توجان فيصل

 

في اليمن رفعت أسعار الوقود بنسبة 37%، وسبق إعلان الرفع وعد بديمقراطية أكثر تجليا في إعلان رئيس الجمهورية علي عبد الله صالح, فهو -على الأقل- لا ينوي ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية القادمة. وبغض النظر عن درجة مصداقية الإعلان أو تصديق قطاعات الشعب اليمني له وعن ارتباطه بضغوط خارجية فإن مجرد وعد كهذا يمثل نقلة نوعية لابد أن تخفف من مجمل إحساس الشعب, أي شعب بالظلم والتهميش والاستغلال, وبالتالي لابد أن يخفف من ردة الفعل الغاضبة الناتجة عن قرار رفع سعر المحروقات.

 

ومع ذلك عمت المظاهرات الشوارع واستمرت لأيام, وقد تكون ما تزال مستمرة لحين نشر هذا المقال, وتصاعدت المواجهة مع الحكومة لدرجة أن ستة وثلاثين مواطناً سقطوا قتلى وجرح ما يزيد على المائة حتى لحظة كتابة هذا المقال.

 

أما في الأردن فقد تم رفع أسعار مشتقات النفط بنسبة مقاربة تصل إلى 33%, ولكن الحكومة أعلنت أن هذه مقدمة فقط لدفعتين من الرفع أخريين ستتمان خلال العامين القادمين, أو أقرب من هذا. ولم يرافق قرار الرفع أي إعلان عن زيادة منسوب الديمقراطية المتدني.

 

"
يلتقي الأضداد في البرلمان على فكرة أنه من الضروري تشكيل الحكومة مما يسميه الطرفان, تجاوزاً, أغلبية نيابية, ولكنهم يختلفون في التفاصيل التي هي أهم
"
مع هذا لم ينزل الأردنيون في مظاهرات ولا جرى احتجاج في الشارع -وإن كان هنالك إجماع على الرفض والاحتجاج في الصحافة من الكتاب ومن الآراء الشعبية- يزيد على اعتصام هزيل لأحزاب المعارضة, لساعتين من الزمن أمام مجلس النواب وبعد أخذ إذن رسمي من الحكومة ذاتها المعترض على قراراها, لم يصل فيه عدد المعتصمين إلى خمسين شخصاً.

 

فهل معنى هذا أن الديمقراطية الأردنية أكثر تجذراً ومأسسة من الديمقراطية اليمنية, وأن مجلس النواب هو فعلاً العاصم للحكومة من أي زلل، والقادر على وقفها عند حدها دونما حاجة للمظاهرات, وبمجرد إشعار البرلمان عبر الصحافة وباعتصام رمزي؟

 

هنا لابد أن نذكر أن اللجنة المالية في مجلس النواب "نصحت" الحكومة بأن تؤجل قرارها برفع أسعار المشتقات النفطية لما بعد جلسات الثقة, أي لما يقارب الأسبوعين فقط, بكل ما تحمله هذه النصيحة من مدلولات على نهج يبدو أن النواب ألفوه من تسهيلات متبادلة بين الحكومات وبينهم.

 

ولكن الحكومة رفضت العرض السخي، فكيف ترفض عرضا كهذا حكومة سبق أن وقع ثلاثة وأربعون نائباً مذكرة حجب ثقة عنها لأنها لم تستشرهم عند تشكيلها؟ وإن كان الدستور لا ينص على هذه الاستشارة (ولا هي عرف متجذر كما زعم بعض النواب, أو كما يزعم البعض الآن أنه قد تأسس بفعل حراكهم لتبرير فوز الحكومة عليهم بكل الجولات), وهنالك خروق خطيرة للدستور جرت في عهد هذا المجلس ولم يعترض عليها, بل تواطأ فيها مع الحكومة.

 

ثم ما هي حقيقة مطالب من سموا "بنواب المذكرة" (نسبة إلى مذكرة حجب الثقة) التي تمخضت عن عزل أو استقالة وزير واحد, وليس الطاقم الاقتصادي ولا تغيير النهج الاقتصادي, كما تمخض عنها "تعديل وزاري" لم يغير من بنية الحكومة المرفوضة شيئاً, ولكنه أضاف إلى أعباء الموازنة امتيازات وزراء جدد؟

 

هل يزكي هذا الإجراء الحكومة عند نواب الشعب المهدد بموجة بل بإعصار غلاء, لتحوز على ثقة نيابية عالية بلغت أكثر من ضعف أصوات الحاجبين؟

 

هذه النتائج التي جاءت صدمة للقواعد الشعبية البسيطة, لكونها لم تتناقض فقط مع خطابات النواب, بل أيضاً مع ما أعلنوه فيها من حجب للثقة, كيف جاءت؟

 

نعتمد هنا على ما أوردته الصحافة بناء على مصادر نيابية من أن "العديد من النواب حصلوا على امتيازات غير معلنة", كما أكد العديد من النواب أنهم تعرضوا لضغوط من جهات متعددة وأن على قمة هذه التهديدات حل المجلس, أي فقدان النواب لامتيازاتهم ولحصانتهم.

 

"
لو افترضنا وجود ديمقراطية قبل هذا, فإن صورة مجلس النواب, بأغلبيته الساحقة, بدت محروقة تماماً بعد ما جرى
"
أما أقوال النواب التي سمعناها من أفواههم, فنورد هذه العينات من خطاباتهم: "يقال عنا زوراً وبهتاناً إننا شركاء في صنع القرار". "حاولت أن أمتحن الحكومة لأرى كيف هي الشفافية وكيف هي مكافحة الفساد؟ من خلال أسئلة وجهتها لها عبر المجلس النيابي, فجاءت الإجابات لها رائحة واحدة وهي الطبطبة والتستر على ما فات". "الحكومة جادة في مكافحة الفساد؟ لا أعتقد ذلك وليس هنالك بوادر جدية لوضع محددات لضبط الفاسدين, وما زال التعامل معهم بأبوية وحنيّة وتحت شعارات الاستثمار والولاء الأردني المزيف".

 

أما من أقوال من امتنعوا عن التصويت (والامتناع -دستورياً- يصب في صالح الحكومة), فنورد: "هذه الحكومة هي جزء من مخرجات الأزمة التي نعيش ولن تكون بأي حال من الأحوال جزءاً من الحلول. وقد اعتمدت الحكومة -وهي مجانبة للصواب- على أن ثقة مجلس النواب الرابع عشر (الحالي) هي تحصيل حاصل". "فالإقطاعي لا يقبل من الأقنان إلا سماع كلمة: "حاضر سيدي".

 

أما النواب الذين حجبوا الثقة, فقد أفاد أحدهم في خطابه صراحة, بأن رئيس الحكومة "هدّد وتوعد" رئيس كتلته النيابية نائب رئيس مجلس النواب "إن لم يمنحه الثقة".

 

غني عن القول أنه حتى لو افترضنا وجود ديمقراطية قبل هذا, فإن صورة مجلس النواب, بأغلبيته الساحقة, بدت محروقة تماماً بعد ما جرى. ولمحة من ردود فعل القراء الواردة أسماؤهم في اللقاءات الصحفية توضح حال المجلس: "النواب احتجوا على روبي ونانسي عجرم ولم يستطيعوا وقف رفع الأسعار". "حكومة بدران لا تختلف عن الحكومات السابقة, فتأخير جلسة الثقة مدبلج فالثقة ممنوحة من قبل". "النواب ألقوا خطباً نارية جعلتنا ننتظر جلسة الثقة وأحبطونا.

 

رفعت الحكومة أسعار المحروقات قبل منح الثقة, أما غداَ فماذا سترفع؟ "نحن لنا الله" وطبيعي أن الكل يتساءل إذا ما كان الناس سينزلون في مظاهرات للشارع أم لا؟ ولكن هذا لم يكن يوماً رد الفعل الأهم والأخطر في العمل السياسي, السؤال الأخطر هو ما إذا كان هنالك احتمال أن ينزلوا تحت الأرض؟

 

ففي أواخر عام 1988 فقد الدينار نصف قيمته بسبب سياسات خاطئة وفاسدة, وفي نيسان عام 89 اتخذ قرار رفع أسعار المحروقات بأقل بكثير مما جرى الآن, ففاض الكيل وخرج الناس للشارع فيما أسمي انتفاضة نيسان. ولم تكن العواقب سيئة إذا حكمنا بنتائجها، فقد أثمرت تلك الانتفاضة عودة الحياة النيابية, وخرجت القوى السياسية لسطح الأرض.

 

ولكن الالتفاف على حقوق الأردنيين الدستورية المتأتية من تلك "الحياة النيابية" -لا نقول الديمقراطية لأنها أبعد بكثير- بدأ على الفور, وانتهى إلى صورة المجلس الحالي كما رآها الناس على التلفاز، فماذا يكون رد الفعل الآن؟

 

"
يبدو التيار الثالث هو المرشح لأن ينمو ويسود, في ظل المطلب الشعبي الضاغط باتجاه ثنائية الديمقراطية ومكافحة الفساد المتلازمة
"
على الساحة السياسية الأردنية, وعلى سطح الأرض حيث نعمل نحن ونراقب ونحلل, توجد الآن ثلاثة توجهات: الأول يمثل من يوجدون في المجلس وأخذوا السبق إلى مواقع سياسية أخرى أيضاً بسبب مجمل الظروف السابقة التي صورها وأدانها النواب أنفسهم في خطاباتهم. من وصل من هؤلاء للنيابة يريد الوزارة, ومن وصل الوزارة يطمح لرئاسة الحكومة (قصة نواب الحجب تضمنت محاولة ترئيس وليس فقط توزير).

 

والرئاسة بهذه الطريقة يطمح إليها نقيضان متواجدان في المجلس, الأول: من متنفذي الحكومات السابقة ممن باتوا يملكون "رجالهم" في المجلس. وهذا "الاستزلام" بمن يوصلهم المتنفذون بالموقع أو المال أو كليهما لكونهما يتداخلان أكثر مع ارتفاع منسوب الفساد, يجعلنا في حال أقرب للحال الذي آل إليه مجلس النواب اللبناني.

 

وهذا الخط يسمى ليبراليا تجاوزاً كي لا يسمى رأسمالياً, وهو نسخة من "الفريق الاقتصادي" لكافة الحكومات المتعاقبة. والدليل تعاونه الوثيق معهم في تمرير التشريعات والقرارات. ثم محاولة إسقاط الحكومة بطلب عزله ليحلوا هم محلها, عن طريق تحصيل للفواتير القديمة في المجلس, إضافة لتوظيف مطالب نواب آخرين, مشروعة كانت أو نفعية على حد السواء, بعلم هؤلاء النواب بالتوظيف الجاري أو دون علمهم.

 

ودليل التوظيف اللحظي هو تفتت قائمة "نواب المذكرة" السريع تحت الضغوط  العليا, ما بين ثقة غالبة, ثم امتناع وحجب. والسبب أن قرار "الترئيس" في الأردن ما زال يتجاوز مجلس النواب، ولكن هؤلاء المتنفذين الذين يحفرون عروشهم في البنية النيابية منذ زمن, أضافوا هذه المرة عبارة "الحكومة المنتخبة" وأعطوها بالتحديد سمة "الحكومة النيابية" على أمل أن تسفر المرحلة الحبلى بكل أنواع التغيير في المنطقة العربية كلها, عن تسهيل مهمتهم للوصول لرئاسة الحكومة عبر مجلس النواب.

 

ويلتقي مع هؤلاء في التكتيك الرئيسي -وإن اختلفوا معهم في كل شيء آخر بدءاً من الأيديولوجيا- نقيضهم الموجود بقوة في المجلس, أيضاً بسبب مجمل ظروف قديمة, وهم جبهة العمل الإسلامي, الحزب الممثل لحركة "الإخوان المسلمين".

 

يلتقي الأضداد هنا على فكرة أنه من الضروري تشكيل الحكومة مما يسميه الطرفان, تجاوزاً, "أغلبية نيابية", ولكنهم يختلفون في التفصيل الذي هو أهم، فقادة التوجه الأول يريدون هذه الأغلبية عددية, كي تتأتى لهم من تسديد فواتير "التنويب والتوزير". بينما يريد "الإخوان" إعطاءها صفة حزبية, ولكن دون معيار الأغلبية العددية الملزم في الترتيبات المشابهة في الديمقراطيات الغربية القائمة على الحزبية.

 

"
من منطلق النفوذ المالي والسياسي الآني المحض, وبغض النظر عن الشرعية الديمقراطية, فإن تيار مالكي فواتير غالبية المجلس هم الأقوى
"
وبالطبع, ضمن الأفضلية التي تمتعوا بها كتنظيم وحيد مصرح له بالعمل منذ قيام المملكة حين كانت بقية التنظيمات ممنوعة علناً وتقمع صراحة, فإن الإخوان المسلون سيشكلون كل الحكومات الآتية, باعتبارهم أغلبية حزبية داخل المجلس, دون أن يكونوا أغلبية نيابية.

 

أما التوجه الثالث, فهو مبادرة إصلاح أطلقها مع بدابة عهد الملك عبد الله في أوائل عام 99 تجمع مختلف القوى الوطنية، وهي تمثل قيادات منتخبة نقابية وحزبية وعشائرية وقيادات منظمات مجتمع مدني ونخب أكاديمية وفكرية. (الإخوان ليسوا منهم, بل قاوموا المبادرة عند إطلاقها واتهموها بقسمة المعارضة الأردنية).

 

هؤلاء وضعوا برنامجاً إصلاحياً لتكريس "ملكية دستورية", يقوم بشكل رئيسي على إزالة كل ما أصاب دستور عام 52 من تشوهات، وإجراء تعديلات دستورية تعزز روح دستور عام 52 وتنسجم مع مفاهيم الديمقراطية الحديثة.

 

ويمثل التعديل المتعلق بانتخاب رئيس الوزراء مباشرة من الشعب العصب الرئيس لهذه المبادرة, إضافة لما يضمن مأسسة العملية الإصلاحية، مثل إنشاء محكمة دستورية, وضمان الحقوق والحريات العامة ومكافحة الفساد, عبر تفعيل القضاء النظامي وإعطائه استقلالية حقيقية وإلغاء محكمة أمن الدولة والمحاكم الاستثنائية.

 

وهذا البرنامج أعيد طرحه منذ أقل من شهرين, ووصل عدد الموقعين عليه إلى مائة وثلاثين وهم في ازدياد مضطرد. والمهم أن عدداً من نواب هذا المجلس انضموا للموقعين, وفي مقدمتهم أبرز الحاجبين للثقة.

 

ووضع نواب الحجب الجديد المتباعد عن الأغلبية النيابية والمتقارب مع الشارع, يؤكد أكثر من ذي قبل ضرورة العمل ضمن إطار شعبي أوسع وأكثر تجذراً في الشارع من مجلس النواب الحالي, خاصة بعد ما آل إليه حاله بعد الثقة.

 

بالمنطق التاريخي وفي إطار الممكن والمعقول في حركة التغيير والإصلاح الجارية بأكثر من دفع لأكثر من جهة, يبدو التيار الثالث هو المرشح لأن ينمو ويسود, في ظل المطلب الشعبي الضاغط باتجاه ثنائية الديمقراطية ومكافحة الفساد المتلازمة.

 

أما من منطلق النفوذ المالي والسياسي الآني المحض, بغض النظر عن الشرعية الديمقراطية, فإن التيار الأول -مالكي فواتير غالبية المجلس- هم الأقوى, ويعتمدون كما في لبنان تماماً, على "الإعانات" التي يزيد الطلب عليها مع تأزيم الأوضاع الاقتصادية -كما يجري الآن- وليس تصحيحها.

 

أما التيار الثالث فيبدو المرشح للفوز بالساحة إذا ما تعمق اليأس وإحباط الشارع من كل ما رآه وسمعه من خطايا تمت باسم "الديمقراطية", خاصة أن عامة الشعب لا تحيط علماً بدقائق الدستور والمفاهيم السياسية الحديثة والآتية في أغلبها من التجارب الغربية.

 

ومما يجعلني أحتار أين ترى ستصب نتائج الإحباط الأخير, أورد حديث سيدة التقيتها في مركز تسوق, أوقفتني لتعرب عن حماسها الشديد لمواقفي ومقالاتي.

 

وحين اختصرت الحديث بقولي إن الحل ممكن بانتخاب رئيس الحكومة كي يحسب حساب الشعب. قاطعتني بلهفة قائلة: "لا أرجوك, سينتخبون وحداً مثل هؤلاء النواب. نريد الخلافة". وهذه ليست أول مرة أسمع فيها هذا الحديث ممن لا أتوقع منهم ذلك, ولكنني أجزم بأن هذه السيدة لا تعرف أن كلامها يصب في البرنامج المعلن "لحزب التحرير" الممنوع، وفي المخطط بعيد المدى وغير المعلن "للإخوان المسلمين" المصرح لهم بالعمل, استثناء وبامتياز منذ نشوء المملكة.

 

ولكن ما لا تعرفه هذه السيدة هو مصير ذراعيها المكشوفتين حتى الكتف لو جاء "الخليفة". هي ببساطة وبداهة تحاول أن تترجم إلى خطوة عملية مقولة المواطن الذي نقلت عنه الصحافة قوله: "لنا الله".

___________________

كاتبة أردنية

المصدر : الجزيرة