بشير موسى نافع

بطرح مشروع الفيدرالية، تواجه الجماعات العربية الوطنية امتحاناً حاسماً في العراق، يتوقف عليه مصير العديد من الدول العربية. لم تعد الفيدرالية مشروعاً لحل المسألة الكردية، التي أرقت العراق واستنزفته منذ ولادة الدولة العراقية الحديثة. ولو اقتصر الأمر على المنطقة الكردية لما كانت الفيدرالية تستدعي الكثير من المخاوف؛ فالقادة السياسيون للعراق الحديث، من عبد الرحمن البزاز إلى صدام حسين، لم يخفوا يوماً قناعتهم بان حل المسألة الكردية يتطلب الاعتراف بوجود قومي كردي يتمتع بهذا المستوى أو ذاك من الحكم الذاتي.

المشروع المطروح للفيدرالية، والذي فصل في عدد من مواد مسودة الدستور، يضع نهاية للكيان الوطني العراقي ولهوية العراق العربية، ويدعو إلى تقسيم طائفي للعراق. وهذا المشروع يهدد كل الكيانات الوطنية العربية الكبرى، التي لا تخلو جميعها من تعددية إثنية أو دينية.

فإن كان من الممكن تقسيم العراق، الذي عرفه العرب المسلمون كوطن منذ مطلع الفتح الإسلامي، بل وقبل ذلك، فلماذا لا يمكن تقسيم سورية، أو السعودية، أو حتى مصر؟.

"
إن كان من الممكن تقسيم العراق، الذي عرفه العرب المسلمون كوطن منذ مطلع الفتح الإسلامي، بل وقبل ذلك، فلماذا لا يمكن تقسيم سورية، أو السعودية، أو حتى مصر؟
"
يعود تكوّن الجماعات العربية الوطنية (كما أوضح صاحب المصطلح، أستاذنا المستشار طارق البشري، قبل أكثر من ربع قرن) إلى نهاية الحرب العالمية الأولى وبروز الأقطار العربية الحديثة.

كان عرب مطلع القرن التاسع عشر يرون أنفسهم جزءاً من الجامعة الإسلامية، التي كانت الدولة العثمانية إطارها الأكبر والرئيس. ولكن سلسلة من المتغيرات الكبرى التي طالت العرب خلال القرن التاسع عشر ومطلع العشرين أدت إلى إضعاف الرابطة الإسلامية وانهيارها.

السيطرة الاستعمارية المبكرة على المغرب العربي، وحصول مصر على استقلال نسبي عن الدولة العثمانية، ومن ثم وقوعها تحت الاحتلال البريطاني، وولادة الحركة العروبية في بلاد الشام والعراق والحجاز في رد على حركة التتريك التي قادتها حكومة الاتحاد والترقي في إسطنبول، كل ذلك ساعد في بروز هوية عربية قومية، وشعور وطني غامض الملامح في عدد من الكيانات الكبرى، لاسيما مصر.

خرجت الدولة العثمانية من غمار الحرب مهزومة، تحتل القوات البريطانية كل ولاياتها الناطقة بالعربية. وقد ناضلت القيادات العربية خلال سنوات الحرب الأخيرة وما بعدها من أجل إقامة دولة عربية موحدة؛ ولكن التفاهمات الإمبريالية أجهضت المشروع العربي.

وكان أن جُزّئت بلاد العرب إلى كيانات متعددة، بعضها وجد قبل الحرب الأولى، مثل اليمن والمغرب والجزائر ومصر، وبعضها ولد من رماد الحرب ومن اتفاقية سايكس- بيكو، مثل الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان.

المشروع الوحدودي العربي الوحيد الذي قدر له البقاء هو السعودية، حيث استطاع عبد العزيز آل سعود بقوة السلاح وباقتناص سريع لتحولات موازين القوى توحيد الجزء الأكبر من الجزيرة العربية.

ولكن عبد العزيز كان يدرك سقف مشروعه؛ وبوصول قواته إلى حدود المناطق الواقعة تحت السيطرة البريطانية والفرنسية، كان عليه أن يتوقف. لم يكن أفق المرجعية الوهابية للدولة السعودية من الاتساع والمرونة ليشكل جامعاً أو مطمحاً لشعوب المنطقة. وما إن استقلت سوريا والعراق بعد عقود قليلة، حتى أسست الدولة القُطرية لنفسها شرعية لا يمكن تجاهلها.

شكلت الدولة القطرية حقيقة واقعة، جعلها أكثر واقعية أن القوى الاستعمارية ارتضت وجود إدارات وطنية شبه مستقلة في أغلب دول المنطقة، نظراً لفشلها في حكم هذه الدول حكماً مباشراً. في هذه الكيانات الوطنية، كان ثمة مؤسسة تعليمية تولد وتتطور، ثقافة وإعلام وطنيان، متحف وتاريخ وطني، حدود ترسم وجيش وبيروقراطية وإدارة تنتشر ضمن حدود الوطن؛ وفوق ذلك كله كانت هناك حركة وطنية نشطة تناضل من أجل الاستقلال، تنضوي في صفوفها كافة فئات الشعب.

ولم يعد غريباً بالتالي أن ينمو شعور حقيقي بوطنية عراقية وولاء للعراق، ووطنية جزائرية وولاء للجزائر، ووطنية فلسطينية وولاء لفلسطين، ووطنية مغربية وولاء للمغرب، وهكذا. بذلك ولدت الجماعة الوطنية، وأصبحت حقيقة ثقافية وسياسية ومصالح وارتباطات.

"
بالرغم من فشل الجيل الأول من العروبيين في تحقيق هدف الوحدة العربية، فقد ظل حلم الوحدة ولايزال إحدى أكبر القوى المحركة للحياة العربية الفكرية والسياسية
"
كانت الحركة الرئيسة التي حاولت تجاوز الجماعة الوطنية هي الحركة القومية. باعتبارها حركة وحدوية، لم تستهدف الحركة القومية إلغاء الجماعات الوطنية أو تقويضها، بل انضواءها في إطار عربي أوسع.

فبالرغم من فشل الجيل الأول من العروبيين في تحقيق هدف الوحدة العربية، فقد ظل حلم الوحدة ولايزال إحدى أكبر القوى المحركة للحياة العربية الفكرية والسياسية. ولكن خشية القوى الدولية من وحدة العرب وتنافسها على ولاءات الدول العربية، وعجز القوى العربية الحاكمة عن التخلي عن مصالحها القطرية، أفشل مشروع الوحدة طوال النصف الثاني من القرن العشرين. وقد شكلت الجامعة العربية، كإطار فضفاض للتضامن والهوية، نقطة الالتقاء الوحيدة بين الطموحات الشعبية للوحدة وأنانية الطبقات الحاكمة.

كانت الوحدة إحدى أهم القيم المؤسسة للاجتماع العربي–الإسلامي خلال تاريخه كله. وكانت قيم الوحدة الراسخة هي التي وضعت الأطر والشرائع التي حافظت على التعددية الدينية وسط الأكثرية الإسلامية المسيطرة.

كما كانت قيم الوحدة هي التي حولت منطقة القلب العربي الإسلامي إلى بوتقة انصهار حر، باتت العربية لغته وأداته الثقافية العليا. ولذا فلم تواجه الجماعات العربية الوطنية منذ ولادتها أي تيارات انشقاقية ملموسة، اللهم إلا الحركة الكردية في شمال العراق والحركة الشعبية في جنوب السودان.

وبالرغم من التشجيع الخارجي المبكر لتأسيس هوية بربرية في المغرب والجزائر، وأخرى علوية في سوريا، وثالثة نوبية في جنوب مصر، فقد شلت كل تلك الدعوات في تحقيق التفاف شعبي أو في التحول إلى قوى سياسية تهدد وحدة الجماعة الوطنية بأي صورة من الصور.

وبالرغم من سنوات الحرب الأهلية اللبنانبة الطويلة والدامية، والتدخلات الخارجية الفادحة في الشأن اللبناني، لم تستطع دعوات ومشاريع التقسيم أن تؤسس مصداقية لها، لا في الوسط الإسلامي ولا في الوسط المسيحي.

وحتى الحركتان الانشقاقيتان في شمال العراق وجنوب السودان، انحصرتا في الأطراف العربية ولم تهدد بغداد أو الخرطوم، حيث المركز العراقي والسوداني. بل ولم تمنعا مئات الآلاف من الأكراد العراقيين، وأبناء جنوب السودان من مسلمين ومسيحيين، من الاندماج في صفوف الجماعتين الوطنيتين العراقية والسودانية، لاسيما أولئك الذين اختاروا مغادرة المناطق الكردية الشمالية والسودانية الجنوبية إلى مناطق أخرى من البلاد.

وليس ثمة من شك في أن التدخلات الأجنبية المتعددة، الإقليمية والدولية، في شمال العراق وجنوب السودان، قد ساهمت مساهمة كبيرة في تأجيج الصراع الانشقاقي في هاتين المنطقتين وإطالة أمده. وربما كان بالإمكان بدون التدخل الخارجي أن تصل القوى المحلية إلى حل لمشكلتي الحركة الكردية وجنوب السودان منذ مطلع تفجرهما في منتصف القرن العشرين.

"
إذا أخذنا التوجهات الطائفية الحالية لدى القوى الشيعية السياسية في الاعتبار، فلنا أن نتصور أن الفيدرالية ستقود حتماً إلى تطهير طائفي في الجنوب
"
ما يشهده العراق اليوم هو تطور غير مسبوق في تاريخ الجماعات العربية الوطنية منذ ولادتها قبل زهاء قرن من الزمان. لم يسبق أن وقفت قيادات سياسية تدعي الحديث باسم كتلة رئيسة من كتل الجماعة الوطنية، كما تقف القيادات الشيعية العراقية، لتطالب بكيان منفصل لهذه الكتلة.

ويجب ألا يخطئ أحد في مطالب القيادات الشيعية العراقية؛ فهي مطالب انفصال بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. فالفيدرالية الشيعية تشمل كل محافظات جنوب العراق، من بغداد إلى البصرة؛ وما توفره مواد مسودة الدستور على صعيد توزيع الثروة، ومنح الكيانات الفيدرالية حقوق حفظ الأمن والتشريع والتمثيل الدبلوماسي، يؤسس لتقسيم فعلي يمكن أن يتحول إلى تقسيم نهائي ورسمي في المستقبل.

في العراق، ستفتح الفيدرالية الشيعية الباب لتطهير طائفي دموي؛ فلا الجنوب شيعي خالص ولا الوسط والشمال سنيون خالصون. بل إن الوجود السني في الجنوب، لاسيما في مناطق البصرة والكوت والناصرية والحلة والصحراء جنوب الفرات، هو وجود كثيف وعميق الجذور. ذلك أن التحول إلى التشيع بين العشائر الجنوبية هو ظاهرة حديثة نسبياً، لا تتجاوز القرن إلى القرنين من الزمان، وهذا التحول لم يكن مكتملاً.

وإذا أخذنا التوجهات الطائفية الحالية لدى القوى الشيعية السياسية في الاعتبار، فلنا أن نتصور أن الفيدرالية ستقود حتماً إلى تطهير طائفي في الجنوب. ولعل القمع الأمني الدموي الذي تعيشه منطقة المدائن وجوارها ليس إلا محاولة لكسر الحزام السني جنوب بغداد، يحركها تصور لربط الكيان الشيعي في الجنوب بالكتلة الشيعية في العاصمة. التطهير الطائفي في الجنوب سيؤدي إلى تطهير طائفي في الوسط والشمال، لاسيما في مناطق بلد وتلعفر وكركوك، وإلى صراع دموي في بغداد.

بيد أن التقسيم الطائفي لن يقتصر على العراق. فمن دول الخليج إلى شمال شرق السعودية، أي في الجوار العراقي نفسه، حيث توجد أقليات عربية شيعية، لا يمكن بأي حال من الأحوال استبعاد انفجارات طائفية متلاحقة.

بل إن مؤشرات التوتر الطائفي تكاد تبين تحت سطح الوضع البحريني السياسي. سيكسر الانفجار السني–الشيعي في العراق والخليج حرمة الجماعات الوطنية العربية، وقد يبث حياة جديدة في مشاريع تقسيم إيران وتركيا إلى كيانات قومية، وتأسيس كيان علوي في سوريا وجنوب تركيا، وتقسيم السعودية إلى كيانات شيعية ونجدية وحجازية، وإقامة كيان بربري في المغرب العربي، وهكذا.

"
ينبغي التصدي للأساطير التاريخية التي يجري توظيفها من أجل تسويغ مخطط يوشك أن يأخذ العراق والمنطقة إلى حقبة طويلة من الموت والدمار
"
هذه المنطقة من العالم تربطها أواصر ثقافية وسياسية وتاريخية، وليس ثمة حدث أو متغير كبير في إحدى مناطقها يمكن عزله عن بقية المناطق. والفيدرالية الطائفية في العراق هي حدث وتطور كبيران في واحد من أهم بلدان المنطقة وأكبرها.

ما يدفع القيادات الشيعية إلى المطالبة بتأسيس كيان شيعي هو مزيج من المصالح الأنانية، والشعور المتزايد بفشل مخططها للتحكم في العراق كله، والجهل بتاريخ العراق والقوى الحاكمة لتاريخه الطويل. وفي حين من الضروري عدم تجاهل الدعم الذي يجده مشروع الفيدرالية من العراقيين الشيعة في الجنوب، لا تنبغي المبالغة في هذا الدعم أو في إمكان استمراره.

ففترات الحروب والاحتلالات الأجنبية وعدم الاستقرار السياسي والمعاشي هي بطبيعتها فترات خوف جماعي وشعور متزايد بالحاجة إلى الحماية واعتزال مصادر الاضطراب والقلق. ومشروع الفيدرالية الشيعية يؤسس الآن على هذا الخوف الجمعي، وعلى وعود وهمية بالاستقرار الانفصالي والرفاه.

لإفشال هذا المشروع -ولابد من إفشاله- يجب أن تتضافر جهود عراقية وعربية معاً؛ جهود سنية وشيعية على السواء. ينبغي كشف وتعرية التوجهات الطائفية الشيعية التي تهدد وحدة الجماعة والأمة، والتوجهات الطائفية السنية التي تستخدم عصا تخويف لشيعة العراق. ينبغي إدراك المخاطر التي يحملها هذا المشروع الانقسامي على مستقبل العراق والعراقيين، وعلى مستقبل المنطقة ككل، بكل تنوعها الطائفي والإثني.

كما ينبغي التصدي للأساطير التاريخية التي يجري توظيفها من أجل تسويغ مخطط يوشك أن يأخذ العراق والمنطقة إلى حقبة طويلة من الموت والدمار.




ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة