جعفر محمد الشايب 

الملك فهد ومواجهة الأزمات
الملك عبد الله وتعدد المبادرات
التحديات الراهنة واستشراف المستقبل

يثير الكثير من المراقبين تساؤلات عديدة حول مستقبل الوضع في المملكة العربية السعودية بعد غياب الملك فهد بن عبد العزيز وتولي الملك عبد الله سدة الحكم، وعن تحولات السياسة الداخلية والخارجية أمام التحديات التي تواجهها المملكة وخاصة في ظل التطورات المتلاحقة في المنطقة، ودخول المملكة طرفا أساسيا في مشروع مكافحة الإرهاب بصفتها من أبرز الدول المتضررة منه ميدانيا وسياسيا.

ومع أن إدارة شؤون الدولة خلال السنوات الأخيرة الماضية كانت فعليا بيد ولي العهد –الملك الحالي– الذي كان يمارس جميع الصلاحيات، إلا أن وفاة الملك فهد ستخلق بصورة تلقائية أجواء وظروفا جديدة قد تمهد لمراجعة وإعادة صياغة السياسات العامة المتصلة بالعديد من القضايا المعلقة.

إن الظروف التي يعيشها العالم حاليا تختلف تماما عما كانت عليه عندما كان الملك فهد –رحمه الله– يدير دفة الحكم ويمارس دوره وعمله كزعيم سياسي. فالعالم مر بتحولات كبيرة خلال هذه المرحلة انعكس على موقعية السعودية ودورها الإقليمي والعالمي، وبالتالي فإن ذلك يتطلب إعادة رسم لهذا الدور من أجل الإبقاء على فاعلية أكبر في القرار الدولي والإقليمي.

كما أن الوضع الداخلي خلال هذه الفترة قد تغير أيضا بصورة دراماتيكية من خلال بروز قوى وشرائح اجتماعية فاعلة تسعى للبحث عن مواقع مناسبة لها في الخارطة المحلية.

الملك فهد ومواجهة الأزمات

"
طوال فترة حكمه والتي استمرت 23 عاما منذ بداية الثمانينات الميلادية استطاع الملك فهد بن عبد العزيز أن يدير العديد من الأزمات المحلية والإقليمية بصورة نموذجية، كما تمكن أيضا من القيام بالعديد من المبادرات السياسية على الصعيد الداخلي والخارجي
"
طوال فترة حكمه والتي استمرت 23 عاما منذ بداية الثمانينات الميلادية استطاع الملك فهد بن عبد العزيز أن يدير العديد من الأزمات المحلية والإقليمية بصورة نموذجية، كما تمكن أيضا من القيام بالعديد من المبادرات السياسية على الصعيد الداخلي والخارجي.

فمنذ مجيئه إلى الحكم –بل مذ كان وليا للعهد- وقف وبقوة مع خطط التنمية المحلية ودعمها ورعاها شخصيا بصورة كبيرة، على الرغم من الآراء المحافظة السائدة التي كانت تدفع باتجاه الانكفاء على الداخل تحت تبريرات المحافظة على الأعراف والتقاليد، والتخوف من الانفتاح على الآخر.

وقد واجه في ذلك أشكالا كثيرة من المعارضة والممانعة، ولكنه كان مصرا على المضي في مشروع التنمية والتطوير بكل قوة وثقة.

كما كان له دور بارز –رحمه الله- في مواجهة أزمة احتلال الحرم من قبل السلفيين المتشددين بقيادة جهيمان العتيبي عام 1979م حيث كان حينها وليا للعهد.

وكانت تلك الحادثة تعتبر من أخطر القضايا التي مرت على المملكة من ناحية مكانها وهو الحرم المكي الشريف لما له من قدسية لدى كل مسلم، ومن ناحية القائمين عليها وهم المحسوبون كحلفاء تقليديين للنظام السياسي الحاكم، فمواجهة أزمة بهذا الحجم كانت تتطلب قوة ودراية ومعرفة.

وعلى إثر أزمة حرب الخليج الثانية، وفي سعيه لتطوير مؤسسات الدولة أقر الملك فهد عام 1991م أنظمة الحكم الثلاثة (النظام الأساسي، نظام مجلس الشورى، نظام المناطق) من أجل إعادة تنظيم هذه المؤسسات وإعطائها دورا أوسع في المشاركة في السلطة ولو بصورة محدودة.

كما قاد الملك فهد أيضا مبادرة مصالحة وطنية مع المعارضة الشيعية عام 1993م انتهت بعودة جميع أفرادها من الخارج والإفراج عن المعتقلين السياسيين.

وعلى الصعيد الخارجي دعم الملك فهد قيام مجلس التعاون الخليجي في ظل تحديات إقليمية كبيرة كان أبرزها نشوب الحرب العراقية الإيرانية التي ساندت فيها دول الخليج العراق، ونشأت عن ذلك أزمات مختلفة من بينها توتر العلاقة بين دول الخليج وإيران.

وخلال أزمة الخليج الثانية واحتلال العراق لدولة الكويت اتخذ الملك فهد قرارا إستراتيجيا بالاستعانة بالقوات الأجنبية لمواجهة الاحتلال والدفاع عن المملكة، على الرغم من الآثار التي كان سيخلفها مثل هذا القرار على الوضع الداخلي وما نتج عنه من تداعيات كبيرة على مختلف الأصعدة.

وخلال فترة الثمانينات والتسعينات الميلادية لعبت السياسة والعلاقات الخارجية السعودية دورا مركزيا في العديد من القضايا الإقليمية كلبنان وأفغانستان والقضية الفلسطينية، وكانت نشطة للغاية في استيعاب ومعالجة وتبني العديد من الملفات العالقة في هذه القضايا المختلفة.

الملك عبد الله وتعدد المبادرات

"
لعل من أبرز اهتمامات الملك عبد الله تعاطيه مع مطالب الإصلاح الشعبية، فقد كان يستقبل دعاة الإصلاح بصورة مستمرة ويتقبل آراءهم ومقترحاتهم بل ويتبنى العديد منها، لاعتقاده بأنها ستصب في النهاية في مصلحة الوطن بصورة أو بأخرى
"

تميز الدور الذي لعبه الملك عبد الله خلال الفترة الماضية بالعملية والانفتاح والتواصل مع مختلف الطبقات الاجتماعية.

فقد كان أول من قاد حملة لدعم الفقراء ومساندتهم من خلال زيارته الميدانية للأحياء الفقيرة في الرياض ودعمه للمشاريع الموجهة لهم كالإسكان الخيري وصندوق معالجة الفقر وغيرها.

وتركز خطابه الداخلي على تعزيز الوحدة الوطنية من خلال مبادرة مركز الحوار الوطني الذي هدف إلى إيجاد إطار موسع يمكن من خلاله جمع مختلف الأطراف والفاعليات وفتح المجال أمامها للتحاور حول قضايا وطنية مشتركة. وساهم ذلك في تهدئة حالة التوتر التي كانت سائدة لفترة طويلة نتيجة سيادة الرأي الواحد وانعدام حالة الحوار بين فئات وأطياف المجتمع السعودي.

ولعل من أبرز اهتماماته أيضا تعاطيه مع مطالب الإصلاح الشعبية، فقد كان يستقبل دعاة الإصلاح بصورة مستمرة ويتقبل آراءهم ومقترحاتهم بل ويتبنى العديد منها، لاعتقاده بأنها ستصب في النهاية في مصلحة الوطن بصورة أو بأخرى.

كما شملت اهتماماته أيضا معالجة المشاكل الإدارية الناتجة عن التسيب الإداري والفساد المالي في بعض أجهزة الدولة، فقد أصدر العديد من الأوامر بخصوص الحفاظ على المال العام وعدم التعدي عليه وضرورة الاهتمام بقضايا عموم المواطنين ومعالجة احتياجاتهم والإسراع بتنفيذ القرارات الحكومية التي تصدر في هذا المجال.

وعلى الصعيد الخارجي، قاد الملك عبد الله مبادرة تحسين العلاقات السعودية الإيرانية بعد سنوات طويلة من التوتر، حيث انعكس ذلك على علاقات إيران بدول الخليج وبعض الدول العربية سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الأمني.

ويلحظ خلال هذه الفترة قيام المملكة بترتيب وصياغة اتفاقيات حدودية جديدة مع العديد من الدول المجاورة كالكويت واليمن وإنهاء المشاكل العالقة في هذا المجال.

كما نجح الملك عبد الله أيضا في إعادة ترميم وصياغة علاقات أكثر توازنا مع الولايات المتحدة الأميركية وذلك بعد الشرخ الكبير الذي طرأ عليها جراء أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، والتي كان لها دور كبير في استهداف السعودية إعلاميا وسياسيا وتوجيه الاتهامات لها بضلوعها في دعم واحتضان الإرهاب.

التحديات الراهنة واستشراف المستقبل
لاشك أن الانتقال السلس للسلطة والحكم والالتفاف الشعبي مع القيادة واللذين برزا خلال تسلم الملك عبد الله لمقاليد الأمور في المملكة يعتبران من محاور القوة التي يمكنها أن تساهم في الدفع بالمزيد من الحركية والتعاطي الفاعل مع القضايا والتحديات القائمة في هذه المرحلة.

لقد مرت سياسة المملكة خلال الفترة الماضية بحالة من السكون في أدائها ترقبا لما تسفر عنه بعض التطورات المحلية والإقليمية ودون الأخذ بمبادرات تستجيب للتطورات المتسارعة في المحيط الإقليمي والساحة الدولية.

وبقراءة موجزة للشأن السعودي، فإن أبرز التحديات والقضايا الداخلية التي تواجه المملكة في هذه المرحلة تتلخص في قضيتين هما: تفعيل الإصلاح ومواجهة الإرهاب.

الإصلاح في السعودية بكل أبعاده لم يعد قضية قابلة للتأجيل، فالتغيرات الداخلية بمختلف أبعادها تستلزم قراءة جديدة لهذا الواقع بصورة تتناسب مع التطورات والتحولات التي يمر بها المجتمع السعودي.

إن بروز قوى وشرائح اجتماعية جديدة لها همومها وطموحاتها ومتطلباتها الثقافية والاقتصادية والسياسية لم يعد أمرا خافيا، وهي تعبر عن ذلك من خلال الوسائل المتاحة أمامها وتقدم مطالبها بكل وضوح.

لذا من الضروري أن تهيأ المنابر المناسبة للتعبير عن الرأي وإعطاء هذه القوى وغيرها هامشا من حرية التعبير عن تطلعاتها، وذلك لا يتأتى إلا من خلال مشروع إصلاحي شامل يأخذ بعين الاعتبار هذه الحاجات ويراعي مشاركة جميع الفئات والقوى الوطنية فيه.

إن ضمان حرية التعبير عن الرأي ينبغي أن يكون الأساس في أي مشروع إصلاحي مستقبلي من أجل الاستفادة من كل أصحاب الفكر والرأي ومن جميع الكفاءات وذوي الخبرات.

لقد كان اهتمام الملك عبد الله بن عبد العزيز بموضوع الإصلاح وتبنيه له محل تقدير جميع الفعاليات الوطنية بل والمنظمات الدولية والحكومات العالمية، وينبغي العمل على الإسراع بتفعيل مشروع الإصلاح من خلال المصادقة على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان الأساسية والسياسية والثقافية والاقتصادية وغيرها، وحقوق المرأة والطفل، ومراقبة أداء الإدارات الحكومية بما يحد من التسيب الإداري والفساد المالي، وتعزيز المشاركة الشعبية عبر توسيع الانتخابات على مختلف الأصعدة، وبناء المؤسسات المعنية بالتنمية الاجتماعية، وإفساح المجال أمام مؤسسات المجتمع المدني وتعزيزها.

وينبغي أن يشمل مشروع الإصلاح أيضا الاهتمام بالجانب الاقتصادي وإعادة ترتيب الأولويات في هذا المجال بحيث تفعل جميع القرارت التي صدرت بهذا الخصوص.

"
من المؤمل أن تكون المملكة في هذه المرحلة قادرة على التعاطي مع التحديات الداخلية والخارجية بمرونة وفاعلية أكثر، من خلال الزخم المعنوي المتعاظم الناتج من وصول الملك عبد الله لسدة الحكم
"

وحول قضية الإرهاب في المملكة فهي تأخذ حاليا بعدا كبيرا من الاهتمام بسبب استفحالها على الرغم من النجاحات المتتالية التي تحققها أجهزة الأمن على هذا الصعيد.

إن مشكلة الإرهاب أصبحت متجذرة أكثر من أي وقت مضى، ولم تعد مقتصرة على أعمال العنف الظاهرية التي تحدث هنا وهناك.

وأمام هذه الظاهرة المعقدة فإن هنالك حاجة ماسة إلى بلورة مشروع وطني شامل يأخذ بعين الاعتبار جميع أبعاد هذه المشكلة من النواحي الفكرية والتعليمية والاجتماعية والسياسية بحيث يتم السعي على تحجيمها وتقليص تأثيرها على أبناء المجتمع.

إن ما نلحظه من تنام لهذه الظاهرة واستمرارها بصور مختلفة ما هو إلا نتيجة لتعمقها فكريا في أذهان الناشئة وبصور مختلفة ومن مصادر متعددة، لذا ينبغي تفعيل مشروع مواجهة الإرهاب ليس بصورة أمنية وإعلامية فقط بل وبمختلف السبل والوسائل الممكنة.

ولعل دراسة سبل التحريض على العنف والكراهية ضد الآخر –مهما يكن- وصورها المتعددة من قبل البعض وفي ما يتناول من مواد ثقافية وتعليمية، يمكن أن يقود إلى معرفة مصادر هذه الأفكار المتطرفة والسلوكيات المتشددة التي تساهم في دعم حالة العنف والإرهاب.

إن المملكة تتحمل في هذه المرحلة خسائر كبيرة بسبب انتشار حالات العنف داخليا وخارجيا حتى أصبح أي عمل إرهابي في العالم ينسب بصورة مباشرة إلى المملكة، لذا فإن هذه القضية ينبغي أن تكون من الأمور الأكثر بروزا في أولويات السياسة السعودية.

أما على الصعيد الخارجي، فهنالك تحدي إعادة تصحيح الصورة المرسومة للمملكة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول ويحتاج ذلك إلى جهود دبلوماسية وإعلامية مناسبة وعلى مختلف المستويات لإبراز جوانب الاعتدال والتعايش السلمي في المجتمع السعودي.

ولعل أبرز الدول المعنية بالشأن السعودي هي الولايات المتحدة الأميركية التي يهمها أن تتعمق علاقاتها مع المملكة عبر معالجة القضايا ذات الاهتمام المشترك وهي الإصلاح السياسي والمصالح الاقتصادية ومكافحة الإرهاب.

من المؤمل أن تكون المملكة في هذه المرحلة قادرة على التعاطي مع هذه التحديات الداخلية والخارجية بمرونة وفاعلية أكثر، من خلال الزخم المعنوي المتعاظم الناتج من وصول الملك عبد الله لسدة الحكم والذي ينبغي أن يوجه بصورة مباشرة للقضايا الوطنية الرئيسية.
ــــــــــــــــــ
كاتب سعودي

المصدر : الجزيرة