بناء المستقبل لا يتحقق إلا جماعيا، فلا مستقبل لفئة أو تيار، أو طائفة أو تنظيم، أو فرد من الأفراد، بمعزل عن مستقبل سائر الفئات والتيارات والطوائف والتنظيمات والأفراد الآخرين.
 
وقد يختلف العاملون وهم يعملون فيتحقّق الإنجاز ويكمل بعضه بعضا، ويقع الخطأ ويجد التصحيح، إنما يستحيل العمل عند انتظار الشروع فيه إلى ما بعد تجاوز الاختلافات، فتغييبها هو المستحيل.
 
إنما يتطلب العمل الجماعي -رغم الاختلاف- أرضية مشتركة تضبط بقواعد مشتركة المنطلقات والمسيرة والأهداف، والتعامل من وراء الاختلاف بتلك القواعد.
 
وليس من سبيل للوصول إلى ذلك دون حوار وتفاهم، وبالتالي لا مندوحة عن تثبيت قاعدة أولى بسيطة وبالغة الأهمية، أن تُفهم الكلمة عند سامعها أو قارئها على نحو مطابق لمقصد قائلها أو كاتبها، سواء اتفق الطرفان على تأييد مضمونها أم اختلفا.
 
"
العمل الجماعي يتطلب أرضية مشتركة،  وليس من سبيل إلى ذلك دون حوار يمكن من فهم الكلمة على نحو مطابق لمقصد قائلها أو كاتبها
"
وأول من يحمل مسؤولية عمل مشترك أو جهود يكمل بعضها بعضا لتجاوز فوضى المصطلحات ومفعولها هم الراغبون في حوار جاد وهادف بين التيارات الموجودة في الدائرة الحضارية الإسلامية، للخروج من حقبة صراع مضت، والتأسيس لحقبة مستقبلية أخرى، على أرضية حوار، لن تستقر ما دامت الكلمات التي يقولها أحد الأطراف يفهمها ويصنفها الطرف الآخر على نحو مغاير لمقصد قائلها.
 
كما أن تجاهل مقصد الآخر، واستخدام مصطلحات عدائية أو تضليلية، أو حتى حيادية ولكن في قوالب الاتهام والتخوين والتخويف، واستخدام الأساليب الغوغائية، جميع ذلك يفقد الطرف المعني مصداقيته ويحول الحوار بمشاركته إلى جدل عقيم.
 
الحديث عما نريد معا، يتطلب وقفة عند الأرضية التي يمكن التحرك المشترك عليها، والمعطيات الإيجابية أو السلبية، التي أوجدتها جهود عدة عقود ماضية، اتخذت صبغة جولات متتابعة من الصراع الفكري في الدرجة الأولى، فكانت دوامة المصطلحات من إنتاجه.
 
والسعي للخروج منها هو إسهام في ضبط استخدام الكلمة، أداة التفاهم في أي حوار، مع التركيز على رؤية موضوعية لخلفيات المطروح والمتداول من مصطلحات، مع التبسيط قدر الإمكان، فأحد الأغراض الرئيسية من البحث هو كسر ما يمكن وصفه بمزاعم احتكار فهم الكلمة الاصطلاحية والوصاية على استخدامها، وما ينبني على ذلك من مزاعم احتكار أحقية التوجيه والقيادة والزعامة، ليس في صورة نخبة صناعة القرار السياسي والاقتصادي فحسب، بل في الصور المتعددة للنخب المتعددة لصناعة القرار الثقافي والفكري والأدبي والفني والقيمي والاجتماعي أيضا.
 
"
يبدو للمتأمل في ساحات الحوار أنه يجري بين فئات محدودة العدد بمعزل عن عامة الشعوب، لا سيما جيل الشباب الذي يمثل النسبة الأكبر من السكان، والذي يحمل على عاتقه مسؤولية بناء المستقبل
"
إن من أهم جوانب استيعاب المرحلة التاريخية المعاصرة والتعامل مع معطياتها هو العمل على ردم الفجوة الكبيرة بين ما يسمى النخب وبين جماهير الأمة، لا سيما جيل المستقبل منها.
 
ومن الواضح أن ما يطرح في الساحة الفكرية والأدبية والثقافية في الآونة الأخيرة بدأ يتجاوز حقبة الصراع المطلق لتتداخل فيه محاور متعددة للحوار والبحث عن إمكانات التلاقي، وهو ما تختلف أساليبه وتتفاوت حدة الاختلافات فيه والمساعي المبذولة لتجاوزها، ولكن تبقى الصورة بمجموعها مؤشرا إيجابيا في الاتجاه الصحيح.
 
رغم ذلك يبدو للمتأمل في ساحات الحوار أنه يجري بين فئات محدودة العدد بمعزل عن عامة الشعوب، لا سيما جيل الشباب الذي يمثل النسبة الأكبر من السكان، والذي يحمل على عاتقه مسؤولية بناء المستقبل.
 
وليس صحيحا تعليل هذه الفجوة بتعميم الاتهام القائل إن العزوف عن القراءة والمتابعة الجادة هو جوهر مشكلة عزلة النخب جماهيريا.
 
إن عزلة النخب لا ينبغي اختزالها بتحميل المسؤولية للجماهير، بل توجد عوامل عديدة أخرى ليست موضع الحديث هنا، إنما يبقى العنصر الحاسم هو أن مسؤولية الوصول بأفكار مَن ينتسب إلى تلك النخب أو ينسب نفسه إليها بإبداع أدبي وعطاء ثقافي وطرح فكري، هي مسؤوليته التي تفرض عليه هو أن يراعي واقع القارئ المستهلك واحتياجاته، في مضمون إنتاجه وأسلوب تعبيره.
 
ومن المغالطات الخادعة للنفس الزعم القائل إن هذا يهبط بمستوى الإنتاج، فقيمة الإبداع أو الفكرة أو الطرح الجديد ليست قيمة ذاتية بمعزل عن الوسط الذي ينتمي القلم إليه ويستهدفه، بل تعلو تلك القيمة بمقدار ما يتمكن صاحب القلم من الوصول بأرقى ما يستطيع عطاءه إلى أوسع قطاع ممكن من الوسط الاجتماعي الذي يحتضنه ويعتبر نفسه فيه من النخبة.
 
إن النماذج المعروفة من الإبداع العالمي، التي تجاوزت الحدود وانتشرت في القارات الخمس ترجمة وتفاعلا، لم تصل إلى هذا المستوى العالمي عبر مضامين وأساليب متميزة بخصوصيتها فحسب، بل من خلال قدرة أصحابها على الجمع بين الإبداع مضمونا يمس احتياجات إنسانية جامعة، والعطاء أسلوبا تستوعبه وتتفاعل معه أعداد كبيرة من أبناء الأسرة البشرية.
 
إن تقديم الأفكار -بغض النظر عن قيمتها الذاتية- في قوالب تعبير مستعصية على الفهم، إلا عند قطاع محدود من النخب نفسها، يساهم في بقاء تلك النخب وعطاءاتها فيما تسميه -وهما- برجها العاجي، بعيدة عن الشعوب وهمومها وتطلعاتها المستقبلية.
 
ومَن يتابع ما يطرح حديثا من كتابات تحت عناوين متعددة للحوار الفكري الإيجابي المنبعث مجددا في هذه المرحلة، يمكن أن يرجح بقاء قسط كبير منه في واد، وجيل المستقبل في واد آخر.
 
والمفروض أن يدرك الكتاب الذين يرون أنفسهم في موقع النخبة، أن القارئ ليس من نخبتهم بالضرورة، أم أنهم لا يكتبون إلا لها؟
 
"
ليس القارئ هو المسؤول الأول عن ضمان شروط فهمِ ما يطرح فكرا وأدبا وثقافة، بل تتعلق المسؤولية بصاحب القلم الذي عليه أن يوجد الشروط الموصلة إلى القارئ 
"
تساهم في هذه الظاهرة كثرة استخدام بعض الكتب الفكرية المنشورة حديثا مفردات من قبيل: "ميتافيزيقي، أنثروبولوجي، إبستمولوجي، بروميثيوثي، كوسموبوليتي، هرمينوطيقا، سيميوطيقا.. "، أو من قبيل "عضواني، مواطنوي، طوباوي، دولتانية، تاريخاني، قيامي، جنساني.."، والقائمة طويلة.
 
ويشير سياق الكلام إلى أن الكاتب ينطلق غالبا من أن القارئ، الذي قد يعلم بوجود تلك الكلمات لكثرة تداولها بمعانيها السطحية أو الشائعة، يجب أيضا أن يكون عارفا بخلفياتها الفلسفية، وربما بتناقض استخداماتها بين الكتاب أنفسهم، ثم عليه التسليم بما يقصده هو من معانيها، هي وأمثالها، وأمثالُها كثير، وإلا فكيف ينتظر من القارئ أن يتفاعل معها وفق استخدام الكاتب لها؟...
 
ليس القارئ هو المسؤول الأول عن ضمان شروط فهم ما يطرح فكرا وأدبا وثقافة حوله، بل بداية المسؤولية عند صاحب القلم أن يوجد الشروط التي توصله إلى القارئ كما هو في واقعه الآني، ليؤثر عليه بقدر ما يتأثر هو بواقعه واحتياجاته، وهذا ما يسري على كل عطاء، قولي وعملي.
 
ولدينا في ذلك على سبيل المثال ما قال به علي بن أبي طالب كرم الله وجهه "حدثوا الناس بما يعرفون" (كتاب العلم/صحيح البخاري) وما قال به عبد الله بن مسعود رضي الله عنه "ما أنت محدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" (مقدمة صحيح مسلم).
 
وحول أسلوب خطاب مَن يراد الحديث إليه أو الكتابة له يُنسب إلى الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور Arthur Schopenhauer (توفي 1277هـ ـ 1860م) عدد من الكلمات المفيدة بهذا الصدد:
"إذا أردت إلقاء خطبة ناجحة، استخدم كلمات مألوفة، لقول الأشياء غير المألوفة".
 
"الذكي في المحادثة من يفكر بمن يتحدث إليهم أكثر من تفكيره بما يتحدث عنه، فإن صنع ذلك، تأكد له أنه لن يقول ما يندم عليه لاحقا".
 
"كثرة الاستشهادات تزيد حق الكاتب أن يُنظر إليه أنه امرؤ واسع الاطلاع، ولكنها تُنقص نسبة أصالة عطائه.. وما قيمة الاطلاع دون عطاء ذاتي!".
 
"الذين يؤلفون خطبا صعبة، مظلمة، معقدة، مزدوجة المعنى، لا يعلمون على التحقيق كيف يقولون ما يريدون قوله، إنما لديهم وعي ضبابي يصارع حول فكرة ما، ولكن كثيرا ما يريدون أن يواروا عن أنفسهم وعن الآخرين عدم وجود شيء لديهم ليقولوه".
 
ولعل من الكتاب من يريد فعلا استثارة إعجاب مصطنع لدى القارئ، ممزوج بالرهبة تجاه علو كعب صاحب القلم، المبدع في عالم اللغة والتعبير، وسعة أفقه في عوالم الفلسفة والثقافة.
 
قد يوجد من يظن حقيقة أن هذا الانطباع المصطنع يوصل إلى الاقتناع تسليما بالمضمون دون استيعابه، لا أن يشكل النص حاجزا بين كاتبه وقارئ ناهيك عن سبك العبارات سبكا يتفنن صاحبه في التصنع والتنطع والتعقيد فيه، كما تغتال صياغته تواضع العلم اغتيالا، بسكين تعالي معلمٍ شاخَ وشاخ علمه على تلاميذ صغار بين يديه، وبخنجر التكبر اعتدادا بالنفس وتعصبا.
 
"
قيمة الإبداع تضيع  في أي إنتاج يبتعد مضمونه عن اهتمامات الفئات المستهدفة به، وما دام المبدعون يكتبون لبعضهم بعضا فلا يمكن أن يجدوا جمهورا من عامة القراء
"
ليست المشكلة محصورة في مفردات أجنبية تكتب بحروف عربية، بدلا من استخدام ما يغني عنها لغويا أو اشتقاق ما يقابلها من مفردات مبتكرة يأنس اللسان العربي لها، وتستحسنها النفس لسهولة انسيابها في نسيج اللغة الذاتية.
 
ويستحيل على أي حال تعريب مصطلح أجنبي تعريبا قويما بمجرد كتابة اللفظة الأجنبية أو نطقها بحروف عربية.
 
كما لا تنحصر المشكلة في استخدام اشتقاقات قد يصلح القليل منها ولا يصلح الكثير، مما لم يعرفه الأقدمون ولا ابتكره المعاصرون ابتكارا سويا، إنما هي -في جوانبها الأخرى- مشكلة أن الكاتب ينتظر من عامة القراء أن يحمل كل منهم تحت إبطه عدة معاجم وقواميس من أجل أن يفهم ما يخاطبهم به، أو أنّ لا يخاطب عامة القراء أصلا، وذاك أدهى، والأمرُّ منه أن من الكتاب من يريد أن ينسلخ القارئ العربي من جلده ليستوعب -عبر المستهجَن من الألفاظ والغريب من المصطلحات- ما يراد صبه صبا في عقله وقلبه!
 
ثم إذا بصاحب تلك المفردات والأساليب يشكو من غربة أفكاره جماهيريا، فيتهم الجماهير بالعزوف عن القراءة أو انخفاض مستوى الوعي أو الانغلاق تجاه أفكار "إنسانية عالمية" أو ما شابه ذلك.
 
ونتجنب في هذا المقام الإطالة بالوقوف عند اعتبارات أخرى مما يتصل بوجود مَن ينقل مصطلحات ومقولات أجنبية دون استيعابها إلا استيعابا سطحيا، وما يتصل بالعمل قصدا على التغريب اللغوي والفكري عموما، وجميع ذلك يجعل مَن يعزلون أنفسهم بالإصرار عليه يعجزون عن الوصول إلى أمة لسانها عربي، ومكونات فكرها وتاريخها وأحاسيسها وأذواقها هي مكونات المنطقة الحضارية الإسلامية، الشاملة بتأثيرها سائرَ سكانها، على اختلاف انتماءاتهم العقدية والقومية.
 
إن قيمة الإبداع، تضيع وإن كانت عالية، في أي إنتاج أدبي أو ثقافي، إذا كان مضمونه بعيدا عن اهتمامات الفئات المستهدفة به، وما دام المبدعون يكتبون لبعضهم بعضا فلا يمكن أن يجدوا جمهورا من عامة القراء، ولا يمكن لإنتاجهم أن يترك أثرا كبيرا، سلبيا أو إيجابيا، على صعيد المجتمعات التي ينتمون إليها، وإن أثاروا فيها موجات تعلو وتهبط مع تقليعات ما، منها ما يعتمد على الغرائز أو الشهوات أو العواطف وحدها، بل ربما حصل بعضهم على جوائز التقدير والتكريم داخل نطاق أوساطهم نفسها غالبا، أو من جانب أوساط غربية يعجبها إنتاجهم فتوظفه عبر الجوائز، لتدعم المزيد من ترويج ما يخدم التغريب.
 
وما يسري على صعيد الإبداع الأدبي والثقافي يسري على صعيد العطاء الفكري، فالنخب لا تصنع التغيير عبر تبادل الأفكار فيما بينها، سواء اختلفت عليها أو توافقت، إنما عبر الوصول بأفكارها إلى الشعوب التي تصنع هي التغيير في نهاية المطاف.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة