عادل لطيفي

 

- مجلس الأمن مجلس الكبار

- مجلس الأمن.. نشر الديمقراطية والسلم؟

- تجاوز مجلس الأمن ضرورة دولية

 

منذ نهاية الحرب الباردة وبداية تبلور الملامح الجيوسياسية للعالم الجديد، وخاصة في أعقاب حرب الخليج الثانية، حيث برزت رهانات جديدة على مستوى العلاقات الدولية، ما انفكت الأصوات تتعالى بإصلاح الأمم المتحدة وضمان فعالياتها في سياق أصبحت فيه الحرب على الإرهاب والحد من النزاعات الإقليمية والعرقية الهاجس الأول للدول الكبرى.

 

وبالرغم من تعارض المنطلاقات التي تحرك كل طرف للمطالبة بإصلاح هذا الهيكل الدولي، فهناك اتفاق ضمني بين هذه الأطراف على أن الإصلاح يمر عبر إدخال نوع من التوازن على تركيبة مجلس الأمن بتوسيع العضوية الدائمة وكذلك حق النقض.

 

وأصبح بذلك مجلس الأمن هو الممر الحقيقي لضمان أي تغيير في العلاقات الدولية، وهذا يعني التسليم ضمنا بأن مشكل العلاقات الدولية هو مشكل أمني وأن حله لن يكون إلا من خلال هيكل أمني.

 

فقلما سمعنا خلال القمة الأممية الأخيرة (سبتمبر/أيلول 2005) من يتحدث عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي المؤسسة الأكثر عقما بالفعل.

 

"
العالم العربي هو الضحية الأولى لمجلس الأمن، ولكن ليس لأنه عربي بل لأنه يشكل جزءا مهما من كتلة الجنوب المهمشة
"
مجلس الأمن مجلس الكبار

إن ما يشد الانتباه بالفعل فيما يتعلق بالهيكل التنظيمي وبآليات عمل مجلس الأمن أنه حافظ إلى أبعد الحدود على حالته الأولى يوم ولادته إثر الحرب العالمية الثانية، وربما ذهبنا أبعد من ذلك بالقول إنه يستمد شرعيته التاريخية العميقة من أوضاع ما بعد الحرب العالمية الأولى.

 

فمبدأ العضوية الدائمة وحق النقض يعدان صياغة جديدة لمبدإ انفراد القوى المنتصرة على حساب ألمانيا خلال الحرب الأولى وكذلك على حساب المستعمرات المغيبة.

 

وما مبدأ العضوية الدائمة وحق النقض إلا شكل من أشكال العقاب للدول الاستعمارية الصاعدة وعلى رأسها ألمانيا وإيطاليا واليابان.

 

والسؤال المطروح هنا هو كيف يمكن لهذا الهيكل المنبثق عن سياق الحرب وعن عقلية وثقافة الحرب أن يقوم بدور ما في إحلال السلم الدولي في ظل استمرار عقلية الأطماع الاقتصادية؟

 

لقد مر مجلس الأمن بثلاث مراحل رئيسية، كلها تبين مدى ارتباطه بظرفيات دولية محددة. تتمثل المرحلة الأولى وهي وجيزة أعقبت تأسيسه، في استعماله كأداة للقضاء على أي إمكانية لعودة قوى المحور المنهزمة إلى ادعاءاتها التوسعية، وفي هذا السياق أضفى مجلس الأمن شرعية على الإجراءات العقابية والوقائية التي ارتأتها الدول المنتصرة وخاصة الغربية منها.

 

كما أضفى هذا المجلس شرعية على مكاسب المنتصرين الجيوستراتيجية، مثل هيمنة الدول الغربية على الشرق الأوسط التي في إطارها تم تسهيل قيام دولة إسرائيل مثلا.

 

لكن الصعود المفاجئ للاتحاد السوفياتي، الذي لم يخف رغبته التوسعية، وتدشين عصر التسلح النووي، بالإضافة إلى الاندماج السريع لألمانيا واليابان، أدى إلى تغيير دور مجلس الأمن.

 

وفي هذه المرحلة الجديدة، مرحلة الحرب الباردة، أصبحت مهمة مجلس الأمن هي المحافظة على توازن الرعب بين طرفي الصراع الدولي، الدول الغربية والمعسكر الشرقي.

 

هذا ما يبدو في ظاهر الأشياء، لأن ما كان يهم هذين الطرفين حقا هو أولا ضمان التفوق على دول الجنوب وضمان وجود هامش لتطويعها لخدمة هذا الطرف أو ذاك من الدول الكبرى.

 

فلم تستخدم الدول الدائمة العضوية، من هذا الجانب أو من ذاك، حق النقض في مجلس الأمن لحماية دولة ما إلا إذا كانت تدور في فلكها السياسي والعسكري، ولم يحصل أن استخدمت أي دولة نفوذها ضد الميز العنصري في أفريقيا، إلا في فترة متأخرة، كما لم يحصل أن تمت متابعة تطبيق القرارات في حالتي تركيا وإسرائيل، الدولتين اللتين صدرت في شأنهما أكثر القرارات، وهذا يعود لما لهذين الدولتين من وزن في المعادلة الغربية إبان الحرب الباردة.

 

أما المرحلة الثالثة فهي تلك التي بدأت مع حرب الخليج الثانية وأعادت توزيع الأوراق على الصعيد الدولي.

 

وخلال هذه المرحلة برزت بوضوح أكثر نزعة تطويع هذه المؤسسة لأغراض الدول الكبرى سواء في حال اتفاقها أو اختلافها.

 

وقد كانت الحرب الأميركية الأخيرة على العراق شاهدا على مثل محاولات هذا التوظيف السياسي لمجلس الأمن، الذي انتهى إلى تحييده بسبب الخلاف على مستوى المصالح بين مكوناته الفاعلة.

 

هذه هي ثنائية عمل مجلس الأمن، إما الفاعلية إذا تعلق الأمر بدول الجنوب وخاصة إذا وجدت رهانات جيوستراتيجية واقتصادية محفزة، وإما التحييد التام إذا لم تكن لهذه البلدان مصلحة.

 

لقد توحد العالم، خلال هذه المرحلة الثالثة، على أساس مبدإ الاقتصاد الحر، وقد أنيطت بمجلس الأمن مهمة تهيئة الظروف السياسية الملائمة، من نشر السلم وتوزيع الديمقراطية الجاهزة، لتوسيع اقتصاد السوق والتبادل التجاري الحر.

 

إن كلمة الرئيس الأميركي خلال القمة الأممية الحالية تمثل مدخلا لفرض عقلية القوى الاقتصادية الفاعلة على المنظمة الأممية، فتوسيع عضوية مجلس الأمن من وجهة نظر أميركية تعني قبول دول لا تمثل عائقا، أما الحرية المطلقة فهي لتحرك السلع والرساميل.

 

لسنا في الحاجة إلى التعمق أكثر في تاريخ مجلس الأمن والأمم المتحدة لنقف على عينات حية لهذا التوظيف، وخاصة في العالم العربي الذي يعد أحد "القاطنين" المميزين لهذه المؤسسة الدولية، سواء من حيث عدد القرارات التي اتخذت ضده (العراق، السودان، سوريا، ليبيا) أو لصالحه نسبيا (فلسطين) دون أن نأخذ بعين الاعتبار القرارات التي تم رفضها عن طريق الفيتو الأميركي.

 

هذا ما يسمح لنا بالقول دون أي تهويل إن العالم العربي هو الضحية الأولى لمجلس الأمن، ولكن ليس لأنه عربي بل لأنه يشكل جزءا مهما من كتلة الجنوب المهمشة.

 

"
التركيبة غير الشرعية أخلاقيا لمجلس الأمن وآليات العمل الإقصائية لا تؤهلانه للعب أي دور سواء كان ذلك في إحلال السلام أو في نشر الديمقراطية
"
مجلس الأمن.. نشر الديمقراطية والسلم؟

إن هذا التاريخ المريب لمجلس الأمن منذ تأسيسه، وارتباطه بمصالح الدول الأكثر فاعلية، يجعل من الصعب اعتباره وسيلة ناجعة لنشر السلم والديمقراطية في عالم اليوم.

 

هذه الجذور التاريخية التي انبنت على مبدإ الإقصاء لضمان التطويع السلس لهذه المؤسسة تتأكد من خلال آليات عملها لحل القضايا.

 

فتقسيم القرارات إلى ملزمة وغير ملزمة وكذلك الإدانة، ليست إلا أشكالا من التحايل القانوني لمنح الدول الكبرى وسائل أكثر لتنويع أساليب مماطلتها، فحتى وإن اتخذت قرارات ملزمة، كما هو الحال مع إسرائيل، فلا نجد رغبة لمتابعة التنفيذ.

 

هذا ما نلاحظه بتتبع دور مجلس الأمن ومن ورائه الدول الكبرى في قضية الأسلحة النووية، إذ في حين يتم توعد إيران بإحالة ملفها إلى مجلس الأمن، أي التهديد بالتطبيق الحرفي لقراراته، نرى الدول الأوروبية والولايات المتحدة تعطي الوقت الكافي لكوريا الجنوبية لإيجاد صيغة تفاهم، كما تغض الطرف عن التسلح النووي الإسرائيلي المؤكد.

 

لن نضيف هنا حالات ليبيا والعراق والسودان، فكل هذه حالات تغذي الشعور بالإهانة لدى الشرائح الشعبية بهذه البلدان، وتشجع على ردود الفعل العمياء في أشكالها الجهادية، لهذا أعتقد أن لمجلس الأمن دوره كذلك في إفراز الإرهاب من خلال تدعيمه للإحساس الشعبي بالإهانة في البلدان العربية والإسلامية.

 

أما الجانب الثاني الذي يجعل تصور دور ما لمجلس الأمن من الصعب، فيتعلق بمبدإ العضوية الدائمة وحق النقض، إذ إن هذه المبادئ التي أفرزتها ظروف التنافس الرأسمالي الدولي في فترة ما بين الحربين تبدو غير مناسبة لجعل مجلس الأمن يلعب دوره لنشر السلم والديمقراطية في العالم، لأن هذا الجهاز مؤسس على عقلية التمييز بين الأمم الكبرى والصغرى أو المهمشة.

 

يذكرنا هذا الوضع بالعوائق التي واجهت ترسيخ الحريات والممارسة الديمقراطية على الصعيد الوطني في البلدان الغربية، حين لم تقبل البرجوزيات القوية بمبدإ المساواة السياسية مع الشرائح الشعبية واعتبرت نفسها مميزة سياسيا.

 

هكذا كان حال فرنسا مثلا بعد ثورة 1789، عندما تم اعتماد مبدأ الثروة للحصول على حق التصويت وكذلك حال بريطانيا بعد ثورة 1688.

 

يبدو أن هذه التجارب الإقصائية الوطنية، في طور إعادة الإنتاج على الصعيد الدولي من خلال مجلس الأمن وحتى من خلال باقي مؤسسات الأمم المتحدة.

 

سؤالان رئيسيان يطرحان هنا: أولا بأي شرعية تنفرد خمس دول بحق تقرير مصير العالم؟ ثم كيف يمكن لهذه الدول أن تحتكر لنفسها المقاعد الأكثر نفوذا دون أي تحديد زمني؟

 

لا يمكننا أن نجد فرقا كبيرا بين هذه العضوية الدائمة وبين مبادئ التزكية والتعيين أو الحكم مدى الحياة التي تعتمدها الأنظمة غير الديمقراطية.

 

إن هذه التركيبة غير الشرعية أخلاقيا وآليات العمل الإقصائية لا تؤهلان مجلس الأمن للعب أي دور سواء في إحلال السلام أو في نشر الديمقراطية، حتى بطبختها الأميركية. إنه جزء من المشكل وليس الحل.

 

"
لا بد من تجاوز مجلس الأمن بشكله الحالي لأنه يذكر بنموذج الأنظمة العسكرية والزبونة، وذلك إما بإلغائه أو بإعطائه صبغة تنفيذية خاضعة لمراقبة الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة
"
تجاوز مجلس الأمن ضرورة دولية

من بين المفارقات التي نعيشها اليوم مفارقة تتمثل في وجود تيار عام لنشر ديمقراطيات محلية وإقليمية إلى جانب توجه مضاد نحو بناء دكتاتورية عالمية من خلال تطعيم مجلس الأمن بحلفاء الدول التقليدية الفاعلة وتكريس الانفراد بالقرار الدولي.

 

إن دول الجنوب اليوم لأشبه بفقراء الدول الغربية بعيد الثورات السياسية التي أطاحت بالأنظمة الملكية والإقطاعية، فمثلما لم يكن بإمكان برجوازيات ذلك العهد استساغة تساوي الحقوق المدنية بينها وبين الفقراء والمهمشين، ليس باستطاعة الولايات المتحدة اليوم أن تستسيغ مساواة صوتها بصوت دولة النيجر على سبيل المثال، لتحديد السياسة الدولية.

 

أعتقد أن إصلاح منظمة الأمم لمتحدة يمر عبر دمقرطة هياكلها من ناحية، ومن ناحية ثانية عبر مواجهة المشاكل الحقيقية التي تهدد مجتمعات العالم.

 

بالنسبة للنقطة الأولى لا بد من تجاوز مجلس الأمن بشكله الحالي لأنه يذكر بنموذج الأنظمة العسكرية والزبونة، وذلك إما بإلغائه أو بإعطائه صبغة تنفيذية خاضعة لمراقبة الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة.

 

حول هذه المؤسسة الأخيرة، الهيئة العامة، يجب أن تدور كل الإصلاحات وذلك أولا باعتماد مساواة في الأصوات، وهو معمول به حاليا، وثانيا وهو الأهم بإعطائها حق النظر في القضايا وإصدار قرارات إلزامية عن طريق الاقتراع.

 

ولضمان مثل هذا الحل يجب حصر حق التصويت على البلدان التي تنتخب حكوماتها بشكل ديمقراطي تؤكد نزاهته الأمم المتحدة، في حين تحتفظ البلدان الأخرى، والتي لا يوجد فيها تداول حر على السلطة، بالعضوية بصفة مراقب.

 

أما مساهمة البلدان في ميزانية المنظمة فيجب أن تتم على أساس الناتج القومي الخام على نمط الضرائب على الدخل المفروضة على الأشخاص في أغلب بلدان العالم.

 

أما الجانب الثاني من الحل فيتمثل في مجابهة المشاكل الحقيقية التي تواجه المجتمع الإنساني وليس فقط تلك التي مسّت مؤخرا بعض الدول الكبرى مثل الإرهاب الذي لم يتم الالتفات إليه إلا عندما انقلب السحر على الساحر.

 

مشاكل العالم الحقيقية اليوم، تجسدها مشاهد جحافل أشباه الأحياء من سكان أفريقيا الذين يموتون اليوم بالملايين من جراء الجوع والعطش والأمراض، ثلاث مشاكل تلخصها كلمة واحدة هي الفقر.

 

إن المعضلة الرئيسية التي يجب تجنيد كل القوى للقضاء عليها هي الفقر، لأن الحروب الأهلية والنزاعات العرقية وحتى الإرهاب، تجد كلها في الفقر والإقصاء بيئة ملائمة لخلق قاعدة اجتماعية وتوسيع لدائرة المأساة الإنسانية.

_________________________

كاتب تونسي

المصدر : الجزيرة