لم يشهد تاريخ البشرية منذ أقدم العصور ظهور الإباحية الجنسية وذيوعها على أوسع نطاق مثلما يشهده التاريخ المعاصر، وقد تعاونت على ذلك عدة أسباب منها العولمة الإعلامية، ووقوف تنظيمات محكمة تروج للجنس وشهواته وتتاجر فيها.
 
كما ساهم في الأمر وجود ثقافتين متناقضتين متصارعتين: ثقافة مسيحية أنكرت الشهوة الجنسية واتبعت رهبانية مبتدعة ما رعتها حق رعايتها، وثقافة علمانية حولت الإنسان إلى قطع غيار منفردة، فاصلة بين الجسد والروح، جاعلة كلمة التراب هي العليا وكلمة الروح هي السفلى.
 
وعلى الرغم من الثمن الباهظ الذي دفعته البشرية ولا تزال تدفعه يوميا لاتباعها شهوات الماء المهين، فإنها مصرة على المضي في الطريق المسدود ودفن رأسها في التراب. وفي وسط كل هذا "السوق الجنسي الممتاز" تستعيد العفة مكانتها ورونقها وتتوسع شيئا فشيئا لتخرج الناس من الاستعباد إلى الحرية، ومن الميل إلى الاستواء، ومن العلة إلى الشفاء.
 
"
الدعوة إلى الإباحية حملت في البداية لواء التحرر والثورة على التقاليد، فهل تحققت الحرية المنشودة، وهل تحققت السعادة المطلوبة، وأي ثمن قدمته البشرية من دمائها وأموالها وأرواحها وصحتها وحريتها بعد كل هذه السنين؟
"
تبدأ حكاية الإباحية الجنسية المعاصرة مع ظهور ما أطلق على تسميته "الثورة الجنسية"، حيث أعلن في أول الأمر أن البشرية مكبلة بالتقاليد البالية الجامدة والأخلاق الكاذبة التي تستخدمها الرأسمالية والبورجوازية للتحكم في المستضعفين، وحيث بشر "مساكين" العالم وضعفاؤه بيوم الحرية المنشود، وقيل لهم لا يمكن أن تتذوقوا للحرية طعما إلا بتكسير كل "الطابوهات" التي تحرمكم من الاستجابة لغريزتكم الطبيعية، فتحرروا يا أيها المستضعفون وأطلقوا العنان لشهوتكم لتنطلق كيف تشاء وأنى تشاء، فأنتم أحرار في أجسادكم، افعلوا بها ما تشاؤون! وقد كان من شعارات تلك الثورة "الاستمتاع بغير عقبات" و"يمنع الممنوع"، و"كلما مارست الحب ازددت رغبة في الثورة".
 
ذلك أن سنوات 1964 إلى 1973 تعتبر سنوات "الثورة على النظام القديم" (انظر كتاب "استبداد اللذة" لجان كلود غيبو، الفصل الثاني: بعد ثلاثين سنة، ص44-73، دار لوسوي/2000).
 
وبسرعة فائقة، اجتاحت الشباب في الغرب كله من أوروبا الشرقية إلى أميركا مرورا بأوروبا الغربية، عاصفة من التمرد على القيم الأخلاقية المرتبطة بالغريزة الجنسية، مرتدية لباس التحرر، متخذة مظاهر مختلفة.
 
وابتداء من نهاية ستينيات القرن العشرين، برز اسم المحلل النفساني النمساوي "ويلهيلم رايخ" المتوفى عام 1957، واحتل مكان الصدارة في نشر الإباحية حتى أصبح رمزا من رموزها، وقد خلف هذا المحلل اليهودي عدة كتب في موضوع الغريزة الجنسية منها كتابه الشهير الذي سميت حركة التمرد باسمه "الثور الجنسية"، وكتاب "الكفاح الجنسي للشباب" وغيرهما.
 
ومع بداية عام 1968، وفي جامعة "نانتير" بفرنسا، أدت محاضرة حول "ويلهيلم رايخ والجنس" إلى "كفاح" ضد القانون الداخلي للجامعة، وهي الشرارة الأولى لظهور حركة "22 مارس"، ومن أشكال ذلك الكفاح السعي إلى إسقاط القانون الذي يفصل الطلاب عن الطالبات في الأقسام وفي المساكن الجامعية.
 
ثورة بروليتارية من جهة، وثورة جنسية من جهة أخرى. هكذا ربط "ثوار" ستينيات القرن العشرين بين الثورتين في معركة واحدة، وبالإضافة إلى كل هذا كان رايخ ممن يقولون بالتحرر الجنسي للأطفال والمراهقين من قبضة الآباء والأمهات "الصانعين للأيدولوجيات المتسلطة والبنيات الذهنية المحافظة".
 
"
في الولايات المتحدة تتراوح مداخيل تجارة الدعارة بين 10 و14 مليار دولار لسنة 2000، وهو رقم يفوق مداخيل هوليود، ولا ينافس الأميركيين في هذا المضمار إلا الألمانيون
"
هكذا كانت البداية، وهكذا اندلعت الشرارة الأولى للتمرد، فهل تحققت الحرية المنشودة بعد أكثر من ثلاثين سنة؟ وهل تحققت السعادة المطلوبة؟ أم أن العكس هو ما وقع؟ وأي ثمن قدمته البشرية من دمائها وأموالها وأرواحها وصحتها وحريتها بعد كل هذه السنين؟
 
ولماذا سقطت الأيدولوجيا الشيوعية ومعسكرها الشرقي دون أن تسقط "الثورة" الجنسية؟ بل كيف تصاعدت موجة الإباحية محطمة حدود الدول والقارات والمجتمعات جاعلة من العالم كله شبكة دولية لثقافة الجنس المشاع، وتجارة كبيرة وصناعة عريضة للمواد الجنسية، ابتداء من الإنسان وأجزائه التناسلية، وانتهاء بالمعارض والمنتديات واللقاءات الدولية؟
 
بعد أكثر من ثلاثين سنة، انقلبت صورة العالم إثر تحولات اقتصادية وسياسية كبرى، وكان سقوط المعسكر الشيوعي منعطفا حاسما في تلك التحولات وعلامة من علاماتها البارزة، فضاعفت الرأسمالية الغربية عامة، والأميركية خاصة، الخطى نحو الهيمنة الواسعة على العالم والتحكم في مقدراته.
 
وتحولت البرجوازية عن شكلها القديم لتأخذ شكلا جديدا بظهور الاقتصاد الحر والسوق الحر، ومن ثم الاستهلاك الحر، وتحول الجنس إلى بضاعة تروج في السوق وتخضع لقوانين العرض والطلب.
 
فمن البورنوغرافيا إلى الدعارة الاحترافية أو الموسمية، ومن الإشباع المقسط بالدقائق إلى المقاولات المتخصصة في الخدمات، ومن الصحافة المتخصصة في هذا المجال إلى الصناعات المتحولة، توجهت الشهوة الجنسية نحو البيع والشراء كلما "تحررت".
 
يقول أحد الباحثين في هذا المجال وهو ميكايل بولاك "في الستينيات أنتجت عملية التحرير انفجارا في تجارة الجنس، فبجوار الحانات وقاعات السينما وقاعات الملاهي الليلية، لوحظ نمو صحافة الشذوذ الجنسي والبورنوغرافيا ومصنوعات جنسية طلبها رواد الساعات الأولى للتجمعات الشاذة، فهل قمنا بالثورة ليكون لنا الحق في فتح سبعمائة حانة زائدة".
 
"
بظهور الاقتصاد الحر والسوق الحر، ومن ثم الاستهلاك الحر، تحول الجنس إلى بضاعة تروج في السوق وتخضع لقوانين العرض والطلب
"
وتساءل فريديريك مارتل قائلا "لماذا نزعم تحريك العالم الجمعوي والنضالي عندما تتحول الغاي برايد (تجمع الشواذ) إلى عملية استهلاكية ضخمة تتولى تنظيمها شركة تجارية ذات أهداف اقتصادية أكثر منها نضالية، وعندما تحل، بدل المطالب، عملية تسويقية للصدريات والأقمصة والساعات اليدوية والمناديل ذات الألوان القزحية، بل ينظم يوم زيارة شاذة لقصور اللوار مقابل 579 فرنكا فرنسيا؟".
 
تبخرت الحريات المزعومة المتوهمة، وتحولت "الثورة" الجنسية إلى "ثروة" جنسية، وانزلق كثير من "المناضلين" و"الثوريين" إلى عالم الدعارة الظاهرة والمبطنة، وأصبح الكثير منهم على رأس شبكات النخاسة الجديدة والمتاجرة بالرقيق الأبيض.
 
ولحد الآن لم يقم أي خبير اقتصادي أو إحصائي بجرد الرقم المالي العالمي المروج في التجارة الجديدة.
 
وتذكر بعض الإحصائيات الخاصة بالولايات المتحدة (مجلة يو إس نيوز آند وورد روبورت) أن الأميركيين أنفقوا أكثر من ثمانية مليارات دولار في اقتناء أفلام الفيديو و"البيب شو" والمهرجانات والبرامج الخاصة والإكسسوارات، وهو رقم يفوق مداخيل هوليود.
 
شبكات مزدهرة
بينما لا يستطيع أحد اليوم أن يحدد بدقة الرقم الحقيقي لتجارة الدعارة، يقدر بعض الخبراء والجمعيات المهتمة أن الرقم يتراوح بين 15 و20 مليار فرنك فرنسي (الدولار الأميركي يعادل 5.33 فرنكات فرنسية)، تذهب نسبة 70% منها إلى جيوب الوسطاء "تجار القوادة".
 
"
في الوقت الذي تستمر فيه "اللحوم الأنثوية" في الدوران مع الطلب،  يعزز الزعماء رأس المال البشري بأنواع أخرى من النشاط مثل المتاجرة في المخدرات وعلب الملاهي الليلية
"
وفي الولايات المتحدة وحدها يتراوح الرقم بين 10 و14 مليار دولار لسنة 2000، وما يطلق عليه "غيتو إكس" أصبح اليوم أثقل من كرة القدم الأميركية وكرة السلة معا، ولا ينافس الأميركيين في هذا المضمار إلا الألمانيون.
 
وبالفعل تطورت هذه "المهنة" المنبوذة مستفيدة من "الثورة" المزعومة استفادة كبيرة، متخذة أشكالا تتلاءم مع كل الحالات والذهنيات، كأنما صنعت تلك الثورة من أجل عيونهم، وكأنما تسلل إليها وساهم في إشعال نيرانها وجلب منافعها أولئك الوسطاء.
 
والوساطة هي المورد الرئيسي لتغذية سوق الدعارة، إذ يوجد وسط قطيعه أفراد مستعدون للإجرام ومحميون لا يترددون في توسيع "أنشطتهم" و"مستوطناتهم السوداء" بترويج البضاعة والحفاظ على المكانة والسيطرة على السوق، بتكوين تحالفات أو استخدام السلاح الأبيض لتصفية المنافسين.
 
وفي الوقت الذي تستمر فيه "اللحوم الأنثوية" في الدوران مع الطلب، وتحصل "النساء" على قوتهن اليومي، يعزز الزعماء رأس المال البشري بأنواع أخرى من النشاط الاقتصادي مثل المتاجرة في المخدرات وعلب الملاهي الليلية والسلاح والعقار، أو كل ذلك جميعا.
 
والنخاسة الدولية موجودة، وإذا تعذر على المراقبين وضع حدود دقيقة لشبكتها الممدودة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا لأسباب مختلفة، منها تورط أجهزة المراقبة وسهولة شرائها وإسكاتها، إلا أنها تبدو مثل كوكب من جمعيات المخربين وزعماء المافيا تتبادل فيما بينها خدمات ومساعدات ومنافع وتعقد الاتفاقيات، أو تذهب إلى عين المكان للعرض وتلبية الطلب.
 
ويتجاور في الميدان ما هو تقليدي وما هو جديد وعصري، ويتعايش الذين يديرون تجارة التقسيط الأصغر مع الذين ينظمون العمليات الكبرى للتصدير والاستيراد.
 
في الشرق الأوروبي استفحل أمر هذه الشبكات بعد انهيار الدولة الشيوعية السوفياتية، وأصبحت المنظمات الخطيرة مطلقة الأيدي في المتاجرة بكل الممنوعات، وعلى رأسها تجارة الدعارة المدرة للأموال الكثيرة، فالمخدر، كما قال مايكل سبيكتير معلقا في صحيفة "لو كورييه أنتيرناسيونال": "يباع مرة واحدة وينتهي الأمر، لكن النساء يجلبن أموالا لفترة أطول..".
 
"
يقدر الإنتربول الدولي أن دخل السمسار الواحد من الدعارة في أوروبا يصل سنويا إلى 720 ألف فرنك فرنسي عن "رأس" واحدة
"
وتحتل مدينتا موسكو وكييف مكانة متقدمة في التجارة المدمرة، وتزدهر شبكات أخرى في كل من بلغاريا وبولونيا وسلوفاكيا ورومانيا ودول البلقان التي يقال إن ثمن امرأة واحدة يتفاوض عليه انطلاقا من 100 ألف فرنك فرنسي.
 
ونقل رولان بيير بارانغو في مقال له نشر بصحيفة "لوموند" الفرنسية يوم 26 أبريل/نيسان 1998 بعنوان "المرآة للأوكرانيات" أن أكثر من 14 ألف ألبانية يمارسن الدعارة في أوروبا.
 
وحسب السلطات الأمنية الألبانية، فإن ما بين 30 و40% منهن اختطفن من بلادهن وأدخلن إلى عالم الدعارة بالقوة في الخارج، و40% منهن قاصرات.
 
ويقدر الإنتربول الدولي أن دخل السمسار الواحد في أوروبا من هذا "العمل" يصل إلى 720 ألف فرنك فرنسي في السنة عن "رأس" واحدة.
 
وعقب إلقاء القبض على سماسرة بلغاريين في فرنسا في أغسطس/آب 1999، أورد الصحافي فيليب موطا في مقال له نشر بصحيفة "لوفيغارو" الفرنسية بعنوان "عبيد الشبكة البلغارية" أن المتاجرين يديرون تجارة مغرية، "فكل فتاة تحصل على متوسط مال يقدر بمليوني فرنك سنويا، وبعضهن جمعن أكثر من 10 ملايين فرنك في بضع سنوات، لكن لم يكن لهن منها سوى "ساندويتش" ومشروب غازي كل يوم.
 
ولم يقتصر الأمر على الشبكات غير القانونية فحسب، بل توجد أشكال أخرى من المتاجرة بالرقيق الأبيض بطرق "قانونية" واضحة، وتحت سمع وبصر السلطات الرسمية، بل تحت رعايتها وحمايتها.
 
الأشكال القانونية أفسحت المجال أمام مغامرين ومغامرات ومتاجرين ومتاجرات مثل الملياردير الأميركي "لاري فلاينت" والألمانية "بيت أوهس"، ويعتبر الأول ملك تجارة "البورنو" في العالم ومدير الجريدة المتخصصة "بيبل" ومجلات أخرى تربو على العشرين.
 
"
مع الإنترنت والفضائيات العابرة للأوطان والجدران، تجاوزت الإباحية الجنسية كل الحدود الجغرافية والسياسية والأخلاقية
"
ورغم تعرضه لمحاولة اغتيال عام 1978 من تنظيم شبكة مافيا منافسة له كاد أن يفقد فيها حياته وأقعدته على كرسي متحرك، فقد استمر في التجارة الخبيثة معتبرا نفسه "مناضلا من أجل الحرية"، وما زال يوسع إمبراطوريته "البورنوغرافية" ليبقى متربعا على رأس قائمة المفسدين.
 
أما الألمانية "بيت أوهس" فقد كانت قائدة طائرة حربية خلال الحرب العالمية الثانية، وتسير اليوم "مقاولة" للثقافة الخليعة، وتجني حوالي 400 مليون فرنك فرنسي من بيعها مقالات جنسية.
 
وهذه المرأة التي يعرفها 98% من الألمانيين تجاوزت السبعين من عمرها ولم تتوقف عن هذا "العمل"، بل وسعت تأثيرها خارج ألمانيا ليصل إلى بلدان بريطانيا وسويسرا والنمسا وسلوفينيا.
 
ولو ذهبنا نستقصي في كل بلد، بمن فيها بلدان العالم العربي، فسوف نجد في كل منها أباطرة وسماسرة يتحكمون في السوق عرضا وطلبا وجنيا للأموال.
 
الاكتساح والثورة القادمة
مع الشبكة العنكبوتية الإنترنت والفضائيات العابرة للأوطان والجدران، تجاوزت الإباحية الجنسية كل الحدود الجغرافية والسياسية والأخلاقية، وصار بإمكانها تنظيم نفسها وقهر خصومها وتحطيم القوانين الدولية.
 
وانتقلت من الدعارة المنظمة والمقنعة إلى الشذوذ الجنسي والاستغلال الجنسي للأطفال والسياحة الجنسية التي يتزايد الطلب عليها كل عام بوتيرة تصاعدية، وهي ميادين اكتسحتها الإباحية وحققت فيها "مكتسبات" كبيرة.
 
ويستحق كل مجال من المجالات المذكورة تفصيلا خاصا به يضيق المقال الحالي عنه، وتجدر الإشارة إلى أن القوى المضادة والمناهضة لهذا الاكتساح أخذت تستجمع جهودها وتسجل "انتصارات" متتالية تنذر بعصر جديد لثورة أخرى مضادة للأولى في الاتجاه ومساوية لها في القوة، وفق القانون الفيزيائي الاجتماعي المعروف، وهو ما يستوجب التحليل والنظر.
ــــــــــــــــــ

المصدر : الجزيرة