين بحق لحصة من الشرعية الديمقراطية لطروحاتهم تتناسب مع حجم جمهورهم أو أتباعهم, وهي الشرعية التي يفتقد إليها الحكام بالمقابل, في النظم غير الديمقراطية.
 
إضافة لكون زعماء المعارضة عادة من الشخصيات القوية الشجاعة والمفوهة, وكثيرا ما يكونون من أصحاب الكاريزما الشخصية, بدليل قدرتهم على استقطاب المستمعين الذين يصبحون مؤيدين أو مريدين أو أتباعا.
 
وغني عن القول إن هذه حالة لا يستطيع الحكام منافستها لأن الإقناع والسمات القيادية والكاريزما لم تكن من مقومات وصولهم للحكم أو بقائهم فيه، وإن ملكوها ابتداء واستثناء كموهبة شخصية, فإنها آخر القدرات التي تُطور لديهم، بل إن من مساوئ السلطة المطلقة أنها تقتل هذه السمات وتربي بدلا منها نرجسية زائدة تغذيها الحاشية الطفيلية التي تتجمع حول الحكام!
 
أما السبب الثالث لتقدم خطاب المعارضة وطروحاتها شعبيا على خطاب السلطة, فهو أن المعارضة في العالم العربي نشأت وتنشأ لتلبي حاجات وتطالب بحقوق معيشية وإنسانية أساسية من النوع الذي يرتضي الكثيرون الموت من أجله, وليس كممارسة اختيارية, وأحيانا ترفية, للحقوق السياسية الميسرة كما في الدول الديمقراطية الحقة، فتلك أقرب لممارسة الرياضة لأغراض اللياقة والشكل الأجمل, بينما في عالمنا تجازف المعارضة بالتعرض يوميا لمبضع مشكوك في علم كما في حياد حامليه, لأن قضايانا هي قضايا حياة أو موت!
 
ونأتي لمستقبلي هذه الفتاوى أو المستهدفين منها, وهم عامة الناس, بل ومن يسميهم جهابذة الإفتاء "العوام"، و "العوام" هم مصدر الخطر الأكبر, ليس فقط لسهولة انجرافهم وراء فتاوى قد تكون مضللة أو غير صحيحة, بل من مجرد جعلهم ساحة احتراب وهدف استقطاب على أساس الفتاوى الدينية لأغراض سياسية.
 
"
"العوام" هم مصدر الخطر الأكبر, ليس فقط لسهولة انجرافهم وراء فتاوى قد تكون مضللة أو غير صحيحة, بل من مجرد جعلهم ساحة احتراب وهدف استقطاب على أساس الفتاوى الدينية لأغراض سياسية
"
فقضايا الدين ليست كقضايا "العلم" -رغم إصرار رجال الدين على تسمية مباحثهم بالعلم, ورفضهم تعبير "الفلسفة" بالمقابل- قابلة للحسم ببينة التجريب, حتى تتبين فيها الحقائق من الأكاذيب, والصواب من الخطأ بمراكمة المعارف العلمية، وإنما هي قضايا فلسفية من جهة, يجوز فيها أكثر من صواب وأكثر من حق حسب وجهة نظر المفكر أو الفيلسوف, ثم هي قضايا تنبع من حالات وجدانية وحاجات نفسية, خاصة أو عامة عند كافة البشر, ليس هنا مجال سردها أنتجت على امتداد تاريخ البشرية عددا كبيرا من الديانات, كما أن أصحاب الديانة الواحدة لهم رؤى متباينة لأكثر من شأن في دينهم ذاك.
 
ومن الثابت أن الصحابة أنفسهم, ومنهم الخلفاء الراشدون, اختلفوا في الفقهيات "التفاسير والفتاوى" كما اختلفوا في العقديات "الأمور المتعلقة بالعقيدة", وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين واكبوا نزول الرسالة أولا بأول كما واكبوا تفسيراته وتطبيقاته لها.
 
وقد بلغ القلق الفلسفي العقائدي بصحابي ومفكر وفقيه في وزن عمر بن الخطاب لا أقل, أن يدعو ربه بأن يمنحه "إيمان العجائز"! فإذا أضفنا إلى هذا الذي كان زمن عمر, ما تراكم بعده, فإن القارئ المعاصر سيقف عاجزا عن المفاضلة, أو يفاضل عاطفيا أو بعد تعب وفي لحظة تسليم لآخر نص تأثر به.
 
أما الغالبية الساحقة من الناس, فهم إما سيفرون حتما لو قدتهم إلى مشارف هذا الذي تراكم من فتاوى وتفاسير أبجديات الكلام الواردة فيها تغيرت واستحدثت اصطلاحات لا يلم بها حتى المثقفون ودارسو اللغة العربية أو الفلسفة حاليا.. أو سيصابون بلوثة أو انهيار عصبي, ومن أعراضه أن يلقوا بأنفسهم عند أول فتوى لأول شيخ أو إمام أو "أمير" جماعة تتلقفهم..
 
"
إن فتوى تخرج بعد اجتماع لعشرات أو حتى مئات الشيوخ, بدعوة رسمية وليس لأنهم تنادوا لإنقاذ الأمة, أقصى ما يمكن أن يقال عنها هو إنها هدنة سياسية بين هؤلاء الشيوخ لا ندري إلى أي حد تلزم أتباعهم
"
فلابد لهذا المنقذ, كما المعطف الأبيض والسماعة للطبيب, أن يكون بلحية ودشداشة أو عباءة, ليطمئن إلى "علمه" وتقواه هؤلاء التائهون في بحثهم عن خلاصهم الديني والدنيوي معا في "برشامة" يقال لهم إنها مزدوجة المفعول, وليس عن متاهات أعوص بين أكوام الفقهيات والعقائديات المتضاربة المتراكمة على امتداد أربعة عشر قرنا من فتاوى السلاطين وفتاوى معارضيهم!
 
إن فتوى تخرج بعد اجتماع لعشرات أو حتى مئات الشيوخ, بدعوة رسمية وليس لأنهم تنادوا لإنقاذ الأمة, أقصى ما يمكن أن يقال عنها هو إنها هدنة سياسية بين هؤلاء الشيوخ لا ندري إلى أي حد تلزم أتباعهم, هذا لمن له أتباع منهم.
 
فكافة الحروب بين المسلمين جرت على أساس توظيف الدين لخدمة السياسة, منذ مقتل الخليفة عثمان بن عفان ومعارك الجمل وصفين وتنازع الأمويين مع أتباع علي والخوارج وغيرها من المذاهب والجماعات التي توالت بعد قيام حكم العباسيين وصولا إلى حكم العثمانيين وصراعهم مع الصفويين في إيران.
 
وكان التحزب ضمن طوائف ومذاهب سياسية ضروريا لكل معارض أو طامح لأن الحكم كان يتم باسم "الخلافة", أي خلافة رسول الله أو خلافة خلفائه بالتسلسل الذي لم يتوقف زعمه وتنازعه إلى يومنا هذا، حتى صدّق العديد من المسلمين البسطاء هذا الخلاف الديني لصراعات وثورات سياسية, وبات يعتقد أنه هو أيضا مجند لإحياء حكم الإسلام الصحيح بين عدة أحكام تدعي كلها أنها وحدها الصحيحة!
 
وآخر إعلان استصدر من أكبر مجموعة من الشيوخ مؤخرا هو أبعد ما يكون عن أن يصل للعينة المستهدفة "للعوام"! فهو يحدد أن من لا يجوز تكفيره، يحرم بالتالي دمه وماله وعرضه على المسلم, هم من يمثلهم هؤلاء المجتمعون وهم:
 
المذاهب السنية الأربعة (وهذه لا يعرف الفروق بينها غالبية المسلمين)، والمذاهب الشيعية الجعفرية والزيدية والأباظية والظاهرية (هذه من يعلم عنها أقل) ومفكريها "وهؤلاء يعجز غالبية أتباع هذه المذاهب أنفسهم عن حصرهم أو بيان الفروق بين مدارسهم الفكرية".
 
"
في عصرنا هذا للسياسة شرعية واحدة هي الديمقراطية، وحين تسود يتساوى الناس أمام القانون فلا تعود هنالك هذه المشاكل الحياتية والحقوقية المتفاقمة من ظلم وفساد والتي تجعل الناس ييأسون من وجود عدالة بشرية على الأرض
"
ولكن حتى لو سلمنا بأن هذه اتفاقية سلام نهائية عقدت أخيرا بعد أربعة عشر قرنا من الاقتتال فماذا يعني هذا, ليس عند التكفيريين الذين ندينهم جميعا, بل عند عامة المسلمين الذين هم المخزون الذي يستمد منه التكفيريون جيوشهم؟ يعني أن من هم من هذه الفئات لا يجوز تكفيرهم, فماذا عمن هم من خارجهم, أو من لا يعرفون كيف يتم تصنيفهم بالتحديد وأين خالفوا مَن مِن أئمة هذه المذاهب أو مفكريها؟
 
معنى هذا ببساطة أن من هم خارج هؤلاء أو غير معنيين بتقسيماتهم أو استقطاباتهم السياسية, من المسلمين وليس فقط من غير المسلمين, يجوز تكفيرهم ويحل دمهم وعرضهم ومالهم.
 
فتلك هي القراءة القانونية والشرعية لنص البيان بصورته هذه, وأقولها "كمشرع", وليفند قولي المشرعون إن استطاعوا.. وتلك لعبة السلطة الدينية المزدوجة مع السلطة السياسية, بحيث تعطيها فتاوى مزدوجة التفسير ترضي الساسة ولكنها لا تتنازل عن سلطة "الكهنوت" المقحم على الإسلام من باب السياسة, والمتمثلة في توزيع صكوك الغفران أو التكفير.. وهي نفسها منذ عرافات أبوللو في اليونان, إلى كهنة الفراعنة, إلى رجال الكنيسة في أوروبا القرون الوسطى!
 
في عصرنا هذا, للسياسة شرعية واحدة هي الديمقراطية، وحين تسود يتساوى الناس أمام القانون المتوافق عليه ديمقراطيا فلا تعود هنالك أصلا هذه المشاكل الحياتية والحقوقية المتفاقمة من ظلم وفساد, والتي تجعل الناس ييأسون من وجود عدالة بشرية على الأرض, فيبدؤون رحلة الهروب في طلب "برشامة" نازلة من السماء عند أحد "الأولياء" الذين هم حتما ليسوا, في معايير كافة الشعوب العربية والمسلمة, لا السلاطين ولا مفتوهم، فلا فائدة من توسيع الحلقة الجهنمية التي تبدأ لحظة تسييس الدين, أي دين, من أي كان!
ــــــــــــــ
كاتبة أردنية

المصدر : الجزيرة